الفاتورة اللي كشفت وش جوزي روايات احمد عمار حصرى

روايات_أحمد_عمار
لما رفضت أدفع الفاتورة في مطعم فخم في التجمع، جوزي ما دخلش معايا في جدال… لأ، ده رمى كوباية النبيذ في وشي! وأمه كانت قاعدة جنبه وبتبتسم، بينما المطعم كله سكت والناس اتجمدت مكانها.
بصلي وقال ببرود يا تدفعي الحساب، يا كل حاجة تنتهي بينا الليلة!
مسحت وشي، ومديت إيدي في شنطتي… لكنه كان فاكر إني هطلع الكارت الأسود وأدفع زي كل مرة. إنما أنا طلعت موبايلي واتصلت بالشرطة.
في خلال دقايق، مدير المطعم بدأ يراجع كاميرات المراقبة، وأفراد الأمن حاصروا الترابيزة من كل ناحية. وساعتها جوزي فهم متأخر أوي إني مش هادفع تمن إهانتي بإيدي… أنا كنت جاية أنهي المهزلة دي للأبد.
قبل ما ألحق أستوعب اللي حصل، النبيذ الأحمر اتناثر على وشي. من ثانية واحدة، كانت قاعة الطعام الخاصة في مطعم فاخر في التجمع بتلمع تحت نور النجف، وكاسات الكريستال بتبرق على الترابيزة، والشموع منورة المكان… وفي الثانية اللي بعدها، لقيت السائل الأحمر بينزل على خدي، وبيقطر من دقني لحد ما غرّق مفرش السفرة الأبيض.
محدش قدر ينطق بكلمة.
جوزي، كريم الشناوي، كان واقف فوق راسي، ماسك الكوباية الفاضية، وفكه مشدود من الڠضب، وساعته الغالية بتلمع تحت نور النجفة. أما أمه، نوال هانم، فكانت قاعدة جنبه، لابسة عقد لولي، وبتبتسم كأنها لسه شايفة طفل اتربى أخيرًا واتعلم الأدب.
قال كريم بصوت واطي، لكنه كان مسموع لكل اللي حوالينا
ادفعي الحساب… يا إما اللي بينا ينتهي الليلة.
مسحت رقبتي بمنديل السفرة بهدوء.
المكان كله كان غرقان في الصمت. الجرسونات وقفوا عند باب المطبخ مش عارفين يتحركوا، وراجل وست على الترابيزة اللي جنبنا فضلوا يبصوا في أطباقهم، عاملين نفسهم مش واخدين بالهم من اللي بيحصل.
أخوه الأصغر، شريف، وطّى عينه، بينما أمه رفعت كوباية النبيذ وابتسمتلي الابتسامة السامة الصغيرة اللي أتقنتها طول خمس سنين من جوازي بابنها.
قالتلي وهي بتظبط إسورة دهب في إيديها
إنتِ اللي أحرجتيه قدام الناس! الست المحترمة ما تحطش جوزها في الموقف ده.
بصيت للفاتورة اللي كانت مرمية بينا على الترابيزة.
أربعمية وتمانين ألف جنيه!
أيوه، أربعمية وتمانين ألف جنيه على عشا واحد!
كريم هو اللي طلب الأكل والشرب لكل الموجودين. أطباق مستوردة، ولحمة فاخرة، ومقبلات ما حدش فينا لمس نصها، وزجاجات مشروبات غالية كان بيتباهى بأسعارها أكتر ما كان بيهتم بطعمها.
طول السهرة كان بيضحك مع أهله، وبيتباهى قدام مدير المطعم، ولما الجرسون جاب الحساب، قاله بمنتهى الثقة
مراتي هتتكفل بالحساب.
كان دايمًا بيعمل كده.
في البداية، كنت بدفع عشان أريح دماغي وأحافظ على الهدوء في البيت. وبعدها بقيت بدفع لما يقولي إن شغله بيمر بفترة صعبة وإن الفلوس هتتحسن قريب. وبعدين أمه بدأت تفكرني كل شوية إني محظوظة إن ابنها اتجوز واحدة عملية زيي.
بس كلمة عملية عندهم كان ليها معنى تاني خالص.
يعني واحدة تنفع وقت اللزوم، تسكت على حقها، وتكون موجودة كل ما يحتاجوا فلوس.
لكن من تلات أسابيع، وفي الساعة اتنين وتلتاشر دقيقة بعد نص الليل، فتحت تنبيه وصلني من البنك، واكتشفت عملية سحب أنا ما عملتهاش.
وبعدها لقيت عملية تانية.
وبعدين حساب مخفي، وتوقيع مزوّر باسمي، وسلسلة مصاريف فخمة مرتبطة بكريم وأمه.
ومن اللحظة دي، عرفت إن الموضوع أكبر بكتير من مجرد فلوس بتضيع.
الليلة دي ما كانتش مفاجأة بالنسبالي.
الليلة دي كانت فخ… وأنا اللي كنت مستنياه يقع فيه.
كريم قرّب مني أكتر، وخفّض صوته وهو بيضغط على أسنانه
ما تخلنيش أكرر كلامي مرتين.
أمه ضحكت ضحكة خفيفة وقالت بثقة
هتدفعي… دي عمرها ما قالت لأ قبل كده.
مديت إيدي جوه شنطتي.
ابتسامة انتصار ظهرت على وشه، لأنه افتكر إني بدور على الكارت الأسود عشان أدفع الفاتورة وأخلص الموقف زي كل مرة.
لكني طلعت موبايلي بدل الكارت.
وبكل هدوء، فتحت شاشة الاتصال.
وضغطت على رقم الشرطة… 122.
ولما فرد الأمن اللي كان واقف عند مدخل القاعة لمحڼي، رفعت إيدي إشارة صغيرة وقلت بصوت ثابت
لو سمحت، محدش يخرج من المكان لحد ما الشرطة توصل. وفيه اعتداء حصل قدام شهود، وفيه موضوع تاني أخطر لازم يتراجع.
كريم ضحك.
ضحكة قصيرة، مليانة استهزاء.

1 2 3 4 5 6 7الصفحة التالية

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *