شروط حماتي

نجوى خبطت بإيدها جامد على الترابيزة.
طارق اترعب في ساعتها، وقعد يترجاني أوطي صوتي عشان زمايله ومديرينه الكبار في الشركة كانوا قاعدين على الترابيزات اللي جنبنا وسامعين كل كلمة…
(الجزء الثاني والاخير
القاعة فجأة بقت ساكتة سكون يرعب.
الضحك اللي كان طالع من الترابيزات القريبة اختفى خالص.
المزيكا كانت لسه شغالة بصوت واطي في الخلفية، بس محدش بقى مركز معاها أصلاً.
طارق كان بيبص حواليه وهو متوتر، مش عشان خايف يوجع مشاعري، لا.. عشان كان خايف من كلام الناس وشكلهم قدام المعازيم.
والإدراك ده بالذات وجعني أكثر من أي كلمة قالتها نجوى.
قرب مني ووشوشني وهو بيضغط على إيدي شوية: “ياسمين.. أرجوكي، مش هنا. نقعد ونتكلم في الموضوع ده بينّا وبين بعض.”
سحبت إيدي من إيده بالراحة وقلتله: “لا يا طارق، هو ده بالظبط المكان اللي لازم نتكلم فيه.”
ملامحه اتغيرت، ولأول مرة من أول السهرة أشوف في عينه خوف حقيقي.. بس مش خوف إنه يخسرني، ده كان خايف يروح منه زمام الأمور والسيطرة.
نجوى وقفت من على كرسيها وهي بتعدل الأسورة الغالية اللي في إيدها وقالت بتكبر: “إنتي عاطفية وبتاخدي الأمور بقلبك.. وده اللي بيحصل لما الستات تفتكر نفسها مستقلة زيادة عن اللزوم، بينسوا يعني إيه متطلبات الجواز.”
بصيت في عينها مباشرة وقلتلها: “الجواز محتاج احترام، مش محتاج إنها تتنازل عن كيانها وشخصيتها.”
كام حد من المعازيم قعدوا يتبادلوا نظرات استغراب وإحراج.
وفجأة حصلت حاجة محدش كان متوقعها خالص.
رئيس الشركة اللي طارق شغال فيها، رجل أعمال اسمه الأستاذ شريف، كان قاعد على ترابيزة كبار الزوار القريبة، قام وقف بالراحة. كان متابع وسامع كل حاجة في سكات.
كل الناس في القاعة عارفين الأستاذ شريف.. هو المؤسس والرئيس التنفيذي لشركة الاستثمار اللي طارق شغال فيها، وفي نفس الوقت هو صديق قديم لأبويا من سنين طويلة في السوق.
طارق أول ما شافه جاي ناحيتنا اتخشب في مكانه وقال بتوتر: “أستاذ شريف! أنا متأسف جداً إنك شفت الموقف ده.. دي مجرد سوء تفاهم عائلي بسيط.”
الأستاذ شريف بص لطارق، وبعدين لنجوى، وفي الآخر بصلي أنا وقاله بهدوء: “لا يا طارق.. متهيألي ده مش سوء تفاهم خالص.”
الترابيزة كلها سكتت تماماً.
شريف اتجه ناحيتي وقال: “ياسمين، أقدر أستأذنك أكلم والدك دقيقة؟”
قلبي وقفت دقته لحظة.. لأن أبويا كان قاعد في الناحية التانية خالص من القاعة، وطارق عمره ما قابله في شغاله، كان يعرفه بس بصفتي “الأستاذ محمود، والد ياسمين”.
راقبت الأستاذ شريف وهو ماشي في وسط القاعة ورايح ناحية أبويا. وبعد كام ثانية، أبويا قام وقف.
وش طارق اتغير في ساعتها، وحس إن في حاجة مش مظبوطة بتحصل.
شريف سلم على أبويا بحرارة وقال: “يا محمود بيه! مكنتش اعرف إن العروسة هي أنستنا ياسمين!”
أبويا ابتسم بهدوء وقال: “حبيت اليوم ده يكون عشانها هي وبس، مش عشان اسمي وشغلي.”
الكلام ده عصَر قلبي من كتر التأثر.
شريف بص ناحية طارق وقال بصوت عالي نسبياً: “بنتك يا محمود بيه من أشطر وأذكى المحللين الماليين اللي دخلوا مجالنا. بَنَت نفسها بنفسها بمنتهى الذكاء والالتزام، وعمرها ما استخدمت اسم عيلتها عشان تفتح لنفسها باب واحد.”
الدم هرب من وش طارق تماماً.. لأن في اللحظة دي الكل فهم الحقيقة: أنا قيمتي مكنتش عشان أبويا مين، أنا قيمتي كانت في ذاتي ونفسي.
شريف كمل كلامه وقال: “ولعلم الجميع، ياسمين هي اللي ماسكة بنفسها دلوقتي إداريًا واحدة من أكبر الصفقات والاستثمارات عندنا في الشركة، وخسارتها تعتبر غلطة كبيرة لأي حد.”
نجوى برشت بعينيها وهي مش فاهمة حاجة: “لحظة واحدة.. انت تقصد إن ليها نفوذ وكلمة في شركتكم؟”
شريف هز راسه وقال: “لا.. أقصد إنها عملت لنفسها قيمة ومكانة مجهودها.”
الفرق كان واضح جداً للكل. ولأول مرة نجوى يبان عليها الارتباك والإحراج.
طارق قرب خطوة وقال: “ياسمين.. أظن الكلام أخد أكبر من حجمه والدنيا زادت عن حدها.”
بصيتله وقلت: “لا يا طارق.. أظن الكلام ده اتأخر أوي إنه يتقال.”
الكلمات طلعت مني بهدوء شديد.. بس كان فيها كل وجع وخذلان سكتت عليه شهور.





