ربيت حصري لصفحة روايات رولا

​— “ده أنا هعملك صينية بطاطس باللحمة المفرومة تخليكي تأكلي صوابعك وراها.”
​كانت أول مرة حد في البيت ده يبتسم لي من غير تأفيف ولا كره.
​السنين اللي بعد كده كانت اختبار يقرف. كريم كان يناديني قدام أصحابه “ست المسمط”. ونيرة تخبي حاجتها وتقول أنا اللي رميتها. وفي مرة ادّعت إني حبستها في أوضتها، وكريم شهد معاها زُور.
​مصطفى جه من الموقع في السويس غضبان ودمه فوران.
​— “الكلام ده حصل يا روح؟”
​قبل ما أفتح بقي، نور ظهرت في الصالة.
​— “لا يا بابا، نيرة هي اللي رمت طبق الفاكهة على الأرض وقال إن طنط روح ضربتها، أنا كنت واقفة وشفت كل حاجة.”
​من اليوم ده، البت الصغيره دي بقت المحامي بتاعي والسند.
​عمري ما عرفت أخلي العيلين الكبار يحبوني. لما كبروا، القسوة بقت بشياكة؛ بدل الزعيق، بقى في كلام يقطع كالسكاكين وابتسامات أرف.
​كريم اتجوز، ومراته اتعلمت منه بسرعة طريقته معايا.
​— “يا طنط روح، هاتيلي كوباية مية بتلج كده” — تطلبها وهي مدلدلة رجليها على الكنبة — “وافتحي الشباك معلش، عشان ريحة البصل والتقلية مسكة في هدومك.”
​نور، اللي كبرت وبقت بنت بmit راجل وكانت بتلعب كاراتيه في الشباب والرياضة، مكنتش بتسكت.
​— “في البيت ده محدش يتكلم مع أمي بالأسلوب ده!”
​— “دي مش أمك!” — يترد عليها.
​— “عندي أنا أمي، وأحسن من أي حد، وده يخصني أنا بس!”
​نور سابت الرياضة لما لقت إن المجال مش جريب همّه، واشتغلت في شركة تأمين، وبعدها بفترة عرفت إبراهيم، شاب ابن حلال شغال سكرتير في مكتب محاماة وكتابة أدلّة.
​من أول يوم، إبراهيم عاملني باحترام وحنية عمري ما طلبتها.
​— “يا حماتي، يوم الأحد المحل يقفل، هاخدك أنتي ونور ونطلع نغير جو في القناطر أو نطلع المقطم.”
​— “يا بني روحوا أنتم وافرحوا.”
​— “أبداً والله، أنتي تعبتي طول عمرك ولازم تتفسحي زينا.”
​معاهم شفت الشاطئ في الإسكندرية لأول مرة في حياتي. ونور هي اللي جابت لي طقم مناكير في يوم، وقعدتني على ترابيزة المطبخ بالعافية.
​— “إيديكي دي شقيت طول عمرها عشاننا، لازم تدلعي شوية.”
​وهي بتدهن لي أظافري باللون البمبي، حسيت إن الدم مش هو الحقيقة الوحيدة اللي بتعمل أم وبنتها.
​مرت السنين، ومصطفى ربنا فتحها عليه، من أسطى بقى مقاول كبير، واشترى حتة أرض في المطرية وبنى عليها عمارة. والمدخل والمحل اللي تحت نقلنا فيه المسمط بتاعي وبقى اسمنا مسمّع في المنطقة.
​حسينا إن الدنيا أخيراً بتبتسم.
​لحد ما في فجر يوم، التليفون رن رنة شؤم.
​نور عملت حادثة عربية وهي راجعة من طريق الإسماعيلية.
​لما وصلنا المستشفى، إبراهيم كان واقف ساند على الحيطة ووشه أبيض زي الملاية.
​الدكتور خرج واتكلم كتير، بس أنا مسمعتش من كلامه غير جملة واحدة طيرت عقلي:
​— “المخ وقف خالص… البقاء لله.”
​حسيت إن الدنيا اسودت والجمجمة اتطبقت على دماغي.نور كان عندها 37 سنة. البنت اللي دافعت عني من صغرها، اللي كانت بتدهن لي أظافري وتجبرني يرتاح بالي وأرتاح، كانت متوصلة بأجهزة وأنا بمسح على شعرها وبترجى ربنا يكون في أمل. وإبراهيم كان بيبكي في صمت من غير صوت.
​— “يا طنط روح…” — قالها لي بعد ساعات وهو بيغالب دموعه — “نور كانت ماضية إقرار إنها متبرعة بأعضائها لو جرالها حاجة. اتكلمنا في الموضوع ده كتير.”
​أنا كنت عارفة. هي سجلت نفسها متبرعة عشان كانت بتقول: لو مكتوب لي أمشي بدري، أسيب حتة مني تصحي أمل عند غيري. الموافقة كانت أصعب قرار أخدته في حياتي، وجع يقطع القلب. بس بفضلها، أربع تنفار خدوا فرصة جديدة للحياة. لكن أنا رجعت بيتي وإيديا فاضية وقلبي مكسور.
​طوال شهور، إبراهيم كان بيجيلي تقريباً كل يوم. يقعد على آخر ترابيزة في المسمط بعد ما نقفل، وساعات نفضل قاعدين ساكتين بالساعات من غير ما حد فينا ينطق كلمة. وفي يوم قررت أقسى عليه عشان مصلحته:
​— “ما تجيش تاني يا بني… أنت لسه صغير والحياة قدامك، لازم تبدأ من جديد.”
​— “أنا مش قادر أمسح نور من حياتي يا طنط.”

الصفحة السابقة 1 2 3 4 5الصفحة التالية

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *