بعد 6 سنين

بعد حوالي عشر دقايق، وصلنا لفندق هادي قريب.
حجزت لماما جناح مريح، طلبت لها أكل سخن، وكلمت دكتورة تيجي تطمن على ركبتها.
ولما اتأكدت إنها ارتاحت، خرجت للممر وعملت مكالمة واحدة.
كان اسمه محمود شوقي.
محامي العيلة اللي كان بيتابع كل أملاكي وأنا برّه مصر.
حكيت له كل حاجة.
ما سألنيش غير سؤالين
هل وقّعتي معاهم عقد إيجار؟
لأ.
دفعوا إيجار في أي وقت؟
ولا جنيه.
سكت ثواني.
وبعدين صوته اتغير.
قال
ناتالي، اسمعيني كويس. ما تدخليش معاهم في أي خناقة تاني. ابعتيلي كل ورقة عندك تخص البيت.
فتحت اللابتوب.
وبعت له عقد الملكية.
وتسجيل العقار.
وأوراق الضرايب.
وحسابات المرافق.
وتحويلات الفلوس اللي كنت ببعتها لماما.
كل ورقة تثبت مين صاحب البيت الحقيقي.
ومين اللي كان عايش فيه من غير ما يدفع مليم.
قبل
المغرب، محمود كلمني تاني.
كنت ساكتة وأنا بسمعه.
وبعدين بصيت من شباك الفندق على السما وهي بتتغير ألوانها.
سألته
محتاج مني إيه؟
قال
ولا حاجة.
وسكت لحظة.
بس خليكي موجودة الساعة تسعة.
الساعة كانت 845 بالليل لما دخلت الشارع بتاع البيت.
من بعيد شفت النور مولع في كل حتة.
عربيات راكنة على الجانبين.
صوت موسيقى طالع من جوه.
بصيت من خلال الشبابيك.
لقيت كريم وخلود بيضحكوا وبيستقبلوا الضيوف، كأن اللي حصل العصر ما حصلش أصلًا.
كأن البيت بيتهم.
وكأن أمي ما كانتش من كام ساعة بتفرك الأرض بإيديها.
ركنت عربيتي بعيد عن البوابة وبصيت في الساعة.
859.
وفجأة…
باب البيت اتفتح.
كريم خرج وهو لسه ماسك كوباية في إيده، ولابس نفس الروب، وعلى وشه نفس الابتسامة المستفزة.
لكن أول ما شاف اللي وقف ورا عربيتي…
الابتسامة اختفت من على وشه تمامًا.
عينيه اتسعت.
وبص وراه.
عربية.
وبعدها عربية تانية.
وبعدها عربية تالتة.
كريم وقف مش عارف يقول إيه.
لأول مرة من ساعة ما رجعت، شفت الخۏف الحقيقي في عينيه.
لأن الناس اللي نزلت من العربيات…
ماكانوش ضيوف.
وكانوا جايين مخصوص عشان يخلّوه يفهم مين صاحب البيت فعلًا.
واللي حصل بعد كده…
كان آخر حاجة كريم وخلود يتوقعوها.
كريم فضل واقف مكانه، والكوباية في إيده بتترعش.
أول عربية وقفت قدام البوابة، ونزل منها محمود شوقي، محامي العيلة.
وراها عربية تانية، نزل منها راجل في أواخر الخمسينات، لابس بدلة غامقة، ومعاه ملف كبير.
أما العربية التالتة، فنزل منها اتنين من رجال الأمن ومعاهم موظف من الشركة المسؤولة عن إدارة العقار.
كريم بص لهم، وبعدين بص لي.
قال بصوت متقطع
إيه ده؟
ما رديتش.
محمود هو اللي رد
الأستاذة ناتالي طلبت مني أراجع وضع العقار بالكامل.
كريم حاول يضحك
وضع العقار؟! يا أستاذ محمود، إحنا عيلة واحدة. أكيد حصل سوء تفاهم.
محمود فتح الملف.
لا، مفيش أي سوء تفاهم.
وبص له مباشرة
العقار مسجل بالكامل باسم ناتالي، من تاريخ الشراء وحتى الآن.
خلود خرجت ورا كريم.
أول ما شافت محمود، وشها اصفر.
قالت بسرعة
بس ماما هي اللي سمحت لنا نقعد هنا!
رد محمود
السماح بالإقامة شيء، وتحويل الإقامة إلى حق في الملكية شيء تاني خالص.
كريم قرب منه وقال
إحنا مش هنمشي.
محمود ابتسم ابتسامة هادية جدًا.
ده قرارك طبعًا.
وبعدين طلع ورقة من الملف.
وعشان كده أنا جايب معايا كل المستندات اللازمة لإثبات إن وجودكم هنا كان بإذن مؤقت، وإن مفيش عقد إيجار، ولا تنازل، ولا بيع، ولا حتى اتفاق مكتوب يمنحكم أي حق في العقار.
خلود بصت لكريم.
لأول مرة ماكانش عنده رد.
أنا كنت واقفة بعيد، ساكتة.
قلت
افتكروا لما قلت لكم الساعة تسعة هنشوف القانون هيقول إيه؟
بصيت لساعتي.
كانت 903.
إحنا لسه في البداية.
كريم شد أعصابه وقال
وإنتي فاكرة إن الموضوع سهل كده؟ إحنا صرفنا على البيت!
ضحكت.
صرفتوا على إيه؟
أكل… كهربا… صيانة…
قاطعته
فواتير الكهربا والمياه كلها باسمي، وماما كانت بتحول لها فلوس مخصوص.
فتحت موبايلي.
وعندي كشف بكل تحويل دخل حساب ماما، وكل جنيه اتسحب منه.
سكت.
وبعدين قلت
والأغرب إن في حاجة تانية أنا لسه ما وريتهالكوش.
خلود بصت لي بتوتر.
إيه؟
طلعت ورقة من الملف.
كشف الحساب المرتبط بالكارت اللي أخدتوه من ماما.
خلود اتجمدت.
كريم قرب خطوة.
ده كلام فاضي.
محمود قال
لأ، مش فاضي.
فتح الملف.
خلال السنتين اللي فاتوا، حصلت عمليات شراء بمبالغ كبيرة جدًا من الكارت المخصص لمصاريف والدة ناتالي.
وبدأ يعدد
ملابس.
مطاعم.
سفر.
حجوزات فنادق.
ومشتريات إلكترونية.
بصيت لخلود.
ماما كانت بتاكل من فلوسها الخاصة، وإنتي كنتي بتشتري لنفسك هدوم من نفس الكارت.
خلود بدأت تتوتر.
أنا… أنا كنت باخده بإذنها.
قلت
ماما؟
ما ردتش.
لأن ماما كانت في الفندق.
وأنا كنت عارفة إنها عمرها ما هتقدر تدافع عن نفسها قدام بنتها وهي خاېفة.
قلت
عشان كده أنا ما سألتهاش.
وسكت لحظة.
سألت البنك.
كريم بدأ يرفع صوته
إحنا عيلة! هو كل حاجة هتتحول لمحضر وق.ضية؟
رديت
أنت اللي حولت البيت لعزبة خاصة بيك.
وبصيت له
وأنت اللي قلت لماما إنها الخدامة.
وشه احمر.
لكن المفاجأة الحقيقية كانت لسه ما بدأتش.
محمود قفل الملف وقال
في نقطة أخطر.
بصيت له.
إيه؟
قال
وأنا براجع المستندات، لقيت إن في محاولة تمت من ست شهور لتغيير بيانات ملكية العقار في أحد الملفات.
خلود شهقت.
أنا بصيت لها.
إيه؟
محمود كمل
حد قدم صورة من بطاقة صاحبة العقار، وصورة من توكيل قديم، وحاول يستفسر عن إمكانية التصرف في العقار.
بصيت لكريم.
مين؟
سكت.
محمود قال
الطلب مرفوض طبعًا، لأن التوكيل لا يسمح بالبيع.
كريم بلع ريقه.
قلت
ومين كان معاه صورة بطاقتي؟
ماحدش رد.
اتجهت بعيني ناحية خلود.
هي بدأت تبكي.
ناتالي، والله ما كنت أنا.
كريم بص لها بسرعة.
نظرتها اتغيرت.
وساعتها فهمت.
في بينهم سر.
قلت
تمام.
وسكت.
مش هسألكم مين عملها.
محمود بص لي باستغراب.
كملت
لأن الحقيقة هتظهر لوحدها.
كريم حاول يغير الموضوع.
يعني إيه؟
رد محمود
يعني إننا هنطلب من الجهات المختصة معرفة مصدر المستندات، وطريقة استخدامها، وكل شخص تعامل معها.
كريم رجع خطوة.
خلود غطت وشها بإيديها.
وبدأت ټعيط.
لكن قبل ما أمشي، سمعت صوتها
ناتالي!
وقفت.
أنا غلطت.
بصيت لها.
قالت وهي بټعيط
بس كريم هو اللي كان بيقولي نعمل كده.
كريم صړخ
خلود!
هي بصت له پخوف.
وبعدين قالت
هو اللي قال إن البيت لازم يبقى لينا.
سكتت لحظة.
وهو اللي قال إن ماما لو فضلت في البيت، مش هنعرف نتصرف براحتنا.
أنا بصيت لكريم.
قال
متصدقيهاش.
لكن خلود كانت خلاص بدأت تتكلم.
قالت
هو اللي أخد كروت ماما.
كريم اتجمد.
وهو اللي كان بيقول لي خليها تخاف من ناتالي… خليها ما تقولش لها حاجة.
سكتت.
وهو اللي كان بيقولي إن ناتالي مش
هترجع أصلًا.
ضحكت بسخرية.
آه.
قلت
دي كانت خطتكم؟
كريم قال بعصبية
ماكنتش خطة!
رديت
أمال كانت إيه؟
ماعرفش يرد.
في اللحظة دي، سمعنا صوت عربية وقفت عند البوابة.
كانت أمي.
أنا كنت طلبت من السواق يجيبها.
أول ما نزلت من العربية، الكل سكت.
دخلت ماما وهي متكئة على ذراعي.
كريم حاول يقرب.
يا طنط، إحنا…
رفعت إيدي.
لأ.
وقفت ماما قدامه.
لأول مرة من سنتين، شفتها واقفة من غير خوف.
قالت له
أنا كنت بخاف منك.
كريم فتح بقه.
كنت بخاف لما تعلي صوتك.
ماما كملت
وكنت بخاف لما تقول لي إن ناتالي لو عرفت هتبيع البيت وتسيبني.
بصت لي.
بس بنتي رجعت.
وبعدين رجعت بصت له.
وطلعت أنا مش لوحدي.
دموعها نزلت.
لكن صوتها كان ثابت.
البيت ده مش بتاعك يا كريم.
كريم ما ردش.
ماما قالت
ولا بنتي خدامة عندك.
الجملة الأخيرة خلت المكان كله يسكت.
أنا مسكت إيدها.
وقلت
يلا يا ماما.
دخلنا البيت.
وقفت في نص الصالة.
نظرت لكل حاجة.
الأثاث اللي اخترته بنفسي.
اللوحات اللي كنت باعتها لماما من برّه.
البيانو الصغير اللي كانت بتحلم بيه.
كل حاجة كانت المفروض تكون مكان آمن لها.
لكنها كانت عايشة فيه كأنها ضيفة.
بصيت لها.
ماما، اختاري أوضة.
ضحكت وهي بټعيط.
دي كلها أوض يا بنتي.
قلت
عارفة.
وأشرت للدور كله.
بس المرة دي تختاري براحتك.
محمود خلص الإجراءات الأولية، واتحدد موعد رسمي لمراجعة كل المستندات.
أما كريم وخلود، فاتقال لهم إنهم لازم يخرجوا من العقار بشكل قانوني ورسمي، ومن غير أي محاولة ضغط أو ټهديد.
لكن اللي ما كنتش متوقعاه حصل بعدها بأيام.
كريم حاول يعمل حركة أخيرة.
اتصل بيا.
ناتالي، ممكن نتكلم لوحدنا؟
قلت
اتكلم.
قال
أنا مستعد أعتذر.
سكت.
ومستعد أرجع كل الفلوس.
قلت
مش عايزة فلوس.
أمال عايزة إيه؟
قلت
عايزة أعرف حاجة واحدة.
إيه؟
ليه عملت كل ده؟
سكت طويلًا.
وبعدين قال
لأنك كنتي غايبة.
ضحكت بمرارة.
وده مبرر؟
قال
كنتي برّه بتكسبي فلوس، وماما عندها بيت ب مليون، وإحنا شايفين إنك عايشة حياتك ومش حاسة بينا.
قلت
فقررت تستولي على حياة أمي؟
سكت.
قلت
أنت ماكنتش محتاج بيت يا كريم.
أمال؟
كنت محتاج تحس إنك تقدر تتحكم في حاجة.
وقفل الخط.
بعد أسبوعين، بدأت الأمور القانونية تاخد مجراها.
وخلود اعترفت رسميًا بكل اللي حصل.
واعترفت إن كريم هو اللي كان بيدير أغلب المصاريف، وإنها استخدمت كارت ماما في حاجات شخصية.
والأهم…
ظهر إن محاولة استخدام المستندات الخاصة بالعقار كانت مرتبطة بكريم.
لكن أنا ما كنتش عايزة أضيع عمري في الاڼتقام.
كنت عايزة أرجع لأمي حياتها.
غيرت الأقفال.





