احتفلت عائلتي بعد أن باع أخي منزلي. ثم انقلب كل شيء رأسًا على عقب.

ريحة أوضة السفرة كانت قالبة بالعيش اللي مدهون زبدة وبيرة وكريمة التورتة بتاعة السوبر ماركت، واللمبة اللي في السقف كانت مخلية كل شوكة بتلمع وكأنها سلاح حاد.

أنا كنت لسه بلبسي وبالمعطف بتاعي. شنطتي مش جنبي، ومفاتحي مش في إيدي. الحاجه الوحيدة اللي دخلت بيها الأوضة دي كانت السكوت. جيك كان قاعد على كرسي بابا المريح، وبيتكلّم وهو مبتسم وكأنه أنقذ شرف العيلة: “بعتي بيتك الصغير بـ 300 ألف! بصراحة يا سارة، المفروض تحمدي ربنا وترتاحي”.

الأوضة كلها اتقلبت تسقيف. ماما خبطت بإيديها الاتنين على صدرها من الفرحة، وبابا هز راسه بالموافقة كعادته لما جيك بيتكلم، وكأن أي كلمة بيقولها جيك متراجع عليها وموافق عليها من قبل كده، وثقة عمياء من غير أي تفكير. كان فيه يافطة تهنئة صفراء ممسوكة فوق الدفاية، واسم جيك مكتوب على تورتة كبيرة بالكريمة الزرقاء: “عاش يا جيك!”.. وعلامة التعجب كانت مايلة شوية، زي ما بتطلع لما إيد حد بتتحرك بسرعة أسرع من ثقته في نفسه. كنت واقفة على الباب بالظبط.

ماما جريت عليا وحضنتني وكأني جيت متأخرة على حفلة المفروض أكون ممنونة ليها، وهمست في ودني: “احنا فخورين بأخوكي أوي، لمّ الدور وكل حاجة في هدوء تام”. جيك رفع كاس البيرة وقال: “كان لازم حد يدخل ويتصرف”. شوية من ولاد عمي ضحكوا، وعمتي بصتلي بصه كلها حنية وشفقة، الشفقة اللي بتبان في عيون الناس لطفل كسر حاجة غالية. بابا تنحنح وقال: “يا بنتي، شيل البيت مسؤولية كبيرة، وجيك اتصرف قبل ما الأمور تبوظ أكتر من كده”.

سألتهم: “أمور إيه اللي تبوظ؟” الجو في الأوضة هدي فجأة بعد السؤال ده. ابتسامة جيك اتغيرت حاجة بسيطة: “الأقساط.. الإنذارات.. الحجز على البيت. ما تعمليش نفسك مش عارفة”. الساعة كانت 7:18 بالليل، وموبايلي رن في جيبي للمرة الرابعة. رسالة مشفرة، مكالمة فائتة، ورسالة تانية. مبصيتش للموبايل، فضلت باصة للملف اللي كان محطوط على حِجر جيك.

الورق كان تخين، نضيف، ومترتب بدقة تخنق. توكيل رسمي، نقل ملكية، موافقة المشتري، وخطاب السداد. الصفحة الأولى عليها لوجو مصلحة الشهر العقاري، وتاريخ البيع، وإمضاء شبه إمضائي بالظبط.. شبهه لدرجة تخلي أي حد ميعرفش إمضائي الأصلي يتخدع فيه. قلتله: “أنت بعت بيتي؟” خبط على الملف وقال: “أنا أنقذتك من الورطة دي. توكيل، نقل ملكية، وكل حاجة قانوني وزي الألف”. ماما لمست كمّي وقالت: “يا سارة، يمكن نسيتي.. أنتِ كنتِ تحت ضغط جامد قبل ما تسافري مأمورية الشغل اللي بره دي”.

هو ده السيناريو المعتاد.. جيك هو الراجل الحاسم اللي بيعرف يتصرف، وأنا البنت الحساسة اللي عواطفها بتحركها. جيك بيغلط بس صبور، وأنا بشتغل بس دايماً بقع في مشاكل. في عائلات مش بتغير التاريخ مرة واحدة، دي بتغيره جملة جملة، وعلى مدار السنين، لحد ما الكدبة بتبقى هي الحقيقة الوحيدة اللي الكل مصدقها.

لما اشتريت الشقة الأوضتين دي وأنا عندي 25 سنة، بعد 3 سنين تحويش من مرتب حكومي بسيط بس ثابت، قعدوا يسألوني: “أنتِ فاهمة يعني إيه مصاريف صيانة وسخان ومياه؟” ولما جيك اتأخر في دفع إيجاره وهو عنده 28 سنة، قالوا “معلش.. أزمة وتعدي”. ولما سافرت في مأمورية شغل تبع الحكومة بره البلد – قعدت 14 شهر، مأمورية منوعش نتكلم في تفاصيلها، من الشغل اللي بيخليكي تختفي عن حياتك بالطلب – اديت بابا وماما نسخة من المفتاح للطوارئ، ووصيتهم محدش يدخل إلا لو فيه كارثة. واضح إن جيك اعتبر الكارثة دي حجة. وقاعد دلوقتي في صالة بيت أهلنا، لابس جاكيت بدلة سبور مش مقاسه بالظبط، والكل بيمدح فيه عشان باع حاجة مش بتاعته أصلاً.

بابا حب يلطف الجو فقال: “قوليلها بقى على الحتة الحلوة”. وش جيك نور تاني: “المشترين جوز عرسان صغار وزي العسل، ده أول بيت ليهم وعجبهم المكان جداً. وأنا وفرت عليكي عمولة السمسار لأني لقيتهم بنفسي”. كررت كلامه: “لقيتهم بنفسك؟” قال بفخر: “دايفيد وميشيل باركر، ونقلوا حاجتهم خلاص. المفروض تبعتيلهم كارت تهنئة”.

حد ضحك تاني بس بصوت واطي، الضحكة اللي بتجرب لو كانت النكتة لسه بتضحك ولا لأ. مشيت ناحية البوفيه وحطيت موبايلي مقلوب جنب طبق بونبونير كريستال. الشاشة كانت عمالة تتهز على الخشب. رسائل ومكالمات من أسامي ما ينفعش أنطقها قدام قرايبي اللي فاكرين إني بقضي يومي في مكتب حكومي بملى استمارات. جيك شاور على التورتة: “طب مش هتقوليلي شكراً قبل ما الكريمة تسيح؟”

ابتسمت.. بس مكنتش ابتسامة صافية، وهو لقطها. قال: “في إيه؟” سألته: “أنت إزاي عرفت تقنع بنك التمويل العقاري يكلموك عن قرضي؟” هز كتافه: “قلتلهم إني أخوكي وخايف عليكي”. “وإدوك كشف حساب بمدفوعاتي؟” “أكدولي اللي محتاج أعرفه”. “اللي يخليك تبيع بيتي؟” بص لبابا وقال: “ما تقلبيلناش الترابيزة دلوقتي”.

سحبت الملف من على رجله قبل ما يلحق يمنعني. ريحة الحبر والورق كانت فاقعة. الإمضاء اللي تحت التوكيل كان مرسوم رسم، ناعم وواثق، بصراحة كان أحلى من إمضائي الحقيقي بكتير.. ناعم زيادة عن اللزوم. “أنت قلت إني مضيت على ده في مطبخي؟” “قبل ما تسافري بيوم”. قلتله: “أنا لميت حاجتي من مكتبي في الشغل عشان المأمورية اتقدمت 11 يوم وملحقتش أرجع البيت أصلاً، وطلعت على المطار عل طول. أنا مشوفتش مطبخي ده من 19 شهر”. جيك رمش ومطقش. ماما عثرت المنديل في إيديها، وبابا بطل يهز راسه.

قلبت الصفحة: إنذار بالطرد، وصل المحكمة، خطاب السداد.. ورق نضيف ومترتب، حتة تانية من قصة الكل صدقها عشان تطلعني عاجزة وتطلع جيك البطل الهمام. ده مش لبط، ده تزوير.. تمثيلية، نصاب بينصب باسم العيلة. قلتله: “أنت مكلمتنيش خالص”. “تليفونك كان غير متاح”. “أنت سبتلي 3 رسائل صوتية بتترق فيها على زرع الجنينة بتاعي!” “ده موضوع تاني”. “لأ مش موضوع تاني”.

السكوت اللي حل بعد كده كان تقيل أوي. الشوك اتسندت على الأطباق، وكاس النبيت وقف في الهوا قبل ما يوصل لبق ابن عمي. عمتي بحلقت في الكريمة الزرقاء وكأن اسم جيك بقى فجأة مكتوب بلغة مش مفهومة. صوت الموتور بتاع التلاجة ظهر فجأة من المطبخ، ومعلقة اتزحلقت ببطء على طبق صيني قبل ما حد يلحق يمسكها.

محدش اتحرك. للحظة، فكرت أشد الملف وأرمي الكدب المترتب ده كله يطير في الصالة. بس مسكت أول صفحة من طرفها واتكلمت بهدوء. الغضب العالي بيعمل دوشة، بس الغضب الحقيقي بيبقى هادي وصاحي. الموبايل رن تاني. جيك بص له وقال: “حالة طارئة في الشغل؟” سبته يرن.. مرة.. التانية.. وقلتله: “يمكن”. ماما قامت نص قومة: “سارة، عشان خاطري بلاش شوشرة، أخوكي كان فاكر إنه بيعمل الصح”.

بصيت لها لثواني طويلة. وقلت لها: “هي دي المشكلة دايماً.. هو يعك، والكل يسقف”. جيك وقف وهو ماسك الملف في إيد والبيرة في الإيد التانية ووشه مشدود: “الزمي حدودك”. الموبايل رن تاني وزهق على الخشب، فتحت السبيكر.

صوت الراجل اللي بيتكلم كان عالي ونهجته مسموعة لكل اللي في الأوضة قبل ما أرفع الموبايل لودني. سأل: “أستاذة سارة موريسون؟” “أيوة”. “أنا جيمس ويلر، محامي عائلة باركر اللي اشتروا البيت”. صوته اتهز وهو بيقول كلمة البيت: “هو ليه فيه بوليس ومباحث في مكتبي دلوقتي؟” جيك تجمد في مكانه. ملامح بابا اختفت. ماما قعدت تاني على الكرسي. ولأول مرة من أول السهرة، ابتسامة جيك اتمسحت تماماً.

عايزة أشرحلكم جيمس ويلر كان شايف إيه في اللحظة دي على الناحية التانية من الخط.. لأن الموضوع ده أنا بدأت فيه من 3 أسابيع، من اليوم اللي فتحت فيه إيميل الشغل المشفر بعد ما رجعت البلد وشوفت أول إنذار.. تنبيه آلي من خدمة مراقبة العقارات اللي كنت مفعلاها من سنين، ودي من العادات اللي بتتعلمها في شغلي: أوعى تثق إن الحاجة هتفضل زي ما سبتها. “تم رصد نشاط على العقار رقم 1147 شارع لاركسبور”. قعدت أبص للرسالة دي كتير وأنا قاعدة في مكتب استجواب مش هحكي تفاصيله، وجسمي مهدود من سفر المأمورية وفروق التوقيت، وبحاول أفهم إزاي بيتي فيه حركة وأنا الوحيدة اللي ليا حق قانوني عليه من 6 سنين!

الأيام اللي بعد كده مكنتش دراما زي قعدة العشا، كانت خطوات منظمة زي ما اتعلمت في شغلي. طلبت ملف البيع بالكامل من شركة العقارات ببياناتي الرسمية مش بالتوكيل المضروب بتاع جيك. وأخدت التوكيل وخليت خبيرة تزييف وتزوير خطوط أعرفها من الشغل اسمها “بريا أناند” تبص عليه. ست قضت عمرها تدرس التزوير اللي جيك عمله.. التزوير اللي بيبان واثق لأنه “منقول” مش مكتوب بطبيعية، كل حرف مرسوم بانسيابية مش طبيعية وكأن اللي بيمضي بينقل من ورقة تانية.

الإمضاء مكنش إمضائي، وبريا أكدت ده في يومين بناءً على تفاصيل دقيقة: سكتات القلم اللي مش طبيعية، والضغط على الورق اللي بيقول إنها منقولة من أصل. ورحت للموثق (الموظف) اللي ختم الورقة، ولما كلمتها قالتلي إنها معندهاش أي سجل لست اسمها سارة موريسون، ولما وصفتلها جيك، افتكرته وقالت بنرفزة إن الراجل ده دخل مكتبها وقال إنه من العيلة وبيخلص ورق أخته اللي مش قادرة تيجي بنفسها.

الست وثقت توكيل لواحدة مش موجودة بناءً على كلام راجل قالها “أنا معايا موافقة شفوية منها في التليفون”.. المكالمة دي مأصلتش، ولما طلبت كشف حساب خط التليفون، طلع خط من اللي بيترموا بعد الاستعمال، جيك اشتراه بـ 11 دولار من صيدلية قبل تاريخ التوكيل بـ 3 أيام.

كنت عملت محضر في البوليس الأسبوع اللي فات وأرفقت فيه كل الورق ده. وبلغت مصلحة الشهر العقاري إن البيع ده تزوير عشان يوقفوا التصرف فيه لحد ما التحقيق يخلص. وكنت على تواصل سري مع المحققة “ماريا أولسن” من مباحث الأموال العامة، اللي كانت بتطبخ القضية على نار هادية وبصبر، لأنها عارفة إن قضايا تزوير الأهل بتحتاج ورق مخريرش المية، عشان المحلفين – وأفراد العيلة – بيبقوا عايزين يصدقوا القصة المريحة والسهلة.

مقلتش لأي حد من العيلة. من 3 أسابيع، وأنا قاعدة في مكتب الاستجواب ده والتنبيه منور على شاشتي، قررت إني عايزة أشوف القصة هتتحكي إزاي قبل ما أصلحها. كنت عايزة أسمع بودني الرواية اللي العيلة ألفتها وهي بتقدمهالي بكل ثقة. وأهو جالي الرد الليلة دي، وأنا باكل العيش بالزبدة وبتفرج على تورتة أخويا الشاطر.

قلت في التليفون: “يا جيمس”، والأوضة كلها بتبصلي بسكوت غريب وكأنهم استوعبوا إن الموضوع أكبر من خناقة عائلية: “خليني أكلم المحققة لو عندك”. صوت شخشخة، وبعدين صوت جديد.. هادي، رسمي، صوت حد عمل الحكاية دي ألف مرة: “سارة، معاكي المحققة أولسن. احنا بنفذ أمر التفتيش دلوقتي زي ما اتفقنا، وعثرنا على ملف البيع والتوكيل الأصلي المزور. فريق الأدلة الجنائية هيراجع كل حاجة”. قلت لها: “شكراً ليكي”. سألتني: “أخوكي معاكي؟” بصيت لجيك، كان حط البيرة من إيده، والملف لسه في إيده، وطرف الصفحة اللي كنت شداها لسه بين صوابعه وهو مش حاسس. قلت لها: “أيوة، هنا”. “عايزة أتكلم معاه لو جاهز، وإلا هنتقابل في مكتب التحقيق رسمي”. مديت إيدي بالموبايل لأخويا. الصالة بقى فيها سكوت قاتل.. السكوت اللي بيجي لما الناس تبدأ تعيد حساب كل كلمة وكل تسقيفة في ليلة بدأت باحتفال.

جيك مأخدش التليفون. قال بصوت اتهز وفقد كل ثقته: “سارة.. أنتِ عملتي إيه؟” قلتله: “أنا معملتش حاجة. أنا رجعت من شغلي لقيت بيتي متباع بتوكيل مزور وإمضاء مضروبة. وثقت ده وبلغت عنه. ده مش ذنبي يا جيك، ده ذنبك أنت، وأنا كل اللي عملته إني كشفته”. بابا هو اللي لقى صوته الأول، وده فاجأني لأن بابا نادرًا ما يتكلم قبل ماما.

قال بصوت مكسور: “مزوّرة؟ جيك.. إزاي؟ مش ممكن.. أنت قلت إنها مضت بنفسها!” جيك بدأ يتلعثم: “أنا…” بابا كمل وزعق، والموافقة والرضا اللي كانوا ماليينه من ساعة اتقلبت لغضب، بس لاحظت إن غضبه كان عشان الكدبة اتكشفت وعملت فضيحة، مش عشان الكدبة نفسها: “أنت وقفت هنا وقلتلنا إنها مضت في مطبخها قبل ما تسافر! قلت إن معاك توكيل رسمي! وخليتنا نقول للعيلة كلها إن جيك شاطر واتصرف بمسؤولية!..” جيك قال: “يا بابا..” زعق بابا: “أنت زوّرت إمضاء أختك؟” السؤال فضل لافف في الأوضة مع ريحة الأكل، ولأول مرة الليلة دي، محدش عنده رد. لا ماما بطبعها اللي بتهدي النفوس، ولا جيك بثقته. السكوت طوّل لحد ما بقى هو الاعتراف.

جيك قال في الآخر: “كنت هديها الفلوس.. كلها.. في الآخر. أنا بس كنت محتاج لـ…” قاطعته: “محتاج لإيه؟” مردش. بس أنا كنت عارفة الرد، لأن رجالة المحققة أولسن لقوا الإجابة من أول ساعة في التحقيق من 3 أسابيع، لما خليتهم يدوروا الـ 300 ألف راحوا فين: جزء راح لسداد ديون بتلاحق جيك بسبب مشروع فاشل ملوش علاقة بيا، وجزء مقدم لعربية جديدة ظهرت في جراجه من 6 أسابيع قبل العشا ده، والباقي في حساب بنكي.. وطبعاً مدفعش ليا ولا مليم من الفلوس اللي كان بيحور ويقول إنه شايلها وعاينها ليا.

قلتله: “أنت مكنتش هتديني حاجة يا جيك. أنت دفعت بيها ديونك، وقعدت تألف للعيلة إنك أنقذتني من حجز وهمي، مع إني متأخرتش في دفع مليم واحد. أنا عندي كشوفات الدفع الآلي لـ 18 شهر بتثبت إن أقساط البنك مدفوعة في وقتها بالظبط طول ما أنا بره البلد”.

وش ماما هرب منه الدم، وقعدت على الكرسي وهي سانده إيديها على المفرش وكأنها بتثبت نفسها عشان الأرض متهتزش بيها. قالت بصوت واطي: “يعني مكنش فيه حجز؟” قلت لها: “لأ”. بابا بص لجيك بنظرة عمري ما شوفتها في عينه قبل كده لأبنه: “أنت قلت لنا إن البيت هيتحجز عليه في أي لحظة”.. مكنتش نظرة خيبة أمل وبس، دي كانت صدمة حد صدق كدبة لشهور وفجأة اكتشف إنها سراب.

قلت لبابا: “أنا راجعت دفاتر المحكمة والشهر العقاري بنفسي من 3 أسابيع أول ما جالي التنبيه. مفيش أي إنذار تأخير، ومفيش أي حجز. جيك اخترع الأزمة دي من ألفها لليائها، حتى الورق اللي في الملف ده اللي بيقول إنه إنذار.. البوليس بيفحصه دلوقتي عشان يطلع مضروب بنفس الطريقة”. بابا قال ببطء: “يعني ألف حكاية وهمية عشان يبرر بيع بيت مش بتاعه، بإمضاء مزورة، وأخد الفلوس لنفسه؟” قلتله: “أيوة”. الأوضة كانت هادية لدرجة مرعبة. عمتي قالت وهي بتبص لتورتة الكريمة الزرقاء بقرف وصدمة: “واحنا قعدنا نسقفله!”.. وكأن التورتة بقت دليل إدانة مخجل.

الشرطة خلصت تفتيش مكتب المحاماة الليلة دي، وعرفت التفاصيل بعد كده خلال التحقيق اللي قعد حوالي 4 شهور عشان يتأقفل تماماً. التحقيق أثبت كل اللي بريا قالته: التوكيل مزور ومنقول من ورق قديم كنت مضيت عليه زمان في موضوع تاني، والبيع باطل.

دايفيد وميشيل باركر – العرسان الصغار اللي جيك كان فخور بيهم – طلعوا ملهمش أي ذنب وغلابة. اشتروا البيت بحسن نية عن طريق شركة تأمين عقاري كان المفروض تكشف اللعبة دي بس مقصرتش. دفعوا شقا عمرهم وهم ميعرفوش إن البيع بنصب. الموضوع ده عمل لغبطة قانونية قعدت شهور في المحاكم، وفي الآخر البيع اتلغى، وعائلة باركر أخدت تعويض كامل من شركة التأمين (وده كان الشيء المفيد الوحيد في الليلة دي)، والبيت – بيتي – رجع لملكيّتي تاني بعد ما اتلغى العقد المزور.

جيك اتقدم للمحاكمة بتهم تزوير، ونصب، وسرقة بالخداع. القضية مشيت ببطء وجلسات، ودي تفاصيل قانونية مش مهمة، الأهم هو اللي حصل للعيلة في الشهور دي. ماما وبابا مكلمونيش لأسابيع بعد العشا ده، مش غضب مني، بس صدمة وشلل من إن القصة اللي عاشوا فيها شهور طلعت فشنك. لما ماما كلمتني بعد 6 أسابيع، صوتها مكنش فيه الحيوية بتاعت زمان. قالتلي: “كان لازم أسأل وأدور.. لما قالي البيت هيضيع، صدقته.. أنا دايماً بصدقه”. قلت لها: “عارفة”. قالت: “أنا مش عارفة هقول إيه للناس اللي بقالي شهرين بقولهم إن ابني أنقذ أخته. فيه ناس لسه فاكرة كده. مش عارفة أقول الحقيقة من غير ما أبان إني بدمر ابني”.

قلت لها: “مش لازم تشرحي للدنيا كلها مرة واحدة. كفاية تبطلي تقولي القصة الغلط، والباقي هيتصلح بالوقت”. بابا تعب أكتر من ماما.. مش عشان كان بيحب جيك أكتر، بس لأن دوره طول عمره في البيت إنه يوافق على كلام جيك من غير تفكير، عادة قديمة بقت زي حركة لا إرادية. وعشان يفوق منها كان لازم يراجع سنين طويلة من حياتنا، من قبل البيت والعشا ده بكثير.. يراجع كل مرة جيك أخد فيها عذره وأنا مأخدتش فيها غير التحذير واللوم. قال لي مرة واحنا قاعدين في بلكونة بيتي بعد ما رجع ليا، وبنشرب قهوة: “أنا مش عارف إزاي عميت عن كل ده.. مش بس الموضوع ده، كل حاجة. حكاية السخان.. فكرتنا الدائمة إنك هتعرفي تتصرفي لوحدك، وإنه هو اللي دايماً محتاج مساعدة”.

قلتله: “أنت مكنتش أعمى يا بابا، أنت اخترت متبصش. ودول حاجتين مختلفتين، بس أنا مقدرة إن الاعتراف بالثانية صعب”. مهزش راسه بالرفض.

في الآخر، جيك مضى على تسوية (إقرار بالذنب) عشان يرجع الفلوس كلها، وأخد حكم مع إيقاف التنفيذ لأنه معندوش سوابق، بس بقى عنده فيش وتشبيه فيه جناية تزوير هتفضّل ملاحقاه في أي شغل أو سفر أو تعامل مالي طول حياته. حضرت جلسة الحكم، ومبصليش خالص والقاضي بيقرا بنود الحكم. ومفهمناش بعض من ساعتها. ومعرفش هنتكلم تاني ولا لأ. مش هقفل الباب تماماً، لأن شغلي والسفر والمأموريات علموني إن الأبواب المقفولة مابتفضلش مقفولة عل طول. بس أنا مش مستعجلة أفتحه، وبطلت أحس بالذنب على صبري ده.

رجعت بيتي بعد 7 شهور من العشا ده، بعد ما كل الأوراق خلصت وعائلة باركر نقلت لبيت تاني بتعويضهم، وأتمنى ليهم من قلبي حياة أحسن من اللي شافوها في بيتي. المطبخ رجع زي ما كان قبل ما أسافر.. نفس البلاطة المكسورة جنب الحوض اللي بقالي سنين بقول هصلحها، ونفس الشباك اللي بيدخل شمس الصبح بزاوية بتخلي الأوضة كلها دهبي لمدة 40 دقيقة كل يوم في المواسم الصح. وقفت في المطبخ ده في أول صباح ليا، وكوباية القهوة في إيدي، واقعدت أفكر في الملف اللي كان على حِجر جيك، والإمضاء المرسومة، والتورتة اللي مكتوب عليها اسمه بالكريمة الزرقاء، والتسقيف اللي ملى الأوضة قبل ما حد يفكر يطرح سؤال واحد حقيقي.

في عائلات مش بتغير التاريخ مرة واحدة، بتغيره جملة جملة، وعلى مدار السنين، لحد ما الكدبة بيبقى ليها مكان محجوز على السفرة. بس الموضوع محتاجش غير مكالمة تليفون واحدة – “هو ليه فيه بوليس في مكتبي” – عشان كل العفش ده يتشال ويبان الحبل اللي كان رابط الأوضة دي كلها ببعضها. الحبل ده مكنش شطارة جيك ولا حسمه.. ده كان رغبة الباقيين إنهم ميفحصوش ويدوروا ورا كلامه. أنا دلوقتي ببص على كل حاجة ويدقق فيها.. دي مش عيشة مريحة أوي، بس عيشة صادقة. وأنا قررت إن الصدق أغلى بكتير من الراحة.

القهوة كانت طعمها حلو أوي في أول صباح ليا بعد الرجوع. والنور دخل من الشباك بالظبط زي ما كنت فاكراه. والبيت، في الآخر وبشكل كامل، بقى بيتي لوحدي.

النهاية

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *