"شوفيلي بقى حكاية عم حسنين، خدي بالك منه عقبال ما أأعد أنا في شقته أتابعها"، ده اللي قالهولي حسام طليقي وهو سيرم لي راجل مريض في أيامه الأخيرة، محتاج خدمة ومراعاة ليل ونهار. أنا مأتكلمتش ولا حاججت، شلت كل الفواتير والمصاريف على جنب، وفضلت واخدة بالي منه. وبعد كام أسبوع، لما رجع وهو فاكر نفسه ناصح ومطمن، المحامي فتح الوصية... ووشه اتقلب مية لون! الجزء الأول — يا هناء، شيلي معايا عمك حسنين. أنا هجيبه عندك وأقعد أنا كام أسبوع في شقته في المهندسين أتابعه. الراجل محتاج حموم وأكل ومواعيد دوا بالدقيقة — قالها حسام ببساطة، كأنه بيسلمها شنطة ولا كرتونة، مش أبوه اللي بيطلع في الروح. هناء بصت لفنجان القهوة اللي في إيدها. بقالها سنتين متطلقة من حسام، الراجل اللي مابيتفكرش يطل على ابنه يوسف أبو سطاشر سنة إلا فين وفين، وكل كلامه معاها كان عن المصاريف والدروس والوعود الفاضية. — مال أبوه؟ فيه إيه؟ صوت حسام اتغير ووطى. — كانسر في البنكرياس.. في المرحلة الأخيرة. الدكتور قال خلاص، العلاج مش حيجيب نتيجة والموضوع مسألة وقت. محتاج بس مداراة وتسكين للوجع، يمكن فاضل له كام شهر. هناء غمضت عينيها. عم حسنين، المهندس الكبير المتقاعد، راجل طول عمره مقامه عالي. لما جوازها من حسام اتهد بسبب خيانته، هو الراجل الوحيد اللي كلمها وقالها: "يا بنتي، أوعي تخلي اللي عمله حسام يكسر نفسك ولا يقلل من قيمتك". — طب وأنت ما بتراعيهوش ليه؟ — عندي شغل ومرمطة في الشروق والتجمع، وشغلانة رايحة وشغلانة جاية. وبعدين شقته مفيهاش حد يخدم، عندك أنتِ اللقمة هنية والنظافة موجودة، وأنتِ أصلك طيب وبتعرفي تتصرفي في الحاجات دي. هناء كانت هتموت وتضحك بسخرية. كلمة "أنتِ أصلك طيب" كانت دايماً الطريقة الشيك اللي حسام بيخلع بيها ويقولها: "شيلي أنتِ الشيلة". يوسف ابنها سمع الكلام بعد دقائق. — هو جدو حسنين بيموت يا بابا؟ قصدي يا ماما؟ — أيوه يا حبيبي. الراجل تعبان قوي وحالته متأخرة. الولد سكت شوية وبص للأرض. — وبابا عايز يسيبه هنا ويروح هو يقعد في شقة جدو؟ هناء رفعت رأسها: — ده اللي عايزه. — أنتِ حتوافقي.. صح؟ — عرفت منين؟ — عشان جدو ملوش ذنب في حاجة. في نفس الليلة، هناء اتصلت بحسام: — هاته. عم حسنين جه بعد تلات أيام. خاسس ييجي خمسة عشر كيلو، معاه شنطة هدوم صغيرة وشيكارة أدوية. يوسف سابله أوضته وطلع كبس نفسه على الكنبة في الصالة. هناء جابت مرتبة تطرية، وركبت مقبض في الحمام عشان يسنده، ولزقت ورقة كبيرة على التلاجة بمواعيد الدوا. حسام وعد إنه هيجي يزور أبوه في نهاية الأسبوع. ما جاش. ولا الأسبوع اللي بعده. عم حسنين عمره ما فتح بق كلمة ولا اشتكى. كان بيشكرها على بق المية. ومع الوقت، ابتدى يقضي عصاري اليوم مع يوسف وهو بيرسم قصص مصورة. يوسف كان بيرسم مهندس بيملى الدنيا كباري بين العالم والعالم، بس كل كوبري يبنيه ياخد منه حتة من ذكرياته. — العمدان دي مش مظبوطة يا يوسف — قالها حسنين في يوم وهو بيبص على الرسمة — لو عايز تبين إن الحكاية صعبة ومستحيلة، لازم تبنيها على أساس صح الأول. يوسف ابتسم من قلبه لأول مرة من فترة طويلة. وفي الوقت اللي كان الجد والحفيد بيتكلموا فيه عن الخرسانة والحديد والكباري، جات لهناء رسالة على الموبايل من حسام: "الشغل معطلني في الساحل والضرورة حكماها، الأسبوع الجاي حجي أكيد." بالصدفة، فتحت الفيس بوك. قبل تلات ساعات بس، حسام كان نزل صورة في دهب. واقف على البحر مع واحدة بلبس البحر ومبتسمين وبيشربوا عصير. هناء بصت لشاشة الموبايل، وبعدين بصت للأوضة جوه، حيث الراجل الكبير اللي بيودع الدنيا بيشرح لحفيده إزاي الكوبري ما يقعش. ساعتها فهمت حاجة خلت الدم يجمد في عروقها من الغيظ: حسام مكنش مشغول ولا وراه شغل. هو ببساطة رما أبوه وخلع، وسابها تخدمه وتلم وراه، عشان يفوق هو لنفسه ولعيشه. وكان فاضل بس تفهم هو بيعمل إيه بجد في شقة عم حسنين في المهندسين... ومكنتش تتخيل أبداً إيه اللي مستنيها ومستني حسام في الآخر... PARTE 2 هناء ما واجهتش حسام بصورة دهب. احتفظت بـ"الإسكرين شوت"، قفلت الموبايل، ورجعت لكارها وروتينها: الشغل الصبح، أدوية الضهر، أكل خفيف وشوربة على العصر، وليالي مقطعة كل ما عم حسنين يحتاج مساعدة عشان يقوم. الحاجة أم إبراهيم الجارة كانت بتعدي عليه في ساعات شغل هناء. وصاحبتها مروة، الممرضة في مستشفى قصر العيني، كانت بتيجي كل سبت تتطمن إن الوجع تحت السيطرة ومسكنات الآلام شغالة. أما حسام، فكان بيكلمها كل أربع أو خمس أيام. — الأخبار إيه؟ — أضعف من الأول. — شيلي الفواتير والمصاريف على جنب، لما أرجع هبقى أديكي. لا عمره سأل صرفت كام، ولا بعت مليم واحد. وفي ليلة، عم حسنين طلب يتكلم مع هناء لوحدهم. — يا هناء، في كلمة لازم أقولهالك قبل ما السر الإلهي يطلع وما أقدرش أتكلم. قعدت جنبه على طرف السرير. — من سبع سنين، أنا شفت حسام مع واحدة تانية. مش اللي ماشي معاها اليومين دول.. واحدة غيرها. شفتهم حاضنين بعض في مطعم في الزمالك. فهمت الفولة على طول.. وسكت. هناء حست بوجعة في قلبها، مع إن الجرح قديم ومات. — ليه يا عم حسنين؟ — جبن مني.. ضحكت على نفسي وقلت بلاش أخرّب البيت، ويوسف لسه صغير، ويمكن أنا فاهم غلط. كلها حجج فارغة. كان لازم أقولك وأعرفك. هناء سكتت شوية قبل ما ترد: — أنا ضاع من عمري سنين صح، بس يوسف ما ضاعش منه حاجة. وأنت بتريح ضميرك وبتقولي الحقيقة دلوقتي. عم حسنين نزل عينه في الأرض: — أنتِ صنتيني وراعيتيني أكثر من أهلي اللي من دمي. بعدها بكام يوم، حسام ظهر. وشه متقشر من شمس البحر، ماسك في إيده كيس فاكهة، وداخل بابتسامة فاكر إنها هتمسح غيابه تلات أسابيع. أول ما بص لأبوه، الابتسامة أتمحت من وشه. — ده حالته أتأخرت خالص! — المرضى حالتهم بتتأخر عادي حتى لو أنت في دهب — ردت هناء بكل برود. حسام رفع عينيه ومسألهاش عرفت منين، اتلبش وقعد. وبعدها بشوية، بدأ يتكلم بكبرياء وكأنه بيحكي عن الجو: إنه غير دهان الشقة في المهندسين، وجاب نجف جديد، وطلب أوردر لتقفيلة مطبخ مودرن. — أنت بتوضب وتصرف على شقة مش شقتك ليه؟ — سألته هناء. — بعملها واجب، أصلها كده كده هتبقى ملكي في الآخر. من الممر الصغير، كان عم حسنين سامع كل كلمة. ما نطقش. وفي نفس الليلة طلب من هناء: — بكرة يا هناء، عايزك تجيبيلك مأذون أو محامي وشهر عقاري يجيلي لحد البيت هنا. — ليه يا عمي؟ — عشان أظبط شوية أمور ونحط النقط على الحروف. يوم الجمعة، وصل الأستاذ مصطفى عمران، محامي وراجل فوق الستين، وقور وشديد الدقة. دخل أوضة عم حسنين ومعاه شنطة جلد قفل الباب عليهم. القعدة قعدت يجي ساعة. هناء فضلت في المطبخ وما حاولتش تتصنت. لما المحامي خرج، شال أوراقه وبصلها بنظرة صعب تفهمها. — الأستاذ حسنين كان في كامل قواه العقلية وهو بيبصم ويمضي على الأوراق دي. — أنا عمري ما شكيت في ده. المحامي هز رأسه: — لما يجي الوقت المناسب، أنا هطلبك بنفسي. بعد أسبوعين، حالة عم حسنين تدهورت بسرعة. تقريباً مابقاش يدخل جوفه أكل. يوسف كان بيقعد جنبه بالساعات يوريه رسوماته. وفي عصر يوم، الراجل الكبير مسك أخر كشكول للولد، وبص لفرخة الرسمة اللي فيها المهندس واقف على الكوبري وهو متبني ومضبوط. — كده يميّل وما يقعش أبداً — همس بصوت ضعيف. وبعدين بص ليوسف: — خد بالك من أمك يا يوسف. أمك جبل، بس حتى الجبال بتحتاج اللي يسندها. في نفس الليلة، طلب حسام يجي فوراً. ولأول مرة، حسام جه من غير حجج ولا أعذار. الأب وابنه اتكلموا ورا الباب المقفول ساعة كاملة. لما حسام خرج، كانت عينيه حمرا ومدمعة. — قال لي إنه بيحبني — همس لحاله — ما أفتكرش إنه قالها لي قبل كده خالص. رجع تاني بعد يومين. ورجع يوم الجمعة. بس على فجر يوم السبت، قبل ما الشمس تطلع، هناء صحيت على نغزة في قلبها. دخلت الأوضة.. عم حسنين كان ساكن تماماً، ووشه هادي ومطمن. يوسف قعد جنبه، وهي اتصلت بالدكتور، وبعدها بحسام. بعد أسبوعين، المحامي اتصل: — يا مدام هناء، تقدروا تيجوا المكتب عشان نفتح الوصية.. ويا ريت تيج بشخصك. لما هناء دخلت مكتب المحامي في وسط البلد، كان حسام قاعد مستني قدام المكتب بكل ثقة. المحامي فتح الملف: — المرحوم المهندس حسنين الألفي ساب تعليمات واضحة وصريحة جداً. ومع أول سطر قراه المحامي، وش حسام أتقلب وشحب ودهس كأنه شاف عفريت! اللي أبوه قرره وشاله في الوصية، هيغير كل حاجة وهيقلب حياتهم رأس على عقب... المحامي حط نظارته على مناخيره، وبص لحسام بصرامة وهو بيبدأ يقرأ النص الصريح للوصية: — "أنا المهندس حسنين الألفي، وأنا في أتم قوايا العقلية والصحية، أقر بأن شقتي الكائنة بمنطقة المهندسين، وكافة رصيدي في البنك، قد تم بيعهم ونقل ملكيتهم بعقود مسجلة نهائية وناجزة، لصالح حفيذي 'يوسف حسام الألفي'، على أن تكون والدته 'هناء عبد الرحمن' هي الوصية الحسابية والقانونية الوحيدة على هذه الممتلكات حتى يبلغ سن الرشد." حسام اتنفض من كرسيه كأنه اتكهرب، عروق رقبته برزت وصوته طلع مبشوح: — إيه الكلام الفاضي ده؟! أنت بتقول إيه يا أستاذ؟! الشقة دي بتاعتي! أنا ابنه الوحيد! الوصية دي مزورة! أنا هرفع ق\ضية وأطردكم كلكم! المحامي الأستاذ مصطفى عمران ابتسم ببرود ورص الأوراق على المكتب قدامه بكل هدوء: — اهدا يا أستاذ حسام وما تعليش صوتك في مكتبي. أولاً دي مش مجرد وصية، ده عقد بيع وشراء مكتمل الأركان ومسجل في الشهر العقاري وبصمة والدك عليه، ومصحوب بتقرير طبي رسمي من لجنة ثلاثية بتثبت إن قواه العقلية كانت ١٠٠٪ يوم التوقيع. ثانياً بقى.. والدك سابلك المظروف المغلق ده ومصمم إنك تقراه بنفسك. حسام خطف المظروف بإيد بتترعش، فتحه وطلّع ورقة مكتوبة بخط إيد أبوه اللي يعرفه كويس: "يا حسام يا ابني.. لما تقرأ الكلام ده هكون تحت تراب ربنا. أنت فاكر إنك ناصح، وجمعت القرشين اللي حيلتك عشان توضب الشقة اللي فاكر إنك هتوصلها ببلاش بعد موتي عشان تجيب فيها نسوانك وتعيش حياتك. أنت ما جيتش تخدمني، أنت جيت تضمن ورثك! سيبتك تصرف وتوضب وتعمل كل اللي نفسك فيه في الشقة عشان تتعلم الدرس. الشقة والرصيد بقوا ملك يوسف، وهناء هي اللي من حقها تتصرف. هي اللي شالتني وغسلتني وراعتني وأنت بتتفسح في دهب وعلى شواطئ الساحل. أنا ما ظلمتكش، أنا بس بدي كل واحد حقه، وبحمي ابنيك من أب ما بيعرفش يعني إيه مسئولية. وأما الكلام اللي قلتهولك في أخر ليلة إني بحبك.. فده كان عشان أفكرك إن كان عندك أب بيحبك، بس أنت اخترت تبيع كل حاجة." حسام إيديه تترعش، الورقة وقعت منه على الأرض، وبص لهناء بنظرة كلها غل وحقد: — أنتِ!! أنتِ اللي لعبتي في دماغه! أنتِ اللي لفتي عليه عشان تسرقي شقتي وفلوسي! هناء وقفت بمنتهى الثبات والهدوء، رفعت رأسها وبصت في عينيه من غير ما ترمش: — أنا ما طلبتش منه حاجة يا حسام. أنت اللي رميت أبوه وهو بيموت عشان تنزل تتدلع، وأنا اللي قعدت تحت رجليه أخدمه لوجه الله. أنت فاكر إن كل حاجة بتتشري بالفهلوة، بس ربنا ما بيسيبش حق حد. والشقة اللي أنت صرفت عليها كل معاك وعملت فيها ديكورات ومطبخ جديد؟ يوسف ابنك هيعيش فيها معزز مكرم، وأنا اللي همسك مفاتيحها. المحامي كمل كلامه وهو بيشاور لحسام على الباب: — الأستاذة هناء بصفتها الوصية، مدياك مهلة ٢٤ ساعة تخلي الشقة وتلم كل هدومك وحاجتك الشخصية، وإلا هنحرر محضر بقوة القانون ونطردك منها بالشرطة. خرج حسام من المكتب وهو يجر أذيال الخيبة، خسارة فلوسه اللي صرفها على تشطيب الشقة، وخسارة ملكيتها، وفوق كل ده خسارته لأبوه ولابنه. بعد شهرين، نقلت هناء ويوسف للعيش في شقة المهندسين بعد ما بقت ملكاً للولد برعاية أمه. يوسف كمل تعليم وتفوق في مدرسته، وكان كل يوم يقعد على مكتب جده، يمسك الكشكول ويرسم كباري جديدة.. بس المرة دي، كباري قوية وقواعدها متينة، زي الدرس اللي علمهوله جده: إن اللي يبني حياته على أصل صح وخلق وطيبة، عمره ما يقع ولا يتهد.