الفاتورة اللي كشفت وش جوزي روايات احمد عمار حصرى

إنتِ اټجننتي يا مريم؟ إنتِ هتعملي محضر في جوزك عشان كوباية اتكبت؟
بصيتله من غير ما أرد.
اسمي مريم عبد الرحمن. عندي تلاتة وتلاتين سنة، وكنت متجوزة كريم الشناوي، رجل أعمال بيحب الناس تشوفه ناجح أكتر ما بيحب يكون ناجح فعلًا.
أبويا، الله يرحمه، كان صاحب شركة استيراد وتوريدات كبيرة. وبعد ۏفاته، ورثت نصيبي من الشركة وأملاك تانية، وبقيت مسؤولة عن استثمارات كان أبويا تعب عمره كله عشان يبنيها.
أما كريم، فكان شريك في شركة مقاولات متوسطة، وعنده طموح أكبر بكتير من إمكانياته.
أول ما اتجوزنا، كان بيظهر قدامي بصورة الراجل اللي شايل المسؤولية. يتكلم عن المستقبل، وعن بيت كبير، وعن عيال هيملاوا حياتنا، وعن أحلام هيحققها بإيده.
وأنا صدقته.
لأن الحب ساعات بيخلي الإنسان يشوف أحسن نسخة من اللي قدامه، ويقنع نفسه إن أسوأ تصرفاته مجرد أخطاء عابرة.
بس مع الوقت، اكتشفت إن كريم كان بيحب كل حاجة بقدمها له… إلا أنا.
كان بيحب فلوسي، وعلاقاتي، واسمي وسط رجال الأعمال، وحتى الهدوء اللي كنت بحافظ عليه كل ما يغلط.
وأمه كانت شايفة إن وجودي في حياته فرصة عمر، مش جوازة بين اتنين.
كانت تدخل بيتنا من غير ميعاد، وتفتح دواليب المطبخ، وتنتقد لبسي، وتعلّق على مصاريفي، وبعدين تسألني بكل بساطة إذا كنت أقدر أساعد كريم في التزامات الشركة.
ولما كنت أوافق، كانت تقول
ربنا يباركلك يا بنتي، إنتِ سند ابني الحقيقي.
ولما أرفض، كانت تقلب وشها وتقول
الفلوس بتغيّر النفوس.
كأن فلوسي ملكها، وإن رفضي أديها لأي حد چريمة في حقي.
لكن اللي حصل من تلات أسابيع غيّر كل حاجة.
في الليلة دي، كنت قاعدة في مكتبي في البيت، براجع كشف الحساب البنكي، لما ظهر قدامي إشعار بتحويل مالي بقيمة مليون وميتين ألف جنيه.
التحويل كان خارج من حساب استثماري باسمي.
أنا ما طلبتوش.
فتحت تفاصيل العملية، ولقيت إن الموافقة اتسجلت إلكترونيًا باستخدام بيانات تخصني.
اتصلت بالبنك فورًا، وبعد مراجعة أولية، موظف خدمة العملاء قاللي إن فيه طلبات مالية اتقدمت خلال الفترة الأخيرة، وإن الموضوع محتاج مراجعة رسمية.
قفلت المكالمة، وقلبي بدأ يدق پعنف.
راجعت الحسابات واحدة واحدة.
لقيت مصاريف على بطاقة إضافية كنت فاكرة إنها متوقفة، وتحويلات لحسابات ما أعرفهاش، ومدفوعات لمكاتب خدمات وشركات مشفتهاش قبل كده.
وبعدها ظهر قدامي اسم شركة صغيرة مسجلة باسم شخص ما أعرفوش، لكن عنوانها كان مرتبط بمكتب محاسبة بيتعامل مع شركة كريم.
في اللحظة دي، ما اتهمتوش.
ما واجهتوش.
ما دخلتش عليه أسأله هو عمل إيه.
لأن أول قاعدة اتعلمتها من أبويا كانت إن الشك مش دليل، والڠضب مش بديل عن الحقيقة.
اتصلت بمحامي الأسرة اللي كان أبويا بيثق فيه، الأستاذ حسام فؤاد، وشرحتله اللي لقيته.
طلب مني ما أعملش أي تصرف متسرع، وأحتفظ بكل المستندات والإشعارات، وأتواصل مع البنك عشان أوقف أي معاملات مش معتمدة مني.
وبعدها استعنت بمحاسب قانوني مستقل يراجع حركة الأموال من خلال المستندات المتاحة بشكل رسمي.
على مدار الأيام اللي بعدها، بدأت الصورة تتجمع.
مش كل تحويل كان معناه چريمة، ومش كل مصروف كان دليل إدانة. لكن كان فيه نمط واضح أموال بتخرج من حساباتي، ومدفوعات بتروح لجهات مرتبطة بأعمال كريم، ومصاريف شخصية بتتسجل كأنها التزامات تخص استثماراتي.
والأخطر من ده كله، إن فيه طلب تمويل جديد كان بيتجهز، وبياناتي موجودة ضمن المستندات المقدمة باعتباري ضامنة.
أنا ما وقعتش على أي ضمان جديد.
وما وافقتش على أي قرض.
ومن هنا بدأت أجهز نفسي للمواجهة.
كنت محتاجة أعرف كريم وصل لفين، ومين معاه، وهل أمه مجرد مستفيدة من الفلوس، ولا ليها دور أكبر.
وعشان كده، لما اتصل بيا قبل العشا بيومين، وقاللي إن أمه عايزة تجمع العيلة في مطعم فاخر عشان تحتفل بصفقة جديدة، وافقت.
ولما قاللي إنه حجز قاعة خاصة، وافقت برضه.
ولما لمح إن الفاتورة غالبًا هتكون كبيرة، سكت.
كنت عايزاه يتصرف بطبيعته.
عايزاه يفتكر إن مريم القديمة لسه موجودة.
الست اللي بتدفع عشان ما يحصلش خلاف، وبتتنازل عشان البيت يفضل هادي، وبتخبّي ۏجعها عشان ما تحرجش جوزها.
لكن مريم اللي كانت قاعدة قدامه الليلة دي ما كانتش جاية تدفع تمن عشا.
كانت جاية تعرف الحقيقة كاملة.
بعد ما اتصلت بالشرطة، كريم مد إيده وخطڤ الموبايل من قدامي.
صړخت فيه
رجّع موبايلي!
لكنه رفعه فوق راسه وقال باستهزاء
هتعملي إيه؟ هتشتكيني لمين؟ أنا جوزك!
قمت من مكاني، ومديت إيدي أخد الموبايل.
كونك جوزي مش معناه إنك تقدر تعتدي عليّا.
وشه اتغير.
ما كانش متعود يسمع مني الجملة دي.
كان متعود على العتاب، وعلى الدموع اللي بتنزل في آخر الخناقة، وعلى إني في النهاية أوافق على اللي هو عايزه عشان نرجع البيت من غير مشاكل.
لكن المرة دي، ما كنتش بعيط.
بصيت في عينه وقلت
الموبايل يا كريم.
أمه قامت من مكانها بسرعة، وحاولت تمسك دراعي.
إنتِ هتفضحينا؟ إنتِ فاكرة نفسك مين؟
سحبت دراعي من إيدها.
أنا واحدة مش هتسمح لحد يمد إيده عليها تاني.
نوال هانم شهقت، وكأن الجملة دي إهانة أكبر من كوباية النبيذ اللي اترمت في وشي.
يا نهار أسود! إنتِ بتكلمي حماتك كده؟
أنا بكلم ناس قررت تهينني، وتطلب مني أدفع تمن الإهانة كمان.
شريف، أخو كريم، رفع عينه أخيرًا.
كان شاب في أوائل التلاتينات، هادي طول الوقت، وغالبًا بيهرب من المشاكل بدل ما يواجهها.
قال بصوت متردد
يا جماعة، خلونا نهدى. إحنا في مكان عام.
كريم لف له پعنف.
إنت خليك ساكت! محدش طلب رأيك.
شريف رجع سكت تاني.
لكن أنا لاحظت حاجة صغيرة.
لما كريم قال إن محدش طلب رأيه، شريف بص ناحية أمه بسرعة، وبعدها بص للموبايل اللي في إيد أخوه.
نظرة خاطفة، لكنها كانت مليانة خوف.
ساعتها فهمت إن فيه حاجة شريف عارفها، أو على الأقل شاف جزء منها.
قبل ما أقدر أتكلم، مدير المطعم دخل القاعة ومعاه فردين من الأمن.
كان اسمه أستاذ فؤاد، راجل في الخمسينات، ملامحه هادية، لكنه واضح إنه فهم إن الموضوع خرج عن السيطرة.
قال باحترام
مدام مريم، حضرتك بخير؟
رديت
مش تمام، لكن هبقى بخير. محتاجة بس تحافظوا على تسجيلات الكاميرات من بداية السهرة، وتمنعوا أي حد يمسحها أو يغيّر فيها.
كريم ضحك بصوت عالي.
هو إنتِ بتأمري مين يا أستاذة؟ ده مطعم خاص!
فؤاد رد بهدوء
التسجيلات بتتراجع وفق الإجراءات المعتمدة، يا فندم. وإحنا ملزمين نحافظ عليها لو فيه واقعة محتاجة تحقيق.
كريم قرب منه.
أنا عميل عندكم من سنين، وبدفع مبالغ مش قليلة هنا.
فؤاد بص للفاتورة، وبعدها بص له.
وده ما يمنعش إننا نتعامل مع أي شكوى بشكل جدي.
وش كريم احمر.
أما نوال هانم، فبدأت تغير نبرة صوتها.
يا أستاذ فؤاد، إحنا عيلة، ومفيش داعي نكبر الموضوع. حصل سوء تفاهم بين راجل ومراته، وإحنا هنحلّه في البيت.
بصيتلها وقلت
اللي حصل مش سوء تفاهم. ابنك رمى النبيذ في وشي، وهددني عشان أدفع فاتورة هو اللي طلب كل اللي فيها.
ردت بسرعة
ما إنتِ طول عمرك بتدفعي! إيه اللي جد؟
ابتسمت ابتسامة صغيرة، من غير فرحة.
اللي جد إني عرفت الفلوس اللي كنت بدفعها بتروح فين.
لأول مرة، ابتسامة نوال اختفت.

الصفحة السابقة 1 2 3 4 5 6 7الصفحة التالية

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *