حماتي بالشنط

وبعدها حكت لي حاجة أحمد ميعرفهاش. شيماء جيلها شغل في الإسكندرية، وعفاف قررت تبيع بيت الفيوم وتروح تعيش معاها هناك. مش عايزين أحمد يرجع ويفتكر إنه هيلاقي “حضن أمه” اللي يصرف عليه تاني.

— قلت له لما تلاقي شغل ثابت وتقدر تشيل نفسك، ابقى دور عليا —شرحت لي—. بس مش هقوله إحنا رايحين فين.

الحركة كانت قاسية، بس فهمت مغزاها: لأول مرة أهله بيشيلوا الفيشة اللي كان بيستغلها عشان يهرب من المسؤولية.

الطلاق تم رسمي بعد كام شهر. أحمد رجع البلد على أساس إنه يتقوقع في بيت أمه، اتفاجأ بيافطة “للبيع” على الباب، وبوابة جديدة وناس غرباء عايشين جوه. حاول يتصل بأمه وبشيماء، لقوا خطوطهم الاتنين اتغيرت.

ابن عمه بعتلي رسالة بعد فترة، قال لي إن أحمد لسة بيسأل عليهم، وشغال باليومية في مخازن أو دليفري، يا دوب يجيب أكل يومه، وكل ما تجي له فرصة شغل ثابتة، يطلع فيها القطط الفاطسة ويسيبها.

أنا مش حاسة بغل ولا شماتة.. حاسة براحة ونظافة.

البيت رجعت ريحته قهوة بدل الأكل المعفن والمواعين المتكومة. الأوضة اللي كان قاعد فيها حولتها لمكتب صغير، وظبطت أوراقي، ولأول مرة من يوم ما اتجوزت، أعدي يوم الأحد من غير ما أعمل أي حاجة.. أكون قاعدة جنب الشباك وأحس بجمال الراحة من غير ما أكون شايلة هم بني آدم عايش على تعبي.

بعد شهور، جالي آخر مسج من عفاف من رقم جديد:

— أنا مَربيتش راجل يشيل المسؤولية.. أنا ربيت ابن مكنتش بسيبه يقع أبداً. شكراً إنك أجبرتينا نشوف الحقيقة.

ما رديتش لعدة دقائق، وبعدين كتبت:

— يارب نكون كلنا اتعلمنا الدرس.

بعتتلي إيموجي قلب وماتكلمناش تاني.

أوقات الناس بتسألني: هو أنتِ مش ندمانة إنك طردتيه في أنصاص الليالي؟ أو إنك فضحتيه قدام أمله؟ أو إنك ما اديتوش الـ ٣٠ ألف دول يمكن كانوا “أنقذوا” حياته؟

وإجابتي دايماً واحدة: أنا قعدت سنين بنقذه وهو بيتعود يغرقني معاه.

والأضرف من ده كله، إن أمه وأخته جم يوم السبت ده بـ ٤ شنط عشان يستقروا في “بيت ابنهم”.. وخرجوا من غيره، وهما متأكدين إن الراجل اللي دافعوا عنه سنين هو السبب الأول في خرابة حياته.

أنا مكسبتش لما هو خسر.. أنا كسبت لما بطلت أدفع، وأُنظف، وأبرر، وأستحمل، وأشيل ذنب حياة مش حياتي.

ولو اتعلمت حاجة واحدة من كل ده، فهي دي: إنك تساعد حد مش معناه إنك تشيله على ضهرك طول العمر. أوقات قسوة الحدود بتكون هي أول باب للحرية.

الصفحة السابقة 1 2 3 4 5 6 7الصفحة التالية

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *