“فى يوم كنت رايحة البنك أسحب فلوس زي كل مرة، ماكنتش متخيلة إن اليوم العادي ده هيتحول لكابوس.

فى يوم كنت رايحة البنك أسحب فلوس زي كل مرة، ماكنتش متخيلة إن اليوم العادي ده هيتحول لكابوس. أول ما وصلت، الموظفة اللي بعرفها من خمس سنين، نظرتلي بنظرة مرعوبة وغريبة، وبصوت واطي وهمستلي اهربى حالا.
أنا اسمي كامليا، عندي اتنين وستين سنة. جوزي اتوفى من تلات سنين، وساب لي بيت من دورين على أطراف مدينة طنطا، ومعاه تحويشة عمر وشقى سنين تكفيني وتضمن لي عيشة مرتاحة ومستورة في سني ده.
ابني أحمد مهندس مدني شغال في المقاولات، بحكم شغله دايماً متبهدل في مواقع الإنشاءات برة المحافظة، ومبيجيش يزورني غير مرتين أو تلاتة بس في الشهر كله. هو متجوز من خمس سنين، ومراته ميار شغالة مدرسة ثانوي. ميار بنت جميلة، هادية بطبعها وبنات الأصول، بس كتومة وقليلة الكلام. من ساعة ما عشنا مع بعض وأنا مش بكرهها ولا حاجة، بس برضه لسه فيه بيننا حتة الحذر والمسافة اللي دايماً بتكون موجودة في بيوتنا المصرية بين الحما ومرات الابن؛ خيط رفيع من الأدب والحدود اللي كل واحدة فينا بتعمل حسابها ومبتعديهاش.
في الصبحية بتاعة اليوم ده، الجو كان مغيم ومقفل، وشكلها كانت هتمطر مطر شديد وكأن فيه نوّة أو عاصفة داخلة علينا. لقيت ميار داخلة عليا الأوضة وشكلها مش على بعضه، متوترة وقلقانة.
قالت لي ماما… إيه رأيك ننزل بعد الضهر نروح البنك نسحب شوية فلوس؟ أنا هلبس وأخدك معايا.
أنا استغربت جداً بصراحة؛ ميار عمرها ما حشرت

نفسها في فلوسي ولا حساباتي في البنك قبل كده خالص.
لقيتها عضت على شفايفها وابتديت تبص في الأرض وقالت
أصل الدنيا هتمطر جامد وشكل السقف فوق هيجيب مية ويرشح، فقلت لازم نسحب كاش بسرعة عشان نجيب صنايعية يصلحوه… وكمان فيه مواضيع مهمة تانية عاوزة أقولك عليها.
الطريقة اللي كانت بتهرب بيها بعينيها مني خلت قلبي ينقض وتقلقني، بس لما فكرت في المطر والبهدلة، هزيت دماغي ووافقتها.
على الساعة ١١ الضهر، ميار أخدتني ورحنا على فرع البنك الأهلي اللي جنب السوق. أول ما وصلنا، وقفت هي برة وقالت لي ادخلي أنتِ يا ماما وأنا هقف هنا برة ثواني أرد على كام رسالة بخصوص الشغل.
دخلت البنك ورحت علطول على الشباك اللي متعودة عليه، شباك نرمين؛ موظفة البنك اللي بتخلص لي كل حساباتي وسحبي وإيداعي من خمس سنين وعارفاني كويس. بس النهاردة عينيها كانت غريبة جداً… نظرتها فيها رعب، وقلق، وخوف مش طبيعي.
قلت لها إني عاوزة أسحب ٣٠٠ ألف جنيه.
نرمين بدأت تكتب على الكمبيوتر وإيديها كانت بتترعش بطريقة غريبة. وبعد كام دقيقة، سابت الشباك وقامت دخلت أوضة الأمن جوة.
ولما رجعت، مدّت إيدها بالورق عشان أمضي عليه. وأنا بوطي عشان أمضي، عملت نفسها بتجيب دبوس ورق من الأرض اللي وقع منها، ولمست إيدي وبسرعة راحت زقّت في كف إيدي ورقة صغيرة مطبقة.
وبصوت واطي جداً ومبحوح من الرعب وشوشتني وقالت
أنتِ… اطلعي على بيتك علطول. متثقيش

في أي حد… أرجوكي.
فتحت كف إيدي بالراحة وبصيت في الورقة.
كان مكتوب فيها كلمتين اتنين بس بالبلدي كده
اهربي.
قفلت كف إيدي على الورقة بسرعة البرق، وكأن لو فكيتها بس ملي واحد الكلمة هتطير في الجو والكل هيشوفها. ضربات قلبي كانت سريعة وقوية لدرجة خلتني أفتكر إن نرمين سامعاها. بصيت في عينيهاالعينين اللي بقالها خمس سنين بتمضيني على الإيصالات وتخلص لي حاجتي، النهاردة كانت بتقولي كلام تاني خالص. مسألتش ولا كلمة، هزيت دماغي كأني مش فاهمة حاجة وكل حاجة تمام، وأخدت الفلوس والفيزا ودفتر التوفير من على الشباك ومشيت خطوة خطوة لبرة. أول ما رجلي خطت برة البنك، لمحت ميار واقفة بعيد وحاطة الموبايل على ودنها وبتتكلم بحماس، أول ما شافتني جاية عليها، راحت قافلة السكة فجأة وحاولت ترسم ابتسامة على وشها وقالت لي خلصتِ يا ماما؟
أنا كمانثبّت نفسي وعملت نفسي ببتسم وقلت لها آه يا بنتي خلاص خلصنا، بس صوتي مكنش طالع طبيعي، كان فيه رعشة غريبة. في اللحظة دي ولأول مرة في حياتي، عرفت إن الخوف ممكن يخلي البني آدم يبان هادي ومتماسك بشكل غريب ومخيف.
ركبنا الميكروباص، وفي السكة بدأت نقط مطر خفيفة تنزل. ميار بصت من الشباك وقالت يلا نرجع البيت بسرعة النهاردة يا ماما عشان نلحق قبل المطر ما يقلب. أنا وافقتها وهزيت دماغي، بس الكلمتين اللي كانوا عمالين يخبطوا في نفوخي ويرنوا جوة ودني هما اهربي… اهربي.

أول ما وصلنا البيت ودخلنا من الباب، ميار جِريت على المطبخ تعمل حاجة دافية، وأنا انتهزت الفرصة وطلعت أوضتي علطول وقفلت الباب عليا بالمفتاح من جوة. طلعت الورقة من جيبي وفتحتها تاني؛ الحبر كان سايح ومفرش شوية، وكأن إيد نرمين كانت بتتفاض من الرعب وهي بتكتبها. قعدت على السرير وأفكاري تودي وتجيبليه نرمين تعمل كده وتخاطر بوظيفتها ومستقبلها عشان تحذرني؟ هي مجرد موظفة بنك، إيه اللي يجبرها على المخاطرة دي؟ وإذا كان فيه خطر بجد… الخطر ده جاي من مين بالظبط؟
على العصر كده، تليفوني رن وكان ابني أحمد. قال لي بصوت كله تعب وهمّ يا أمي، أنا حركتي هتتأخر في الموقع النهاردة ومش هعرف أجي. اتكلمت معاه عادي جداً ومبينتلوش أي حاجة، بس ولا لحظة غاب عن بالي إني مرعوبة. أول ما قفلت مع أحمد، لقيت الباب بيخبط وميار دخلت الأوضة. كان وشها مخطوف وفيه قلق مش طبيعي، قعدت على كرسي قصادي وقالت لي بصوت واطي مواخِذة يا ماما… متؤاخذنيش في السؤال اللي هسألهولك ده. بصيت لها وقلت لها اسألي يا ميار، خير؟
قربت الكرسي وقالت هو حساباتك والشهادات اللي في البنك… كلها تمام وفي أمان؟
قلبي سقط في رجلي، وقلت لها بنبرة جافة ليه بتسألي؟
نزلت عينيها في الأرض وقالت بتلعثم لأ… أبداً، بسأل عادي يعني للاطمئنان. في اللحظة دي، اتأكدت مليون في المية إن تحذير نرمين والورقة اللي كتبتها مكنتش من فراغ، وإن فيه مصيبة

بتتدبر.
وعلى المغرب، المطر شد وبقى رعد وبرق والدنيا ضلمت خالص والنور قطع في المنطقة كلها. ميار خرجت وقالت أنا هانزل تحت أبص على لوحة المفاتيح والعداد أشوف ماله. أول ما نزلت، أنا قمت بسرعة البرق، جبت شنطة يد صغيرة، ولميت فيها الورق المهم، ودهبي، والفلوس اللي سحبتها وكل قرش في البيت. إيديا كانت بترتعش، بس عقلي كان في قمة صفاءهلو عاوزة أهرب بجد، يبقى هي دي الفرصة والوقت الصح. وفجأة، جه صوت ميار من تحت وهي بتصرخ بهلع ماما! انزلي بسرعة، فيه حاجة غريبة برة!
اتسمرت في مكاني، وعقلي انقسم نصين؛ صوت بيقولي ثقي فيها وانزلي، وصوت تاني بيصرخ في ودني ويقولي اهربي فوراً!
نزلت السلم براحة وأنا ماسكة الشنطة جامد. لقيت ميار واقفة جنب لوحة الكهرباء ووشها أصفر زي الليمونة. في نفس اللحظة، خبط رزع قوي وعنيف بدأ على باب البيت. ميار اتخضت وقالت بصوت مرعوب مين اللي هيجي في المطر والضلمة دي؟
قلت لها بصوت واطي وحاسم م تفتحيش الباب. بس قبل ما نتحرك، جه صوت جهوري من برة بيقول افتحي… المباحث!
قلبي اتقبض، وميار جريت وفتحت الباب. دخل راجلين، واحد لابس بدلة ميري ظابط شرطة والتاني لابس هدوم مدني. الراجل اللي باللبس الميري بصلنا وقال بحدة الحاجة كامليا؟ معانا أمر نستجوبك في كام سؤال. سألته بجمود سؤال بخصوص إيه؟
الراجل اللي بالمدني ابتسم ابتسامة صفرا وعينيه كانت باردة

وشريرة وقال بخصوص حركات السحب والمعاملات المالية بتاعة حسابك في البنك.
في الثانية دي، افتكرت نرمين علطول وعرفت اللعبة. قلت لهم بثبات تعالوا بكرة، الدنيا ليل ومطر زي ما أنتوا شايفين. الظابط كمل وقال بنبرة تهديد الموضوع مهم وميتأجلش للصبح، لازم تيجي معانا حالاً. بصيت على ميار، كانت واقفة ساكتة تماماً، مكنش على وشها خوف… كان فيه حاجة تانية أبشع، كان فيه نظرة ذنب وانكسار وعار. بصيت في عينيها مباشرة وقلت لها ميار؟ أنتِ ليكِ يد في ده؟
هربت بعينيها مني ومقدرتش تبص في وشي. الحقيقة المرة كانت واضحة وصريحة في الجو. الراجل المدني قال فيه بلاغ كبير وشكوى تزوير ونصب مالي باسمك، ولازم تتفضلي معانا على القسم. سألته ومين اللي مقدم البلاغ ده؟
رد وقال ببرود أهلك… ناس من عيلتك هما اللي مبلغين.
الأرض لفت بيا ومبقتش حاسة برجلي. أهلي وعيلتي؟ كررت الكلمة وأنا مش مصدقة. وفجأة، ميارانهارت وفضلت تعيط بحرقة وتصرخ سامحيني يا ماما… غصب عني والله، كنت مجبورة!
الراجل المدني وقف وبص لها بنظرة لوم عشان سكتت، وميار بدأت تتكلم وهي بتشهق من العياط؛ كشفت إن أحمد ابني لبس في حيطة ودخل في مشروع مقاولات فاشل وخسر فيه كل حاجة من كام شهر، والديون ركبت فوق دماغه من كل حتةقروض من البنوك، ووصولات أمانة لناس برة، والدائنين كانوا هيحبسوه. ميار كملت

وهي بتمسح دموعها لو مكنتش استخدمت حسابك وبيتكم كضمانة عشان نسد وننقذ أحمد، كانوا هيسجنوه ويضيع مستقبله… أنا قلت لنفسي هنصفي الأمور ونرجع كل حاجة بعدين من غير ما تحسي.
في اللحظة دي، حسيت إن فيه حاجة انكسرت جوايا ومستحيل تتصلح؛ الثقة، صلة الرحم، وكل حاجة حلوة. وفجأة، وسط الهيصة دي، الخبط رجع تاني على الباب وبقوة أكبر شرطة! افتحوا الباب فوراً!
المرة دي الصوت كان مختلف تماماً وله هيبة تانية. الراجلين اللي واقفين جوة الميري والمدني وشهم جاب ألوان واترعبوا. الراجل المدني زعق اخلصي هاتي الشنطة وتعالي معانا بسرعة من الباب الوراني!
لكن الباب اتكسر ودخلت قوة من الشرطة الحقيقية، ومعاهم مين؟ نرمين موظفة البنك؛ كانت متبهدلة من المطر، بتنهج وبتعيط، وأول ما دخلت شاورت عليهم وقالت للظابط الحقيقي هما دول يا فندم! دول تشكيل عصابي ونصابين، ودول اللي هددوني في البنك الصبح وغصبوا عليا أعمل عملية السحب!
كل حاجة اتقلبت في ثواني؛ النصابين اللي عاملين نفسهم شرطة حاولوا يجروا ويهربوا، بس رجال الشرطة الحقيقيين حاصروهم وكلبشوهم في مكانهم.
وفي قسم الشرطة، كل الخيوط اتكشفت وبانت الحقيقة كاملة. أحمد ابني فعلاً كان مديون، بس عمره ما فكر ولا رضي إن أمه تتأذى أو يتنصب عليها عشان ينقذ نفسه. الحقيقة إن عيلة ميار أبوها وأخوها هما اللي كانوا

طمعانين في بيتي وتحويشة عمري من زمان، ولما عرفوا بأزمة أحمد، استغلوا الموقف وضغطوا على ميار وهددوها، وهما اللي خططوا وجابوا ناس من برا يعملوا اللعبة دي والشرطة المزيفة عشان يقلبوني في الفلوس والبيت ويجبروني أمضي على بيع وشراء تحت التهديد. وميار ضعفت وكسرها الضغط والتهديد من أهلها.
أحمد أول ما عرف باللي حصل، ساب الموقع وجِري في نص الليل على القسم، اترمى في حضني وهو بيبكي زي الأطفال ويقولي سامحيني يا أمي… أنا مش عاوز فلوس ولا عاوز أي حاجة، أهم حاجة أنتِ تكوني بخير وفي أمان.
بعد كام شهر، الهدوء رجع للبيت تاني. ميار اعتذرت لي وطلبت السماح، وقاطعت أهلها تماماً وقصت علاقتها بيهم بعد اللي عملوه. وأحمد باع عربيته وحتة أرض صغيرة كان شاريها عشان يسدد ديونه، وبدأ في شغل جديد والحمد لله أموره بدأت تتظبط. أنا من ناحيتي شلت جزء من تحويشتي وشيلتهاله للزمن، بس المرة دي كل حاجة كانت باسمي وتحت عيني وبشروطي أنا. والبنك عمل تكريم كبير لنرمين على شجاعتها وأمانتها.
وأنا خرجت من التجربة دي بدرس عمري ما هنساه؛ ساعات صلة الدم وقرايبك يعميهم الطمع، والشهامة والجدعنة والحق تلاقيهم عند ناس غُرب ميعرفوكش. ثق في الناس… بس أوعى تغمض عينيك. ولما الزمان يكتب لك في داري وعلى غفلة كلمة اهرب… اتعلم تقراها بسرعة، لأن الكلمة دي هي اللي

ممكن تنقذ حياتك.

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *