الظرف الأصفر

الموضوع ما كنش انتقام سهل ولا سريع… كان متعب، ومؤلم، وجلسات رايحة وجلسات جاية في المحاكم، وليالي سليم كان بيسألني فيها بدموع وهو نايم: “هو أنا السبب في اللي حصل لبابا؟”

وكل مرة كنت باخده في حضني وبقوله نفس الكلام:

— أنت مالكش ذنب في أي حاجة يا حبيبي… أنت البطل اللي أنقذ ماما وشجعها.

البيت نفسه اتغير. شلت كل الصور الكبيرة اللي كان شريف واقف فيها بيتمنظر مع رجال الأعمال والمشاهير. فتحت الشبابيك اللي كان دايماً مخليني قافلاها بالستائر الغامقة. ورجعت زرعت الورد والفل والياسمين البلدي اللي بابا كان بيحبهم في البلكونة والمدخل.

وفي مدخل الشركة، علقت يافطة نحاس بسيطة وشيك مكتوب عليها:

> “مجموعة رسلان للغذائيات. أسسها الحاج أحمد رسلان. واستردتها ابنته مريم.”

>

أول ما سليم قراها، ابتسم وقال بفخر:

— جدو كان هيبقى فرحان بينا أوي صح يا ماما؟

— جداً يا قلب ماما.

في يوم حد، سافرنا “المحلة”، ورحنا للمصنع القديم الصغير اللي بدأ فيه بابا وهو بيبيع برطمانات المربى والصلصة. المكان ما كنش مودرن ولا فخم، كان ريحته توابل وخشب قديم وصوت مكن شغال ببركة ربنا، بس هناك حسيت إني قادرة أتنفس بجد لأول مرة من سنين.

سليم مسك إيدي وسألني بهدوء:

— ماما… هو أنا هشوف بابا تاني في يوم من الأيام؟

سكت لثواني. ما كنتش عايزة أزرع في قلبه كره، وفي نفس الوقت مكنتش عايزة أكذب عليه:

— في يوم من الأيام يا حبيبي… لما المحكمة والشرطة تقول إن المكان آمن وتكون أنت عايز كدة وبكامل إرادتك. بس مفيش مخلوق في الدنيا هيجبرك تحب أو تشوف حد كان بيخوفك.

هز راسه بتفهم وفهم كلامي كأنه كبر فجأة:

— أنا عايز أحب اللي بيخاف عليا وبيحميني بس يا ماما.

حضنته بكل قوتي. يومها ما رجعناش الفيلا وإحنا خايفين من بكرة، رجعنا تعبانين من السفر آه، بس وإحنا حاسين براحة بال مالهاش حدود.

بعدها بكام شهر، في جلسة من جلسات المحكمة، شريف طلب يكلمني على انفراد. قالي إنه ندمان، وإن ياسمين هي اللي وزته ولعبت بدماغه وطمعته، وإنه تاه في السكة. سمعته للآخر من غير ما أقاطعه. ولما خلص، بصلي وهو مستني كلمة سماح أو رضا وكأنه لسه يقدر يفرض عليا حاجة.

— أنا مش بدعي عليك بالشر يا شريف… بس سماحي ليك مش هيبقى الباب اللي هترجع تأذينا منه تاني.

الصفحة السابقة 1 2 3 4 5 6 7 8 9الصفحة التالية

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *