ربيت حصري لصفحة روايات رولا

​— “أنا مش سايبلك الحاجة دي شفقة ولا صدقة… أنا سايبهالك لأنك شقيتي معايا، ورعيتي ولادي لما أنا كنت بسافر بالأسابيع في مواقع الشغل، ولأنك استحملتي قسوة وإهانة من أقرب الناس ليا ومكانش مفروض تستحمليها.”
​كريم ونيرة سكتوا ووجوههم اتخَطَفَت. مصطفى كمل بصوت تعبان بس صلب:
​— “ولادي الكبار… أنا سايب لكم نسيبي ونصيبكم عشان أنتم ولادي، بس الميراث مش مكافأة ولا جائزة عشان شايلين اسمي وخلاص. الإحترام والأصول بيتكسبوا بالعمل مش بالكلام.”
​وسكت شوية ودمعة نزلت من عينه:
​— “لما سمعتكم في المستشفى بتقولوا ما فيش داعي لمصاريف العلاج عشان الفلوس ما تخلصش… عرفت إني قصرت وتربيتي لكم كان فيها حاجة غلط. أنا مش بعاقبكم، أنا بس بعلمكم إن الفلوس ما تعوضش قلة الأصل ولا تلغي احترام الكبير.”
​ونيرة وطت راسها في الأرض. وهنا مصطفى قال الجملة اللي قطعت قلبي:
​— “ويا إبراهيم… لو روح حاولت تبعدك عنها عشان فاكرة إنها ملهاش حق فيك بعد موت نور، ما تسمعش كلامها. نور اختارتك… وإحنا اخترناك. أنت ابننا.”
​إبراهيم انهار من البكاء، وأنا كنت بنتحب.
​على مدار الشهور اللي بعد كده، كريم ونيرة حاولوا يرفعوا قضايا ويطعنوا في الوصية، وجابوا محامين وقالوا إن أبوهما مكانش في قواه العقلية. بس كل محاولاتهم فشلت؛ المحامية كانت مأمنة كل الورق بتقرير طبي بشهادة دكاترة وشهود يثبتوا إن الحاج مصطفى كان بكامل عقله ووعيه.
​أنا ما احتفلتش إنهم أخدوا أقل، ولا فرحت لما قطعوا معاي خالص. بالعكس، حسيت براحة ونظافة في حياتي… لأول مرة من 30 سنة، بطلت أحاول أقنع اتنين إني أستاهل حتة صغيرة في قلوبهم.
​بس المفاجأة الحقيقية كانت من إبراهيم. كنت فاكرة إن بعد موت نور، هيختفي بالتدريج وتأخذه الدنيا. بس حصل العكس تماماً.
​كل يوم الثلاثاء بيجيلي المسمط:
​— “يا طنط روح، لو مش هتقعدي تأكلي معايا، أنا مش حاطط لقمة في بقي.”

​لما جالي دور برد شديد، لقيته داخل عليا بالدوا وشوربة الخضار. ولما جيت أغير يافطة المسمط، هو اللي طلع على السلم وركبها بنفسه.
​في يوم حاولت أديله مبلغ من الفلوس اللي مصطفى سابهالي، رفض ودمعت عينه:
​— “أنا مش عايز فلوس ولا ميراث يا طنط… أنا عايزك تسيبيني أكون ابنك اللي نور سابتهولك.”
​جريت على الحمام وقَفَلت على نفسي وأنا بعيط عشان ما يشوفنيش.
​ومع الوقت، قررت أعمل حاجة بالفلوس اللي طلعتلي من مصطفى. مع إبراهيم والمحامية، عملنا جمعية ومنحة سنوية صغيرة لشباب عمال المقاولات والغلبانين اللي بيحاولوا يكملوا تعليمهم. وأول بنوتة أخدت المنحة كانت بنت كربائي مباني ومامتها بتبيع أكل في البيت.
​اليوم اللي سلمناها فيه المبلغ، افتكرت مصطفى… وافتكرت نور. نور كانت دايماً تقول: “البنادم ممكن يفضل عايش وجوا نفس حد تاني.” وأظن الخير كمان بيفضل عايش كده.
​أنا ما قدرتش أغير الماضي، ولا قدرت أجبر كريم ونيرة يحبوني، ولا قدرت أرجع جوزي وبنتي اللي الدنيا خطفتهم مني. بس قدرت أقرر أعمل إيه بالباقي من عمري.
​النهارده عندي 73 سنة، ولسه بفتح المسمط ثلاث أيام في الأسبوع. إبراهيم يفضل يزعل ويقولي ارتاحي، وأنا أقوله: طول ما فيا صحة أشيل حلة الكوارع، يبقى لسه بقدر أشتغل.
​ساعات لما بنقفل، بنقعد أنا وهو على الرصيف قدام المحل في السيدة زينب، ونتكلم عن نور. ما بقيناش بنبكي زي الأول… بقينا بنبتسم وبنفتكر أيامها الحلوة.
​طول عمري كنت فاكرة إن “الأم” هي اللي بتخلف وبس… بس فهمت بعد العمر ده كله إن الأم هي اللي بتمسك وبتفضل وقفة جنب ولادها لما الكل يهرب. والولاد كمان مش بالدم… الولاد بالدعوة، وبالوقفات، وباللي بيختار يفضل جنبك عشان بيحبك بجد، مش عشان مستني يورثك.
​كريم ونيرة أخدوا الـ 10% بتوعهم وما شفناش وشهم تاني، ولا عمرهم اعتذروا… وأنا بطلت أستنى اعتذارهم. مش بدعي عليهم، بس بتمنى يفهموا الدرس اللي أبوهم سابهولهم.
​لأن مصطفى الله يرحمه مسبش فلوس بس… مصطفى ساب نتائج لأفعال كل واحد. سابلي أنا الأمان والسند، وسابلهم هما الدرس، وسابلي أنا وإبراهيم حاجة ما فيش وصية ولا عقد يقدر يقيسها: يقين إننا لسه عيلة.

الصفحة السابقة 1 2 3 4 5

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *