بعد م دفنت ابنى

سكتنا.
وبعدين قال
أنا مش عايز أخد منك حاجة.
بصيت له طويلًا.
متأخر.
قال
أنا عارف.
أستاذ حسام كان ساكت.
كريم كمل
أنا كنت فاكر إن كل حاجة هتتحل لو بدأت من جديد.
قلت
مفيش حاجة اسمها تبدأ من جديد وإنت سايب وراك ناس مكسورة.
سكت.
ثم قال
أنا آسف.
المرة دي ما حسيتش إن الكلمة فرحتني.
لأن في حاجات الاعتذار عنها مهم
بس مش كفاية.
قلت
أنا مش هطلب منك ترجعني.
بصلي.
ومش هطلب منك تندم.
سكت.
أنا بس عايزة كل واحد فينا يتحمل نتيجة قراراته.
هز راسه.
خرج من المكتب.
وأنا فضلت قاعدة.
أستاذ حسام بصلي وقال
ندى، فيه حاجة تانية.
بصيت له.
طلع ورقة.
دي كانت في الملف القديم بتاع البيت.
فتحتها.
كانت رسالة بخط إيدي.
رسالة كتبتها لنفسي يوم اشتريت البيت.
قريتها.
كنت كاتبة
أنا بشتري البيت ده عشان يبقى أول مكان أحس فيه إني أمان.
وقفت.
أمان.
الكلمة دي فضلت تلف في دماغي.
أنا كنت فاكرة إن الأمان هو البيت.
وبعدين افتكرت إن البيت مجرد حيطان.
الأمان الحقيقي
هو إنك ما تسمحيش لحد يقنعك إنك مالكيش قيمة من غيره.
رجعت للبيت بعد أيام.
وقفت قدام الباب.
المكان نفسه.
نفس الشارع.
نفس الشباك.
لكن أنا ماكنتش نفس ندى.
دخلت.
مشيت في الصالة.
وقفت قدام المطبخ.
المعلقة الزرقاء كانت لسه مكانها.
مديت إيدي وخدتها.
حضنتها.
وقعدت على الأرض.
ولأول مرة من يوم وفاة ياسين، ماحاولتش أهرب من ذكرياته.
فتحت أوضته.
دخلت.
الديناصور لسه مكانه.
العربية الحمرا تحت السرير.
الرسمة على الحيطة.
قعدت على السرير.
وقلت
أنا رجعت يا حبيبي.
وبعدين أخدت نفس طويل.
ومش هسيب مكانك يتحول لحاجة توجعني.
بعدها بأيام، بدأت أغير البيت.
مش عشان أمسح ياسين.
عشان أقدر أعيش.
حوّلت جزء من أوضته لمكان صغير فيه صوره ورسوماته وحاجاته المفضلة.
وسيبت جزء تاني فاضي.
لأن مش لازم كل حاجة تتغير مرة واحدة.
رجعت لشغلي.
رجعت أخرج.
رجعت أشوف أهلي وصحابتي.
وفي يوم، وأنا قاعدة في البلكونة، جالي اتصال من رقم غريب.
رديت.
أستاذة ندى؟
أيوه.
أنا من الشركة اللي كانت بتراجع ملف العقار.
قلبي اتقبض.
فيه حاجة؟
لأ، بالعكس. إحنا محتاجين نبلغ حضرتك إن كل الطلبات السابقة المتعلقة بالعقار اتقفلت نهائيًا، ومفيش أي التزام مالي قائم باسم حضرتك.
قفلت المكالمة.
بصيت للسماء.
لأول مرة من شهور حسيت براحة.
مش لأن كريم خسر.
لكن لأني أنا ماخسرتش نفسي.
بعد شهر، وصلني ظرف.
فتحته.
كان فيه مفتاح البيت.
ومعه ورقة من كريم.
قرأتها مرة واحدة.
أنا أخدت حاجتي كلها. البيت ليكي. أتمنى تعيشي فيه بهدوء.
حطيت الورقة جانبًا.
مافرحتش.
ومازعلتش.
بس حسيت إن فصلًا انتهى.
وفي نفس الليلة، وقفت قدام صورة ياسين.
وقلت
تعرف يا حبيبي؟ بابا كان فاكر إن البيت هو اللي يديه القوة.
ابتسمت وسط دموعي.
بس طلع إن ماما هي اللي كانت ماسكة المفتاح طول الوقت.
وبعدها قفلت النور.
ومشيت.
البيت فضل واقف.
لكن المرة دي
ماكانش شاهد على نهاية جوازي.
كان شاهد على بداية ندى من جديد.
لأن أكبر غلطة كريم عملها ماكانتشي إنه حاول يطردني من البيت.
أكبر غلطة عملها
إنه افتكر إن الست اللي سكتت 12 سنة ماعندهاش حق.
ومافهمش إن السكوت أحيانًا مش ضعف.
أحيانًا بيكون مجرد وقت
الإنسان فيه بيجمع نفسه، ويفتح ملفاته، ويقرأ حقوقه، ويقرر إنه من النهارده مش هيسمح لحد يكتب له نهاية حياته بإيده.
أما أنا
فماخرجتش
من البيت مكسورة.
خرجت منه يومها وأنا فاكرة إني فقدت كل حاجة.
ورجعت له بعد أسابيع وأنا فاهمة الحقيقة
أنا فقدت ابني، وده وجع هيفضل معايا طول عمري.
وفقدت جوازي، وده كان وجع تاني.
لكن نفسي
مافقدتهاش.
ويمكن دي كانت الحاجة الوحيدة اللي كان لازم أحافظ عليها من البداية.
أما البيت؟
فضل باسمي.
والملف؟
فضل معايا.
والمفتاح؟
حطيته في درج صغير جنب صورة ياسين.
مش عشان أفتكر كريم.
ولا عشان أفتكر اللي حصل.
لكن عشان كل ما أشوفه
أفتكر اليوم اللي كنت فيه أضعف واحدة في الدنيا، ومع ذلك قدرت أبدأ أول خطوة في حياتي الجديدة.





