الصبح بدرى

الصبح بدري، جوزي طردني من قصر أبوسبعين مليون جنيه في مصر الجديدة، ودخل عشيقته الحامل تقعد في أوضتي، ورمالي خمسمية جنيه في إيدي كأن إحسانه نازل عليّا من السما. وبُعد أسبوعين بس، كان واقف قدام نفس البوابات پيصرخ پجنون والأمن بيطردوه من المكان اللي قعد تلات سنين مخدوع ومفكر إنه ملكه.
يوم الاتنين ده، نص سكان الحي تقريباً كانوا متجمعين بيتفرجوا.
العمال نزلوا حاجتي ع السلالم الرخامية ورמוها على النجيله، والجاراه واقفين موبايلاتهم في إيدهم وكأنهم معزومين على فرح. كرتونة اتقطعت جنب المدخل، فوقعت الكتب والصور واللحاف اللي جدتي كانت مطرزاه بإيديها.
أنا ما نزلتش دمعة واحدة.
كنت ضامة ملف جلد قديم ع صدري، وبتفرج على جوزي وهو بيدمر الحياة اللي كان بيحلم بيها ومفكرها بتاعته.
تامر الهواري كان واقف ع الباب لابس قميص محترم ونظرة الغرور مرسومة ع وشه، كأن أخيراً جت اللحظة اللي كسب فيها.
ووراه أمه، ليلى هانم، لابسة لؤلؤ وبتنقط سم.
وفوق، متكية على سور البلكونة، كانت ميرهان.
عشيقة جوزي الحامل.
كانت لابسة روب الحرير بتاعي.
إيدها حطاها على بطنها البارزة، والإيد التانية ماسكة كاس شامبانيا.
لازم تفهمي حاجة يا سيلين، ليلى هانم صړخت بصوت عالي عشان الشارع كله يسمع. البيت ده، العيلة دي، العز ده كله.. إنتي عمرك ما استحقيتي منه دقيقة واحدة.
شوية من الجيران قربوا عشان يسمعوا كويس.
إنتي طول عمرك كنتِ شحاتة ابني تصدق عليها.
تامر نزل السلالم.
وطلع محفظته.
عد خمس ورقات بخمسمية جنيه، ومد إيده بيهم ليّا.
وقال خدي دول.. أكتر بكتير ما كنتي تملكي لما عرفتك.
ميرهان ضحكت من فوق البلكونة.
وقالت احسنلك تاخديهم يا حبيبتي، عشان أول ما البيبي يجي، مش هيبقى فيه أي حاجة ليكي.
صوابعي ضغطت جامد على الملف الجلدي.
من تلات سنين، تامر اتجوزني وهو مفكر إني على الله حكايتي وممعيش مليم.
وسبته مأمن بالنقطة دي.
كان مفكر هدومي البسيطة دليل على الفقر.
وكان مفكر إني برفض أتكلم عن أملاك عيلتي عشان أصلاً مفيش أملاك.
وكان مفكر قصر العشماوي ده تابع لشركة الاستثمار بتاعة شغله.
طبعاً، الراجل ماكلفش خاطر قرا الورق كويس.
الغرور الأعمى ده كان هدفع تمنه غالي قوي النهاردة.
ليل هانم قربت أكتر وقالت المفروض تبوسي إيدك وش ظهر إننا سيبناكي قاعدة هنا المدة دي كلها.
وفي اللحظة دي.. راحت ضړباني بالقلم.
صوت القلم رن في مدخل البيت كله.
ولأول مرة، كام واحد نزل الموبايل بتاعي.
خدي كان بيولع ڼار، بس أنا ما اتحركتش من مكاني.
تامر كان باين عليه النرجسية والضيق إني ما عيطش.
قال بصوت ناشف امشي من على ملكي.
وهنا.. أنا ابتسمت أخيراً.
سألته ملكك؟
ملامحه اتغيرت.
حاجة بسيطة بس واضحة.
فتحت الملف الجلدي اللي في إيدي.
جوه كان العقد الأصلي.
قصر العشماوي ده كان ملك جدتي الله يرحمها.
وبعد ما ماټت، اتكتب باسمي أنا لوحدي.
كل متر فيه.
كل حيطة.
كل حتة عفش تامر قعد تلات سنين يتباهى بيها قدام الناس.
شركته عمرها ما امتلكت شبر واحد منه.
وهو.. عمره ما كان مالك غير نفسه.
أنا كنت سايباه بس يعيش فيه كرم مني.
تامر بص في الورق وضحك بسخرية.
وقال لعبة لطيفة.
وبعدين لفت ظهره وقال يا أمن، طلعوها بره.
قفلت الملف براحة.
وقلت بصوت هادي استمتع بالأسبوعين الجايين.
وقف في مكانه.
وسأل بقلق إيه؟
بصيت لفوق لميرهان اللي لابسة الروب بتاعي.
وبعدين لليلى هانم.
ورجعت بصيت لجوزي.
وقلتله أصل ده الوقت اللي بينص عليه إنذار الإخلاء بتاعك.
ولأول مرة الصبح ده.. مفيش بني آدم ضحك.
الصمت الذي هبط على شارع الميرغني بمصر الجديدة كان أثقل من طن حديد.
الجيران الذين كانت موبايلاتهم جاهزة لالتقاط اللقطة المثالية، تجمّدت أصابعهم على الشاشات. ليلى هانم، التي كانت تنقط سمّاً قبل ثوانٍ، تراجعت خطوة للوراء، وابتسامة العجرفة على وجهها بدأت تتكسر كزجاج رقيق. أما تامر، فبقي واقفاً مكانه، عيناه مثبتتان على الملف الجلدي القديم في يديّ، وكأن الكلمات المكتوبة عليه تحولت إلى أحماض ټحرق بصره.
إنتي بتقولي إيه؟ سأل تامر بصوت مهزوز، فقدت نبرته الاستعلاء المفاجئ وحلت محلها بحة غريبة من الارتباك. إخلاء إيه؟ قصر العشماوي ده مقر استثماري لشركة الهواري العقارية! أنا اللي ماضي عقود صيانته وتطويره بنفسي!
فتحت الملف بهدوء، وأخرجت ورقة رسمية مختومة بأختام الشهر العقاري، ووزارة العدل، وتوقيعات واضحة لا تقبل التشكيك. رفعتها أمامه لتلامس نظارته الطبية.
اقرأ كويس يا تامر… مش عيب الواحد يكون جاهل، العيب إنه يفضل جاهل ومغرور قلتها بصوت هادئ ومستفز لأبعد الحدود. الشركة بتاعتكم مستأجرة الأرض من الباطن لسنين طويلة، ولمّا انتهى العقد القديم، الشركة دخلت في مناقصة لشراء المبنى، بس اللي المدير المالي بتاعك ماقالكش عليه، أو يمكن غفل عنه في زحمة قورتك، إن جدتي الله يرحمها كانت شارية الأصل والملكية المسجلة بالشهر العقاري باسمها الشخصي، وبصفتي الوارث الوحيد، العقود اتنقلت ليا بالكامل قبل ما تتجوزني بسنة.
رفعت رأسي لأنظر إلى البلكونة. ميرهان، التي كانت ترتدي روب الحرير الخاص بي وتستمتع بالشامبانيا، كادت تسقط الكاس من يدها. لون وجهها خطڤ، وابتلعت ريقها بصعوبة بالغة، وظهر الړعب الحقيقي في عينيها وهي تنظر إلى ليلى هانم التي بدأت تصرخ
كڈب! دي ورقة مزورة! تامر! ماتصدقهاش! دي شحاتة وعايزة تبتزك!
شحاتة؟ ضحكت بصوت خفيف، استوقف كل من كان يهمس في الشارع. تامر، فكر كده، ليه كنت ساكناً في القصر ده من غير ما تدفع إيجار مالك حقيقي؟ ليه مدير العقارات كان دايماً بيبعت الأوراق لاسم المستفيد الأول من غير ما تتقابل مع المالك الأصلي؟ كنت مفكر إنك رئيس مجلس إدارة الدنيا، وإني مجرد فقيرة جيبتها من الشارع عشان تخدمني.. بس الواقع يا تامر، إنك كنت الضيف الوحيد اللي نايم في ملك مراته، وكمان كنت باعتلي طرد وخمسمية جنيه مفكر إنك بتطردني بيها من مُلكك؟
تامر أخذ الورقة من يدي بيدي ترتجف، ونظر في الأختام.

1 2الصفحة التالية

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *