روايه حلوه

يا ماما.. أنا مش عايزة أدخل هناك تاني أبداً.. الجملة دي بنتي بدأت تقولها لي كل يوم بالليل، بالظبط بعد ما اتجوزت للمرة الثانية. في الأول، كنت فاكرة الموضوع بسيط، مجرد دلع عيال من اللي كل أم بتسمعه مية مرة في اليوم وتعديه، ومكنتش قلقانة، بس الحقيقة طلعت أبشع بكتير من تخيلي. في الليلة الأولى اللي بدأ فيها الكابوس ده، الحنفية كانت مفتوحة والمياه بتنزل، وبخار السخونية مالي مراية الحمام، وصوت المواعين وهي بتتغسل في المطبخ ورايا هادي، والبيت كله ريحته صابون وفراخ بالبشاميل من أثر العشا اللي لسه واكلينه.. كل حاجة كانت هادية وطبيعية ومفيش أي حاجة تقلق، لحد ما ملك نطقت وقالت يا ماما.. بالله عليكي مش عايزة أدخل الحمام. ملك كان عندها ست سنين، عيلة شقية وبتحب اللعب وعنيدة بكل الطرق البريئة اللي الأطفال بيعاندوا بيها، كانت بتموت في اللعب بمياه الصابون والبطة اللعبة في البانيو، وبتحب تلف نفسها بالفوطة وتقعد تضحك وتعمل نفسها ملكة وأنا بسرح لها شعرها، عشان كده لما لفيت وشي وشوفتها واقفة في الطرقة وضامة إيديها على صدرها ومبرقة، ابتسمت تلقائي وقلت لها يلا يا حبيبتي عشان تتشطفي وتغيري هدومك.. الغريب إنها مجادلتش، ومبوزتش زي كل مرة، دي بدأت تعيط في صمت؛ عياط غريب مش بتاع طفل اتقال له لأ، مش عياط غضب ولا قمص، ده كان رعب، رعب حقيقي وباين في عينيها الصغيرة وهي واقفة برة باب الحمام ومتسمرة مكانها. قفلت الحنفية فوراً ونزلت على ركبي قدامها وسألتها في إيه يا ملك؟ مالك يا حبيبتي؟.. هزت رأسها بالرفض ودموعها نازلة وقالت بلاش يا ماما.. أرجوكي متمشينيش هناك. لو رجعت بالزمن، كنت هفهم إن اللحظة دي كان وراها مصيبة، بس المشاغل والهموم بتعمي العين لما تكون
الأم شايلة جبال فوق كتافها؛ أصل أنا من تمن شهور بالظبط اتجوزت تاني، بعد ما جوزي الأولاني وأبو بنتي توفى في حادثة شغل صعبة في موقع مقاولات، وقضيت تلات سنين بموت في اليوم مية مرة عشان أعدي بالبنت؛ شغل، ومصاريف، ومدرسة، وتوضيب لانش بوكس، وابتسامة مزيفة بضحكها قدام المدرسة عشان محدش يسألني مالك. لحد ما ظهر طارق في حياتنا؛ كان باين عليه راجل حنين، صبور، وابن حلال ويجيب الاعتماد عليه، من نوعية الرجالة اللي تحفظ البنت بتحب فطار إيه، ويدخل يصلح ضلفة الدولاب المكسورة من غير ما حد يطلب منه، حسيت ب أمان ودفء بعد سنين برد وخوف. عشان كده لما ملك بدأت تسكت ومبقتش تتكلم كتير بعد الجواز، قلت لنفسي عادي بكره تتعود، ولما بدأ يجيلها كوابيس بالليل، قلت تلاقيه من تغيير المكان، ولما بطلت تطلب تروح تلعب مع أصحابها وبقت ماشية ورايا في الشقة زي ضلي من دار لدار، قلت معلش.. بيت جديد، ونظام جديد، وراجل جديد دخل حياتنا وبقى في مقام أبوها، دي الحكاية اللي كنت بضحك بيها على نفسي وعلى كل اللي حواليا؛ صاحباتي، وأمي، وحتى دكتور الأطفال لما ملك رجعت تعمل حمام على نفسها بالليل تاني وهي نايمة، كنت بقول للدكتور هي بس لسه بتاخد على الجو الجديد وهتبقى كويسة يا دكتور. في الأول، كان موضوع الخوف وقت النوم ده بيحصل مرة أو مرتين في الأسبوع، بعدين بقى تلاتة، بعدين خمسة، لحد ما بقى كابوس يومي؛ اللحظة اللي بجيب فيها سيرة الحمام، جسم البنت كله كان بيتنفض، وشها يصفر، وإيديها تترعش، وساعات كانت بترجع بضهرها لآخر الطرقة وتستخبى في الركن كأني بطلب منها تدخل جوة نار قايدة. وفي ليلة، بعد يوم شغل طويل ومواصلات تقرف تزهق، فقدت أعصابي وزعقت وقلت جرى إيه يا ملك؟ بس بقى وجع دماغ.
. ده حمام وهي دقيقة وهننام!.. الكلمة مالحقتش تطلع من بوقي، ولقيت البنت صرخت صرخة رعب، صرخة وقفت الدم في عروقي، مكنتش صرخة عيل بيتأنب، دي كانت صرخة حد بيشوف الموت بعينيه، ركبها سابت ووقعت على سجاد الصالة وهي بتترعش بطريقة خلتني نسيت أتنفس، رميت نفسي جنبها وأنا مخضوضة وبقول ملك! في إيه؟.. البنت زقتني وبقت تبعد عن حضني وهي بتصرخ لأ لأ لأ.. بالله عليكي يا ماما بلاش.. قلت لها وخوف الدنيا في قلبي اتكلمي معايا يا حبيبتي قوليلي في إيه؟.. وادت وشها في الأرض وفضلت تبكي وتشهق لدرجة إن الهوا مكنش قادر يدخل صدرها. لثانية واحدة، حسيت بغضب ونار قايدة جوايا، وبعدين الغضب ده اتمسح وحل محله رعب؛ لأن الأطفال مبيعملوش كده من فراغ، في مصيبة حصلت، كنت حاسة بيها والجو حواليا فجأة بقى هادي ومرعب؛ صوت الموتور بتاع التلاجة، زقزقة الساعة اللي فوق باب المطبخ، صوت عربية معدية في الشارع من بعيد.. كل حاجة كانت بتقول إن في كارثة. قعدت جنبها ومسكت نفسي وفضلت مستنية، مرت دقائق طويلة كأنها سنين، لحد ما ملك رفعت رأسها، عينيها كانت حمرا ومغرقة دموع، وإيديها الصغيرة لسه بتترعش، وبصت لي نظرة تكسر القلب، نظرة عيل شايل سر أكبر من سنه بكتير، وقالت بصوت مكسور وهي بتهمس يا ماما.. هو قال لي إنك مش هتصدقيني لو قلتي لك.. جسمي كله تلم ولقيتني بتلج من كتر الصدمة، وسألتها برعب هو مين ده اللي قال لك كده؟.. ملك مابصتش ناحية الحمام، دي لفت عينيها وبصت وراه، بصت على باب أوضة النوم المقفول اللي في آخر الطرقة.. وفي اللحظة دي، الدنيا اسودت في عيني وعرفت إن الكارثة مكنتش جوة الحمام، الكارثة كانت في السكوت اللي أنا بقالي شهور ببرره وأقول عليه عادي، وإن طارق وراه سر أسود مكنتش
أتخيله!
يا ترى إيه السر المرعب اللي طارق مخبيه؟ وإيه اللي كان بيحصل في البيت من ورا الأم ومخلى البنت مرعوبة للدرجة دي؟ الحقيقة صدمة تهز القلوب ومحدش يتوقعها أبداً!
لو عاوزين تعرفوا باقي الكارثة الحقيقية وإيه اللي حصل لملك..
في اللحظة اللي ملك بصت فيها ناحية أوضة النوم، حسيت إن قلبي وقع في رجلي.
الدنيا كلها سكتت.
حتى صوت التلاجة اللي كان شغال من شوية، وصوت العربيات من الشارع، وصوت عقارب الساعة…
كل حاجة اختفت.
مبقاش فيه غير صوت شهقات بنتي الصغيرة.
قربت منها ومسكت إيديها المرتعشة بين إيديا.
وقلت بهدوء وأنا بحارب الرعب اللي جوايا
ملِك… محدش هيزعق لك. ومحدش هيأذيكي. قوليلي الحقيقة.
بصت لي ثواني طويلة.
ثواني كانت كأنها ساعات.
وبعدين قالت
طارق كان بيقفل باب الحمام عليا.
حسيت بصدري بيتقبض.
لكن كملت أسمع.
وكان يقولي متقوليش لماما.
بدأت دموعي تنزل من غير ما أحس.
وقالت وهي بتبكي
كل ما كنت أقول إني خايفة… كان يقولي إنك مش هتصدقيني.
في اللحظة دي فهمت حاجة مهمة جداً.
الخوف اللي كان جواها مش من الحمام نفسه.
الخوف كان من الذكرى المرتبطة بالمكان.
من الإحساس بالعجز.
من السر اللي كانت شايله لوحدها شهور.
حضنتها بقوة.
أقوى حضنة أخدتها مني في حياتها.
وفضلت أكرر
أنا مصدقاكي.
أنا مصدقاكي يا ملك.
ومش هسيب حد يزعلك تاني.
أول ما سمعت الجملة دي…
انهارت في البكاء.
كأن جبل كامل كان فوق صدرها واتشال.
في الليلة دي، ملك نامت في حضني.
وأما أنا…
فمغمضتش عيني دقيقة واحدة.
كنت قاعدة أبص للسقف وأراجع كل حاجة حصلت في الشهور اللي فاتت.
كل مرة قالت فيها إنها خايفة.
كل مرة رفضت تدخل الحمام.
كل مرة صحيت مفزوعة من النوم.
كل مرة بررت فيها تصرفاتها
وقلت لنفسي
هتتعود.
ولأول مرة…
سامحتش نفسي.





