لما سالتها

​البيت بالأرض اللي حواليه قيمته ما تقلش عن تمانية مليون جنيه.
​كنت عايزه بنتي تبدأ حياتها الزوجية من غير ما يكون عليها أقساط ولا ديون تقطم ظهرها.
​ياسمين عيطت من الفرحة لما شافت المفتاح.
​حسام بس مسك المفتاح وقعد يقلب فيه بين صوابعه وابتسم ابتسامة رضا وغرور.
​”هنحتاج نجيب شركة لاند سكيب نظيفة توضب الجنينة دي،” قالها وهو باصص لتراب شغل الأرض اللي تحت ضوافري. “مش هينفع المكان يبان إنه مزرعة بجد لما أصحابنا ييجوا يزورونا.”
​ياسمين ضحكت وكأنه قال إفيه عبقري.
​بعدها، حسام قعد يستظرف ويترعن على جزمتي القديمة بتاعة الشغل، والدواليب القديمة اللي في المطبخ، والقمصان الجينز اللي بلبسها، والعربية النصف نقل اللي بسوقها في المزرعة.
​وياسمين ولا مرة دافعت عني.
​وكنت طول الوقت بديلهم أعذار وأقول معلش.
​كل ده وقف في المكالمة دي.
​وأنا قاعدة في مطبخي، مكنتش قادرة أضحك على نفسي أكتر من كده.
​هُمّه عايزين المزرعة.
​عايزين الفيلا.
​عايزين الفرح الفخم ومنظر العز اللي اتعمل من شقا عمري كله.
​هُمّه بس مش عايزين شكلي يبان في صور الفرح.
​مزعقتش.
​ومطلبتش منها تراجع نفسها.
​خدت بق قهوة بالراحة وقلت:
​”تمام، فهمت.”
​وقفلت السكة.
​بعدها بدقايق، دخلت المكتب وفتحت اللاب توب.
​الدفعات الأخيرة لمتعهد الأكل، بتوع الورد، الفرقة، شركة الفراشة، متعهد الكراسي، والديكور كانت متجدولة تخرج من حسابي الساعة اتناشر الضهر.
​راجعت كل دفعة معلقة.
​وبعدين كلمت عم إبراهيم، مدير المزرعة.
​”صباح الخير يا حاج أمل.”
​”عم إبراهيم، عايزة أغير كود البوابة الخاصة.”
​سكت شوية.
​”حاضر.”
​”وتغير كوالين الفيلا اللي عند الترعة كلها.”
​السكوت المرة دي طوّل أكتر.
​”تحبي تحكي لي إيه اللي حصل؟”
​”لا.”
​”يبقى مش هتقل عليكِ.”
​بصيت على عقود الفرح اللي مفروشة على مكتبي.
​”في حاجة كمان.. أي عربية تبع الفرح أو بتوع الفراشة والتجهيزات متعديش من البوابة وما تدخّمش المزرعة.”
​نبرة صوته بقت جادة جداً:
​”أمرك يا هانم.”
​بعد ساعتين، رجعت البيت بعد ما كنت بلقّم ورد الجنينة اللي قدام المداخل.
​موبايلي كان منور على رخامة المطبخ.
​الشاشة مليانة رسائل، إشعارات البريد الصوتي، ومكالمات ورا بعضها.
​فوق خالص، كان مكتوب أربع كلمات جنب رقم كبير:
​59 مكالمة لم يُرد عليها.
​مش هتصدقوا إيه اللي حصل بعد كده…
(مسكت الموبايل وحطيته في الشاحن. أول ما الشاشة نورت، كان فيه سييل من الرسائل من ياسمين وحسام:
​”ماما، الكروت مرفوضة ليه؟”
“الناس بتوع الفراشة واقفين على البوابة وعم إبراهيم مش راضي يدخلهم!”
“أنتِ بتعملي إيه؟ دي ليلة عمري! ردي عليا!”
​بعد كمية الرسائل دي، جه مسج من حسام نبرته متغيرة تماماً، فيها تهديد مستتر:
“أستاذة أمل، التصرفات دي مش في صالح حد. أهلي جايين من الصعيد وبكرة الفرح، لو ده كارت بتبتزينا بيه فدلوقتي مش وقته خالص.”
​ابتسمت بهدوء، وقعدت أشرب كوباية شاي بالنعناع.
​أنا ملغيتش بس دفعات الفراشة والديكور والورد والفرقة.. أنا دخلت على أبليكشن البنك وصرفت النظر تماماً عن تحويل ملكية الفيلا، وبعتّ ميل للفيز المتخصصة بالشؤون القانونية عشان يوقفوا إجراءات التنازل فوراً.
​الساعة جابِت أربعة العصر، وسمعت صوت عربية حسام الزيرو وهي بتفرمل بره المزرعة بغشومية.
​خرجت وقفت في التراس، لقيت حسام نازل من العربية وشّه أحمر من الغضب، وياسمين وراه بتبكي وانهيارها مالي المكان.
​حسام طلع درجات السلم بسرعة وهو بيصعّق:
“أنتِ فاكرة نفسك بتعملي إيه؟ ملغيتيش الدفعات ليه؟ والناس بره واقفين مستنيين فلوسهم! والفيلا مفاتيحها اتغيرت ليه؟!”
​رديت عليه ببرود أبرد من التلج، وأنا باصة في عينيه مباشرة:
“أصل المكان ده بتاع ست فلاحة، بتلبس جزمة شغل متوسخة تراب، وبتسوق عربية نص نقل.. ومينفعش ناس شيك من مستواكم الرفيع يعملوا فرحهم في مزرعة حقيقية يزورهم فيها أصحابهم الشيك.”
​حسام وشه اتخطَف، وكأنه أكل قلم على وشه. بص لياسمين بصة ذهول.
​ياسمين جيت تجري عليا وهي بتعيط:
“ماما.. أنا آسفة! حسام مكنش يقصد، هو بس كان متوتر من أهله ومصاريف الفرح!”
​قلتلها بمنتهى الهدوء:
“يا ياسمين، حسام مكنش متوتر.. حسام كان صريح، وأنتِ كنتِ موافقة. هُمّه مش عايزين شكلي ولا بني أدميتي، هُمّه عايزين القرشين والأرض والفيلا. وبما إن بيئتي وسلوكي مش عاجبينكم، فـ ‘العزبة’ دي كلها بحاجتها بفلوسها خط أحمر عليكوا.”
​حسام حاول يتدارك الموقف وغير نبرته:
“يا طنط أمل.. أنتِ فهمتي الموضوع غلط، دي لحظة غضب و…”
​قاطعته ورفعت إيدي:
“أستاذ حسام.. الفرح اتلغى من عندي. والفيلا اللي بتمانية مليون جنيه رجعت لمالكتها الأصيلة. وتقدروا تروحوا تأجروا قاعة على قد فلوسكم، وتعملوا الفرح بالطريقة اللي تريح أهلكم وشبكتكم الاجتماعية.”
​ياسمين صرخت:

الصفحة السابقة 1 2 3الصفحة التالية

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *