شروط حماتي

افتكرت كل مرة نجوى كانت بتقلل فيها من شغلي ونجاحي، وكل مرة طارق كان يقولي “معلش اصبري عشان خاطري”، وكل مرة كان يطلب مني أفهم أمه ويستسمحني، وعمره ما طلب من أمه تراعيني أو تفهمني.
رفعت إيدي بالراحة لمست دبلتي.. الدبلة اللي طارق لبسهالي وهو بيوعدني نبني حياة سوا.. حياة نكون فيها شركاء بجد، مش حياة أكون فيها مجرد تابعة بتسمع الكلام وتنفذ الأوامر.
خلعت الدبلة من صابعي.
القاعة كلها كانت بتتفرج في ذهول.
وش طارق اصفر ومابقاش فيه نقطة دم: “ياسمين…”
قلتله: “أنا كنت فاكرة إني هكمل حياتي مع راجل يقف جنبي ويسندني.. مش مع واحد يستخبى ورا أمه وهي بتحددلي مستقبلي ومصيري.”
نجوى اتنطرت وقالت: “إنتي هتهدي بيتك وتضيعي جوازتك عشان كلمتين وقواعد؟”
بصيتلها وقلت: “لا.. أنا ماشية عشان القواعد دي كشفتلي حقيقتكم وأنتوا شايفيني إزاي.”
محدش قدر ينطق بكلمة.
في اللحظة دي أبويا جه وقف جنبي، ما زعقش وما هددش حد.. مجرد حط إيده على كتفي وشد أزري، وده كان عندي بالدنيا كلها وأكبر من أي خناق.
بعدها بتلات أسابيع، رجعت عشت في شقتي عادي. مكنش في خناقات درامية ولا انتقام علني.. كان مجرد قرار هادي إني اختار نفسي وكرامتي.
طارق اتصل بيّا عشرات المرات. في الأول كان بيعتذر، وبعدين بقى يرمي اللوم على أمه، وبعدين يقول ده كان ضغط الفرح والمصاريف.. بس كل مكالمة كانت بتنتهي بنفس النتيجة: عايز يرجع ومن غير ما يشيل مسؤلية غلطه.
في الآخر بطلت أرد عليه خالص.
وبعد كام شهر، عرفت السر الحقيقي ورا “قواعد العيلة” اللي نجوى كانت عايزه تفرضها عليا.
هي مكنتش بتعمل كدة عشان متمسكة بالأصول والتقاليد زي ما ادّعت.. هي كانت عايشة بقالها سنين معتمدة كلياً على طارق مادياً؛ مرتبه بيسدد فواتيرها، والمكافآت بتاعته بتغطي ديونها.. وكانت عشمانة إن مرتب فلوسي يبقوا المورد الجديد اللي يصرف عليهم.
وطارق كان عارف كل ده.. وده كان أكتر جزء يوجع في الموضوع.
هو مكنش بس خايف يدافع عني.. ده كان مجهّز نفسه يستفيد من سكوتي واستغلالي.
بعد سنة كاملة، كنت واقفة في قاعة اجتماعات كبيرة بعرض استراتيجية استثمار ضخمة قدام مجموعة من كبار رجال الأعمال.
أبويا كان قاعد في آخر القاعة، بيبصلي وهو مبتسم بفخر وشاورلي بهدوء.
بعد ما خلصت العرض، الأستاذ شريف قرب مني وقال: “تعرفي يا ياسمين.. والدك زمان قاللي جملة عمرها ما طلعت من دماغي؟”
ضحكت وقلتله: “قالك إيه؟”
”قاللي: أكبر اختبار لمعادن الناس وأخلاقهم، إنك تشوف معاملتهم ليك عاملة إزاي لما يكونوا فاكرين إن مالكش لازمة ومش هتاخدوا منك حاجة.”
ابتسمت.. لأني أخيراً فهمت.
ليلة فرحي كان المفروض تكون بداية جوازي.. بس في الحقيقة كانت بداية حريتي.
أنا مكسرتش جوازة الليلة دي.. أنا تخلصت من وهم إن الحب معناه إني ألغي نفسي وأضحي بكرامتي.
تعلمت إن الجواز السليم مش مبني على السيطرة والتحكم.. الجواز المظبوط بيتبني على اتنين بيختاروا بعض كل يوم، بيحموا بعض، بيحترموا بعض، وبيقفوا كتافهم في كتاف بعض لما الدنيا تتقل عليهم.
وبعد سنين، لما قابلت الشخص الصح، عرفت الفرق في ساعتها.
ما سألنيش عن مرتب كام، ولا فرق معاه اسم عيلتي إيه.. كل اللي كان فارق معاه هو أحلامي، وطريقة تفكيري، وإنسانيتي.
ساعتها بس أدركت حاجة مهمة جداً:
الراجل الصح عمره ما هيطلب منك تصغري نفسك عشان هو يبان كبير.. الراجل الصح هيفرح بقوتك، وهيصون قلبك، وعمره ما هيخلط بين الحب والسيطرة.





