الخدامه نامت

وبقى فيه وقت راحة محدد لكل مجموعة من العاملين.
ولأول مرة من فترة طويلة، بدأ الموظفون يحسوا إن بإمكانهم يقولوا إنهم مرهقون من غير ما يخافوا إن ده معناه إنهم مقصرون.
أما مريم، فرجعت بعد يومين من الراحة، وهي أكثر هدوءًا وثقة.
دخلت القصر، وبدأت شغلها كالمعتاد.
لكنها لما مرت قدام جناح الشيخ، وقفت للحظة وبصّت للباب.
افتكرت الليلة اللي نامت فيها من غير قصد، واللحظة اللي صحيت فيها وهي خاېفة على مستقبلها.
ما كانتش تتخيل إن غلطة صغيرة زي دي ممكن تكشف مشكلة أكبر، وتغيّر طريقة التعامل مع العاملين كلهم.
وفي نفس الوقت، فهمت إن الاعتذار والاعتراف بالغلط مش دايمًا بيؤديان للعقاپ، وإن فيه أشخاص ممكن يسمعوا الحقيقة قبل ما يحكموا على صاحبها.
النهاية اللي ما حدش توقعها!
بعد مرور أسبوع، كانت مريم بتجهز بعض الأغراض في الدور التاني، لما قابلت الشيخ راشد في الممر.
وقفت على جنب بسرعة، وانحنت باحترام.
صباح الخير يا سيدي.
راشد ردّ
صباح الخير يا مريم. عاملة إيه؟
السؤال البسيط فاجأها، لأنها ما كانتش متعودة إن الشيخ يسألها عن حالها.
الحمد لله يا سيدي، كويسة.
والدتك أخبارها إيه؟
مريم رفعت عينيها بدهشة.
الحمد لله، أحسن شوية. شكرًا لسؤالك يا سيدي.
هزّ رأسه.
كويس. وخلي بالك من نفسك.
مريم ابتسمت بخجل.
حاضر يا سيدي.
وبعد ما مشي، فضلت واقفة للحظات، مش لأنها كانت بتتوقع منه معاملة خاصة، لكن لأنها اكتشفت إن الشخص اللي كانت شايفاه بعيدًا جدًا عنها، ممكن يتعامل معاها باحترام من غير ما يقلل من شأنه أو من شأنها.
أما راشد، فكمّل طريقه لمكتبه، وهو عارف إن احترام العاملين مش محتاج خطب طويلة، ولا قرارات استثنائية في كل مرة.
أحيانًا بيبدأ من حاجة بسيطة جدًا إنك تسمع الشخص قبل ما تحكم عليه.
ومن يومها، بقت مريم أكثر حرصًا على شغلها، لكنها ما عادتش تخاف من إنها تطلب الراحة لما تكون محتاجاها.
والشيخ راشد ما نسيش اللي حصل، لأنه كان درسًا له هو كمان.
درس إن القصور الكبيرة ممكن تكون مليانة أثاث غالي، وأسرّة فاخرة، وستائر من أغلى الأقمشة، لكن كل ده مالوش قيمة لو الناس اللي بتحافظ على المكان بتتعب في صمت، ومحدش بيسأل عنها.
أما العاملون في القصر، ففضلوا يحكوا عن اللي حصل في الليلة دي لفترة طويلة.
بعضهم كان بيقول إن مريم كانت محظوظة لأنها نامت في الغرفة الليلة اللي رجع فيها الشيخ.
لكن مريم كانت بترد كل مرة
أنا ما كنتش محظوظة إني نمت على سريره. أنا كنت مرهقة، وده كان غلط مني. لكن اللي أنا ممتنة له فعلًا إنه سمعني، وفهم إني ما كنتش أقصد أعمل حاجة غلط.
وفي النهاية، ما كانش أكتر شيء صدم الجميع إن الشيخ راشد سمح لخادمة تنام على سريره.
اللي صدمهم فعلًا إنه، بدل ما يستخدم سلطته عشان يعاقبها على لحظة ضعف، استخدمها عشان يمنع تكرار السبب اللي وصلها للمرحلة دي.
لأن القوة الحقيقية مش إنك تقدر تطرد شخصًا في ثانية، ولا إن كل اللي حواليك يخافوا منك.
القوة الحقيقية إنك تقدر تحاسب على الغلط، وفي نفس الوقت تفضل عادلًا.
وإنك تفتكر، مهما كان منصبك أو حجم ثروتك، إن الشخص اللي بيخدمك إنسان عنده تعب وبيت ومسؤوليات، وإن كرامته مش أقل من كرامتك.
ومريم؟ رجعت لشغلها، وكملت حياتها، لكن الليلة دي فضلت علامة فارقة في ذاكرتها الليلة اللي دخلت فيها غرفة الشيخ وهي بالكاد قادرة تقف على رجليها، وخرجت منها في اليوم التالي وهي عارفة إن الرحمة ممكن تغيّر حياة إنسان، أكتر بكتير
من أي عقۏبة.





