ربيت حصري لصفحة روايات رولا

— “أنا مش بطلب منك تمسحها، أنا بطلب منك تعيش.”
وطّى راسه في الأرض وقال بصوت مكسور:
— “وأنتي؟”
ما عرفتش أرد. مصطفى جوزي كان وقتها خلاص المرض تمكّن منه. كان عنده السرطان من فترة، بس بعد موت نور، جسمه انهار واستسلم تماماً. الكيماوي كان بيهدّه، وأيامه في المستشفى بقت أكثر من أيامه في البيت.
كريم ونيرة كانوا بيجوا بالعافية، ولما يجوا، كنت بتمنى من قلبي إنهم ما يجوش.
— “يا بابا، لازم تظبط موضوع العمارة والمحل من دلوقتي” — كريم قالها في يوم وهو فاكر إن مصطفى نايم — “عشان بكرة وبعده الحوارات ما تكثرش.”
— “عايزني أظبط إيه يا كريم؟”
— “يعني الميراث والورق… ما لهاش لازمة المصاريف دي كلها على العلاج والدكاترة طالما بيقولوا ما فيش أمل.”
مصطفى فتح عينيه بالبطيء. ونيرة كملت فوقيها:
— “وبعدين طنط روح عندها المسمط بتاعها، تقدر تصرف على نفسها، إنما إحنا ولادك من دمك!”
شفت نظرة النكسة والكسرة في عينين مصطفى.
— “هو أنتم جايين تعزوني في نفسي ولا جايين تقسموا التركة وأنا حاي؟”
— “إحنا بس بنفكر بعقل وعملية يا بابا” — كريم رد ببرود.
مصطفى دور وشه ناحية الشباك وماردش. الليلة دي ما نطقش ولا كلمة، بس مسك إيدي بضغط وحنية حسيت معاه إن في حاجة جواه اتكسرت وماتت قبل ما جسمه يموت.
بعدها بشهرين، طلب يقعد مع إبراهيم جوز نور الله يرحمها لوحدهم. ما سألتش عن إيه، مصطفى طول عمره كتموم في شغله وحاجته، وأنا كنت ملبوخة ومجهدة بحاول أخليه على قيد الحياة. بس صحته كانت بتتدهور بسرعة. وبعد سنتين من موت نور، لحقها وسابني.
في العزا، كريم ونيرة كانوا واقفين ياخدوا العزا وكأنهم أصحاب المصيبة الوحيدين. وأنا كنت واقفة جنب النعش بفتكر الراجل اللي مسح المعالق والأطباق المكسورة في محلي من سنين الزمان، وبقى هو كل دنيتي.
ولما دفنّاه وخرجنا عند بوابة المقابر، كريم اداني الـ 30 يوم مهلة عشان أفضي المسمط وأسيب العمارة.
— “وما تفكريش تطالبي بحاجة” — نيرة كملت بغل — “أبويا عمل معاكي واجب وزيادة طول السنين دي.”
في حاجة جوايا انفجرت:
— “أنا ربيتكم أكتر من ثلاثين سنة! شلتكم في مرضكم وفي عز فقركم!”
— “محدش ضربك على إيدك ولا طلب منك كده” — كريم رد ببرود.
— “لما كنتوا بتسخنوا بالليل، أنا اللي كنت بسهر بأكمد. لما كنتوا عايزين فلوس الدروس ومصاريف كلياتكم، أنا اللي كنت بفرك في المسمط من الفجر. ولما أبوكم كان بيسافر بالمواقف والأسابيع في الشغل، أنا اللي كنت شايلة شيلتكم!”
نيرة ضحكت بتريقة:
— “وده ما يخليكيش أمنا ولا يخلي ليكي قيراط واحد هنا.”
بصيت حواليا، الناس في الشارع والمقابر ابتدوا يبتسموا ويقفوا يتفرجوا. حسيت بقهر وكسرة نفس، بقلة حيلة كبيرة… مصطفى ونور مشيوا وسابوني، هحارب على إيه وليه؟
— “ماشية…” — همست وأنا بمسح دموعي — “خدوا كل حاجة، ربنا المسامح.”
لفيت وشي عشان أمشي، بس سمعت صوت جاي من ورايا هز المكان:
— “استني يا طنط روح! ما تسيبيلهمش قشة واحدة مش من حقهم!”





