سافرت بالساعات عشان أحضر فرح أخويا، ولما وصلت لقيت المكان فاضي تمامًا. واحد من العاملين بصلي باستغراب وقال فرح أستاذ كريم كان إمبارح يا مدام. ما اتخانقتش، ولا حتى كلمت أخويا. رجعت العربية وسكت. بس بعد تلات أيام، أبويا كلمني عشان يطالبني أدفع ٤٦٨ ألف جنيه باقي تكاليف الفرح... وساعتها اكتشفت إن اللي حصل في الفرح نفسه كان أهون بكتير من اللي مكتوب في العقود. باقي فلوس الفرح ٤٦٨ ألف جنيه. هتحوليهم إمتى؟ أبويا قالها في التليفون بمنتهى الهدوء، كأنه بيفكرني أدفع فاتورة الكهربا. فضلت باصة من شباك مكتبي في هيئة قناة السويس، وسكت كام ثانية، وأنا بحاول أفهم هو قال إيه بالظبط. مش عشان المبلغ قليل. بالعكس. لكن عشان قبلها بتلات أيام بس، كنت سايقة حوالي ست ساعات عشان أحضر فرح أخويا الصغير... وأول ما وصلت اكتشفت إنه اتجوز من غير ما يقول لي. أنا اسمي مريم عبد الرحمن، عندي ٣٩ سنة، وبشتغل في وظيفة قيادية في هيئة قناة السويس. طول عمري متعودة على الالتزام، والمواعيد، وتحمل المسؤولية، وإن أي مشكلة تحصل لازم ألاقي لها حل مهما كانت صعبة. بس للأسف، في عيلتي الموضوع اتفهم بطريقة تانية خالص. بقيت أنا اللي بتدفع لما حد تاني ما يقدرش. أخويا كريم كان عنده ٣٤ سنة. أنا بحبه، طبعًا. بس من وإحنا صغيرين، كان واضح إن أبويا وأمي بيتعاملوا معانا بقواعد مختلفة. لو كريم بوّظ عربيته، أبويا يلاقي له حل. لو اتزنق في فلوس، أمي تقول معلش، ده لسه بيبدأ حياته. لكن لو أنا وقعت في مشكلة، كان الرد دايمًا إنتِ قدها يا مريم... إنتِ عارفة تتصرفي. ولما كريم أعلن إنه هيتجوز نورهان، مدرسة في المنصورة، فرحت له من قلبي. وقبل الفرح بحوالي ست شهور، كريم كلمني. ميرو... أنا مكسوف أطلب منك حاجة، بس إحنا اتزنقنا شوية. أنا ساعتها كنت عارفة هو هيقول إيه. وفي الآخر، دفعت مقدم القاعة في مكان أفراح كبير قريب من القاهرة الجديدة، وساعدت في جزء من تكاليف الأكل، والمصور، وكام مصاريف تانية ظهرت واحدة ورا التانية. المبلغ عدى مئتين ألف جنيه. ولا مرة عايرته بيهم. ولا طلبت منه يرجعهم. كنت شايفاهم هدية لأخويا. حتى إني رتبت شغلي، وبدلت مواعيد إجازتي، وظبطت كل حاجة عشان أقدر أحضر الفرح. وكنت، بصراحة، فرحانة. بقالى شهور ما شوفتش قرايب كتير من العيلة. وكنت متخيلة اليوم ده هيجمعنا كلنا. حتى اشتريت فستان جديد مخصوص. لكن أول ما وصلت القاعة، حسيت إن في حاجة غلط. الباركينج كان شبه فاضي. العمال كانوا بيفكوا الترابيزات والكراسي. واحد بيلم الزينة. وستين كانوا بيشيلوا ورد بدأ يدبل. نزلت من العربية وروحت ناحية الراجل المسؤول عن المكان. لو سمحت، أنا جاية على فرح كريم عبد الرحمن ونورهان. بصلي باستغراب. كريم؟ فرح أستاذ كريم؟ أيوه. سكت لحظة، وبعدين قال يا مدام... الفرح كان إمبارح. حسيت إن الأرض اتهزت تحت رجلي. إمبارح؟! لأ، الفرح النهارده. هز راسه وقال لا والله، كان إمبارح بعد العصر. أنا عندي أمر الحجز هنا. وبالفعل، فتح الدفتر قدامي. التاريخ كان إمبارح. طلعت موبايلي بسرعة. ولا مكالمة من أمي. ولا رسالة من أبويا. ولا حتى حد من قرايبي قال لي إن في حاجة اتغيرت. ولا حتى كريم. وفجأة، جالي إشعار رسالة. من كريم. فتحتها. كان كاتب إحنا اتجوزنا إمبارح. غيرنا المعاد وخليّناها على الضيق. فضلت باصة للرسالة. وبعدين جت رسالة تانية كنا عايزين الناس المهمة بس تكون موجودة. اتجمدت مكاني. أنا اللي دفعت جزء كبير من الفرح. أنا اللي رتبت شغلي مخصوص. أنا اللي سافرت كل المسافة دي. وأخويا، في جملة واحدة، فهمني أنا بالنسبة له إيه. ركبت العربية. وقعدت شوية قدام القاعة من غير ما أتحرك. ما اتصلتش بحد. ما عملتش خناقة. ما شتمتش. ما حتى بعتش له رسالة. بس شغلت العربية ورجعت. في الليلة دي، أمي اتصلت بيا أربع مرات. أبويا اتصل مرتين. وكريم بعتلي تسجيل صوتي ماتكبريش الموضوع يا مريم... ما تعملناش مشكلة من حاجة بسيطة. ما رديتش. تاني يوم الصبح، وأنا بشرب قهوتي قبل ما أنزل الشغل، فتحت فيسبوك. ولقيت صور الفرح. أبويا. أمي. عمامي وعماتي. قرايبي. حتى ناس من العيلة بقالهم سنين ما بيتكلموش مع كريم. كلهم كانوا موجودين. وفي صورة، أبويا كان واقف حاضن كريم وبيضحك. وتحت الصورة مكتوب أجمل يوم، وسط كل الناس اللي بنحبهم. قفلت فيسبوك. لكن اللي حصل بعدها بساعات كان أسوأ بكتير. وصلني إيميل من القاعة. الرصيد المستحق ٤٦٨٠٠٠ جنيه. في الأول افتكرت إنهم بعتوهولي عشان أنا اللي كنت دفعت المقدم. فتحت المرفق. كان عقد الفرح. قعدت أقرأ بند ورا التاني. لحد ما عيني وقعت على خانة مكتوب فيها المسؤول المالي المتضامن. وتحتها... كان مكتوب اسمي كامل. مريم عبد الرحمن. إيميلي. رقم تليفوني. وعنوان شقتي. والأخطر... كان فيه إقرار بالموافقة والتوقيع باسمي. وأنا عمري ما وقّعت على الورقة دي. في اللحظة دي فهمت الحقيقة. إنهم استبعدوني من الفرح... ماكانتش أسوأ حاجة حصلت. الأسوأ إن عيلتي كانت متوقعة مني أدفع ٤٦٨ ألف جنيه تمن فرح أنا أصلًا ما اتعزمتش عليه. لكن اللي ما كنتش أعرفه وقتها... إن كريم ما كانش مجرد عايز يخليني أدفع فلوس الفرح. هو كان عامل حسابه من البداية إن الدَّين كله في الآخر هيتحط فوق دماغي أنا. وما كنتش لسه عارفة هو عمل إيه في العقد... ولا مين اللي وقّع باسمي... ولا ليه أبويا كان واثق بالشكل ده إني هدفع. لأن الحقيقة اللي اكتشفتها بعد كده... كانت أخطر بكتير من مجرد فلوس فرح. في اليوم اللي عرفت فيه إن توقيعي متزوّر، ما روحتش لأبويا. وما اتصلتش بكريم. ولا حتى واجهت أمي. عملت حاجة واحدة بس. قفلت عقد الفرح، وحطيته في درج مكتبي، وبدأت أتعامل مع الموضوع كأنه ملف شغل. لأن فيه سؤال واحد ما كانش سايب دماغي لو أنا ما وقعتش... مين وقّع؟ ومين كان واثق إني مش هكتشف؟ اتصلت بالقاعة. لو سمحت، محتاجة أعرف مين سلّم العقد عندكم، ومين كان حاضر وقت توقيعه. الراجل سكت شوية وقال مدام مريم، العقد اتبعت لنا إلكتروني الأول، وبعدها النسخة الورقية اتسلّمت من طرف الأستاذ كريم. مين وقّع قدامكم؟ الحقيقة... التوقيع كان موجود بالفعل لما وصلنا العقد. يعني محدش شافني وأنا بوقع؟ لأ. قفلت المكالمة. دي كانت أول نقطة لصالحنا. لكن كان فيه حاجة أغرب. العقد كان مكتوب فيه إن المبلغ المستحق ٤٦٨ ألف جنيه. مع إن المقدم اللي أنا دفعته كان أكتر من مئتين ألف. فتحت إيصالات التحويل القديمة. وبدأت أحسب. المبالغ اللي دفعتها أنا كانت داخلة في الحساب. لكن فيه مبالغ تانية اتدفعت للقاعة بعد كده. مبالغ كبيرة. والغريب إن بعضها كان قبل الفرح بيومين. فتحت كشف الحساب اللي عندي. وقتها لاحظت اسم شركة. شركة ما أعرفهاش. حوالة ب ١٢٠ ألف جنيه. وبعدها بأسبوع، حوالة تانية ب ٨٥ ألف. والاتنين كانوا مكتوب عليهم دفعة تنظيم مناسبة. بدأت أحس إن الموضوع مش فرح وخلاص. اتصلت بصاحبة الشركة الموجودة في التحويل. ردت عليّ سيدة. ألو؟ مساء الخير، أنا مريم عبد الرحمن. عندي استفسار بخصوص تحويلات مالية تمت لشركتكم باسم كريم عبد الرحمن. سكتت لحظة. وبعدين قالت حضرتك أخت الأستاذ كريم؟ أيوه. هو قال لنا إنك المسؤولة عن الحسابات. قلبي دق بسرعة. قال لكم إيه بالضبط؟ قال إنك هتراجعي معانا الفواتير بعد المناسبة. ما رديتش. لأني في اللحظة دي فهمت إن اسمي ما اتزوّرش في عقد القاعة بس. حد كان بيقدم نفسه للناس باعتباري المسؤولة عن مصاريف الفرح. لكن ليه؟ قلت لها ممكن تبعتي لي صورة من الفواتير اللي عندكم؟ ضحكت بتوتر. حضرتك عندك نسخة أصلًا. لأ. سكتت. وبعد ثواني قالت طيب... هبعتها لحضرتك. بعد عشر دقايق، وصلني ملف. فتحته. أول فاتورة كانت عادية. قاعة. أكل. تصوير. دي جي. زينة. لكن آخر فاتورتين... كانوا لحاجات ما حصلتش أصلًا. إقامة 18 فردًا لمدة 4 ليالٍ. نقل وفود ومستلزمات. تنظيم استقبال خاص. القيمة الإجمالية؟ ٢٧٦ ألف جنيه. فضلت باصة للشاشة. إحنا ما كانش عندنا 18 شخص مقيمين. ولا كان فيه أي استقبال خاص. يبقى الفلوس دي راحت فين؟ وفي اللحظة دي وصلني إيميل جديد. من نفس الشركة. وكان مرفق معاه مستند واحد. إقرار استلام. وتحت الإقرار... اسم كريم. وتوقيع. لكن المستفيد؟ أنا. مريم عبد الرحمن. هنا بدأت أخاف فعلًا. مش على الفلوس. على اسمي. لأن الموضوع لو كمل بالطريقة دي، ممكن ألاقي نفسي مسؤولة عن ديون والتزامات ما أعرفش عنها حاجة. اتصلت بمحامي أعرفه من خلال شغلي، وحكيت له كل حاجة من غير ما أقول له أسماء العيلة في البداية. بص على المستندات. وقال لي جملة ما نسيتهاش مريم، متواجهيش حد دلوقتي. ليه؟ لأن اللي عمل كده غلط غلطة كبيرة. إيه هي؟ قال استخدم اسمك أكتر من مرة. سكت. ولو استخدم اسمك في أكتر من مستند، يبقى إحنا مش قدام توقيع مزوّر على عقد واحد. إحنا قدام نمط كامل. سألته أعمل إيه؟ قال خليهم يفتكروا إنك مش فاهمة. ومن هنا بدأت ألعب الدور. أول شخص اتصل بيا كان أبويا. مريم، إيه موضوع الفلوس؟ قلت بهدوء فلوس إيه يا بابا؟ ال٤٦٨ ألف. آه. هتحوليهم إمتى؟ قلت قريب. سكت. واضح إنه ارتاح. وبعدين قال أنا عارف إنك زعلانة من موضوع الفرح، بس ما تكبريش الموضوع. ابتسمت رغمًا عني. لا يا بابا، أنا مش زعلانة. أمال؟ ولا حاجة. يعني هتدفعي؟ قلت طبعًا. وسكت. سمعت الراحة في صوته. ربنا يخليكي لينا يا بنتي. قفلت المكالمة. وبمجرد ما قفلت، بعت لمحامي كل المستندات. تاني يوم، كريم اتصل. ميرو... نعم؟ بابا قال إنك هتخلصي موضوع الفلوس. إن شاء الله. بصي، الموضوع كله عائلي. فاهمة. ومش عايزين ندخل في محاكم وكلام من ده. ضحكت. وأنا كمان مش عايزة. يبقى تمام. تمام جدًا. وقفل. بعدها بيوم، حصلت أول غلطة منهم. جالي واتساب من رقم غريب. مدام مريم، محتاجين تأكيد حضرتك على الدفعة الأخيرة الخاصة بالفرح. ما رديتش. صوّرت الرسالة. وبعتها للمحامي. وبعد أقل من ساعة، جالي منه احتفظي بكل حاجة. لكن أنا كنت لسه مش فاهمة الصورة كاملة. لحد ما اتصلت بيا أمي. كانت متوترة. مريم، أبوكي بيقول إنك هتدفعي. آه. طيب... إنتِ متأكدة؟ ليه؟ سكتت. ماما؟ قالت بصوت واطي عشان المبلغ كبير. وإيه المشكلة؟ مفيش. وبعدين قالت هو... كريم كان قال لنا إنك وافقتي من قبل الفرح. تجمدت. وافقت على إيه؟ على إنك تتحملي باقي المصاريف لو حصل عجز. قال لكم كده؟ أيوه. وورّاكم موافقتي؟ سكتت. ماما، ورّاكم إيه؟ قالت صورة من بطاقة الرقم القومي بتاعتك. قفلت المكالمة. وقعدت عشر دقايق من غير ما أتحرك. هو كان عنده صورة من بطاقتي. لكن أنا كنت بعتاله صورة البطاقة قبلها بشهور... لسبب بسيط. كان بيقول إنه محتاجها عشان يحجز لي غرفة في الفندق يوم الفرح. وقتها ما فكرتش. لكن دلوقتي... فهمت. ما كانش محتاجها للفندق. كان محتاج بياناتي. وبدأت أدور في الرسائل القديمة. لقيت رسالة منه من ست شهور ميرو، ابعتيلي صورة البطاقة بسرعة عشان الفندق. أرسلتها. وبعدها بأسبوع، كان فيه رسالة تانية ميرو، ابعتي إمضتك على ورقة بيضا عشان محتاجها في حجز. وقتها كنت مستعجلة. رسمت توقيعي على ورقة. وصورتها. وبعتها. حدقت في الشاشة. هو ما كانش بس خد صورة بطاقتي. هو كان عنده صورة توقيعي. هنا فهمت إزاي قدر يعملها. لكن السؤال الأهم ظل موجود ليه كل ده؟ وليه ٤٦٨ ألف؟ بعد يومين، المحامي اتصل بيا. مريم، لقيت حاجة مهمة. إيه؟ الشركة اللي بعتت لك الفواتير مش شركة تنظيم أفراح بس. أمال إيه؟ فيها شريك تاني. مين؟ قال اسمًا. اسم ما توقعتش أسمعه. نورهان. مرات كريم. فضلت ساكتة. متأكد؟ أيوه. يعني مرات أخويا شريكة في الشركة؟ آه. هنا بدأت الخيوط تتجمع. الشركة قبضت مبالغ كبيرة. العقد اتحط باسمي. الفواتير اتعملت. وأبويا كان متأكد إني هدفع. لكن ليه؟ طلبت من المحامي يبحث أكتر. بعد يومين، رجع لي بملف. وقال الشركة عليها التزامات. قد إيه؟ ذكر رقمًا. رقمًا أكبر من نصف مليون جنيه. وكان فيه مواعيد سداد قريبة جدًا. وفجأة فهمت. الفرح ما كانش هو الهدف. الفرح كان مجرد وسيلة. هم كانوا محتاجين يضخوا فلوس في الشركة. ويستخدموا مناسبة الفرح عشان يطلعوا فواتير ومصاريف وهمية. وبعدين يحطوا الالتزام المالي على شخص عنده قدرة على الدفع. أنا. لأنهم كانوا عارفين إن اسمي الوظيفي، ومركزي، وحسابي البنكي، وسمعتي المالية... كل ده هيخلي الناس تصدق إن المبلغ فعلًا عليّ. لكن كان فيه شيء لسه ناقص. مين صاحب الفكرة؟ كنت فاكرة إنه كريم. لحد ما المحامي وراني نسخة من أول مسودة عقد. المسودة كانت مكتوبة قبل الفرح بخمسة شهور. وفيها اسم المسؤول المالي. مريم عبد الرحمن. من أول يوم. يعني الموضوع ما بدأش لما الفرح اتغيّر. الموضوع كان مخطط له من البداية. وفي أسفل الصفحة كان فيه اسم الشخص اللي طلب إعداد العقد. والاسم كان أبويا. قعدت ساكتة. مش مصدقة. كل مرة كنت بقول لنفسي إن كريم هو اللي بيستغلني. طلع أبويا عارف. أو على الأقل مشارك. وده كان أصعب من أي مبلغ. لأن الغريب اللي يحاول ينصب عليك تتوقع منه أي حاجة. لكن أبوك؟ المفروض يكون آخر شخص تخاف منه. قررت أواجههم. لكن مش في البيت. اتصلت بأبويا. بابا، ممكن تيجي بكرة عندي؟ ليه؟ عايزة أخلص موضوع الفلوس. صوته اتغير. خلاص هبعت لك رقم الحساب. لأ. أمال؟ تعال إنت وكريم ونورهان. سكت. ليه كلنا؟ قلت عشان عندي حاجة مهمة عايزة أقولها لكم. تاني يوم، دخلوا مكتبي. أبويا. كريم. نورهان. والغريب إنهم دخلوا وهم مبتسمين. كأنهم جايين يستلموا شيك. حطيت قدامهم ملف. وقلت قبل ما نتكلم عن ال٤٦٨ ألف، عندي سؤال. كريم قال اسألي. فتحت أول ورقة. مين وقّع هنا؟ بص كريم للورقة. إنتِ. قلت غلط. وحطيت التقرير قدامهم. التوقيع مزور. نورهان بدأت تتوتر. أبويا قال مريم، ما تعقديش الموضوع. حطيت ورقة تانية. ودي؟ سكت. ورقة تالتة. ودي؟ وبعدين حطيت كشف التحويلات. ودي فلوس الشركة. ماحدش اتكلم. قلت أنا مش هطلب من حد يفسر لي ليه اسمي اتكتب في العقود. لأن عندي تفسير. وبصيت لكريم. إنت استخدمت صورة بطاقتي وصورة توقيعي اللي أنا بعتهم لك. كريم حاول يتكلم. ميرو، الموضوع مش زي ما إنتِ فاهمة... قاطعته لأ. الموضوع بالضبط زي ما أنا فاهمة. وبعدين بصيت لأبويا. وإنت كنت عارف. أبويا وشه اتغير. أنا كنت بحاول أساعد أخوك. قلت على حسابي؟ إنتِ أختك الكبيرة. ضحكت. لأ يا بابا. وسكت لحظة. أنا مش بنك. كريم ضرب بإيده على الترابيزة. إحنا كنا هنرجع لك الفلوس! قلت إمتى؟ ما ردش. بعد عشر سنين؟ سكت. ولا بعد ما الشركة تكسب؟ نورهان بدأت تبكي. وقالت مريم، أنا ما كنتش عايزة الموضوع يوصل لكده. بصيت لها. بس إنتِ كنتِ شريكة. هزت راسها. كريم قال لي إنك موافقة. قلت وصدقتيه؟ قالت هو أخوك. ابتسمت. وأنا أخته برضه. ثم أخرجت آخر ورقة. وحطيتها قدامهم. دي أهم ورقة. كريم أول ما شافها، وشه شحب. أبويا قرب منها. إيه دي؟ قلت تسجيل مكالمة بين كريم ومدير الشركة. كريم انتفض. إنتِ سجلتيني؟ قلت المكالمة مش بيني وبينك. وسكت. المدير هو اللي بعتها للمحامي بعد ما عرف إن فيه تزوير. وفي التسجيل، كان صوت كريم واضحًا مريم عمرها ما هتراجع التفاصيل. أول ما بابا يكلمها هتدفع. هي طول عمرها بتشيل عننا. الصمت اللي حصل بعدها كان أطول من أي خناقة. أبويا بص لكريم. إنت قلت كده؟ كريم ما ردش. بصيت لأبويا. دلوقتي فهمت ليه كنت واثق إني هدفع؟ ما ردش. قلت لأنكم عارفين إني طول عمري بحل مشاكلكم. وبعدين وقفت. بس المشكلة إنكم نسيتوا حاجة. كريم قال إيه؟ قلت أنا بحل المشاكل. ابتسمت. مش بشتريها. خرجوا من مكتبي من غير ما ياخدوا جنيه. لكن القصة ما خلصتش هنا. بعد أسبوع، وصلني إخطار رسمي إن الشركة بدأت إجراءات قانونية ضدي للمطالبة بالمبلغ. واضح إنهم كانوا فاكرين إني هخاف. لكن المحامي كان جاهز. قدمنا أصل التحويلات. وصور المستندات. وتقرير التزوير. والرسائل. والتسجيل. والأهم... أثبتنا إن بعض الخدمات المذكورة في الفواتير لم تُقدّم أصلًا. بعد شهور من التحقيق، اتضح إن جزءًا من الأموال اللي اتدفعت تحت بند الفرح اتنقل لحسابات مرتبطة بالشركة. وبدأت الإجراءات القانونية ضد المسؤولين عن التزوير والمستندات. أما ال٤٦٨ ألف جنيه... فما دفعتش منها جنيه واحد. والأغرب إن القاعة نفسها تراجعت عن مطالبتها لي بعد ما ظهر لها إن التوقيع غير صحيح. لكن أكتر حاجة وجعتني ما كانتش التحقيقات. كانت أمي. بعد كل ده بشهرين، جت لي لوحدها. قعدت قدامي وقت طويل من غير ما تتكلم. وبعدين قالت أبوكي كان بيقول إنك مهما حصل مش هتسيبيه. بصيت لها. وأنا فعلًا ما سبتهوش. أمال ليه عملتي كده؟ قلت عشان ما ينفعش أسيب نفسي عشانه. دموعها نزلت. إنتِ قاسية. هزيت راسي. يمكن. وسكت. بس أنا تعبت من إن طيبتي تتفهم كأنها واجب. ما جاوبتش. وقبل ما تمشي، قالت كريم عايز يكلمك. قلت لما يبقى عايز يصلح اللي عمله، مش لما يبقى عايز يبرر. مرت سنة. العيلة اتفرقت. كريم خسر الشركة، ودخل في تسويات والتزامات قانونية. نورهان انفصلت عنه بعد ما اكتشفت إنه كان مخبي عنها ديون تانية. وأبويا؟ ما بقاش يطلب مني فلوس. مش لأنه اتغير فجأة. لكن لأنه عرف إن مريم القديمة... مش موجودة. أما أنا، فاحتفظت بالورقة اللي بدأت منها كل الحكاية. عقد الفرح. حطيته في درج مكتبي. مش عشان أفتكر الوجع. عشان أفتكر حاجة أهم إن أكبر غلطة عملتها في حياتي ما كانتش إني ساعدت أهلي. كانت إني صدقت إن مساعدتهم معناها إني لازم أدفع ثمن كل أخطائهم. وبعد سنة كاملة، وأنا خارجة من الشغل، لقيت رسالة من كريم. فتحتها. كان كاتب أنا عارف إنك يمكن مش هتسامحيني، بس عايز أقول لك إنك كنتِ صح. فضلت باصة للرسالة شوية. وبعدين قفلت الموبايل. ما رديتش. مش لأن قلبي حجر. لكن لأن بعض الأبواب لما تتقفل... مش لازم تتفتح تاني لمجرد إن الشخص اللي وراها ندم. ركبت عربيتي. وشغلتها. وفي طريقي للبيت، عدّيت من نفس المنطقة اللي فيها قاعة الفرح. بصيت لها للحظة. وافتكرت اليوم اللي وصلت فيه، ولقيت المكان فاضي. وقتها كنت فاكرة إن أسوأ حاجة حصلت لي... إني ما حضرتش فرح أخويا. لكن بعد سنة، فهمت الحقيقة. أنا ما ضيعتش فرح أخويا. أنا كسبت نفسي. وال٤٦٨ ألف جنيه؟ ما دفعتهومش. لكنهم كلفوني حاجة أغلى بكتير... سنين من الثقة في ناس كنت فاكرة إنهم مستحيل يؤذوني. ومع ذلك... لأول مرة في حياتي، ما حسيتش إني خسرت. لأني وأنا سايقة بعيد عن القاعة... ما كنتش راجعة من فرح ما حضرتوش. كنت راجعة من آخر مرة سمحت فيها لحد يكتب اسمي على فاتورة... أنا ما اشتريتهاش.