جوزى مشغول

صړخ
إنتوا فين؟! رجعت البيت ومحدش موجود!
قلت بهدوء
إيه ده؟ الشغل خلص بدري؟ أصل كنت فاكرة إنك مشغول لحد الأحد.
صوته اتغير.
ندى أرجوكي خليني أشرح.
قلت
عارف أنا محتاجة إيه دلوقتي؟ جزمة كمان.
وبعدين ناولت الموبايل ليوسف.
وقلت
اتفضل كلم بابا.
يوسف أخد التليفون وقال بحماس
إزيك يا بابا؟ ماما اشترتلي أكبر ليجو في المحل. وقالت إنك هتدفع.
خدت الموبايل منه.
وابتسمت.
لأن كريم لسه ماكانش يعرف
إن اللي هيحصل بعد كده هيخليه يتمنى لو كان فعلًا راح الشغل يوم الجمعة.
رجعنا البيت بعد يوم طويل.
العيال طالعين بستين كيس.
وأول ما فتحت الباب لقيت كريم واقف في الصالة.
وشه شاحب.
وعينيه بتتنقل بين الأكياس وبين الكارت البنكي اللي كنت حطاه على الترابيزة.
قال
ندى… ممكن نتكلم؟
بصيت له.
أكيد.
لوحدنا.
يوسف رد قبل ما أتكلم
ليه؟
كريم اتوتر.
علشان دي حاجة بيني وبين مامتك.
يوسف عقد دراعيه.
وأنت لما كدبت عليها كانت حاجة بينكم برضه؟
الصمت وقع على البيت

كله.
كريم بص لابنه وكأنه اتلقى صڤعة.
وأنا لأول مرة لاحظت إن الأطفال بيسمعوا أكتر مما إحنا متخيلين.
كتير.
أوي.
بعد ما دخل العيال أوضهم.
قعد كريم قدامي.
وقال
أنا غلطت.
قلت
دي بداية كويسة.
بس الموضوع مش زي ما إنتِ فاكرة.
طيب وريّني النسخة الصح.
بلع ريقه.
وقال
كنت مع أصحابي.
سكت.
استنيت.
استنيت أكتر.
قال
بس.
رفعت حاجبي.
بس؟
آه.
يعني كذبت على مراتي وعيالي يومين كاملين علشان تقعد مع أصحابك؟
ما ردش.
لأن الحقيقة لما تتقال بصوت عالي بتبان سخيفة جدًا.
قمت من مكاني.
ورحت للمطبخ.
جبت ملف صغير.
وحطيته قدامه.
فتح الملف.
وبدأ يقرأ.
وبعدين رفع عينه بسرعة.
إيه ده؟
قلت
كشف حساب.
كشف حساب إيه؟
آخر خمس سنين.
وشه اتغير.
لأن الورق كان فيه كل حاجة.
كل مرة أجلت فيها شراء حاجة لنفسي.
كل مرة دفعت مصاريف زيادة للبيت.
كل مرة شيلت أزمة مالية لوحدي.
كل مرة قلت معلش.
وعدّيتها.
قلت بهدوء
عارف أنا اكتشفت إيه النهارده؟
سكت.
فكملت
إن المشكلة مش إنك

خرجت مع أصحابك.
أمال إيه؟
إنك حسيت إن الكدب أسهل من إنك تقول الحقيقة.
أول مرة كريم ما عرفش يرد.
وأول مرة أنا ما كنتش محتاجة أسمع رد أصلًا.
في الأيام اللي بعد كده حصل شيء أغرب.
كريم بقى يحاول.
يوصل العيال المدرسة.
يرجع بدري.
يساعد في البيت.
يقضي وقت أكتر مع أسرته.
لدرجة إن مريم سألتني
هو بابا عامل كده ليه؟
قلت
لأنه خاېف.
من إيه؟
ابتسمت.
إنه يخسر حاجة بدأ يفهم قيمتها متأخر.
بعد أسبوع تقريبًا.
كنت بنضف درج مكتبه.
لقيت ورقة مطوية.
ورقة قديمة.
عليها تاريخ من سنة كاملة.
فتحتها.
وكانت رسالة بخط كريم.
وقريت
أنا عارف إني مقصر مع ندى.
وعارف إنها شايلة البيت كله فوق كتافها.
كل يوم بقول هعوضها بكرة.
وبكرة بيتحول لأسبوع.
والأسبوع لشهر.
وخاېف أصحى في يوم ألاقيها بطلت تستناني.
وقفت مكاني.
وقريت السطر الأخير مرتين.
أكتر حاجة مرعباني مش إني أخسر بيتي…
لكن إني أخسر الست اللي بنت البيت ده.
قفلت الورقة ببطء.
وفهمت إن المشكلة أحيانًا

ما بتكونش في غياب الحب.
لكن في الاعتياد.
إن حد يفتكر إن وجودك مضمون مهما عمل.
وإنك هتسامح للأبد.
لحد ما يكتشف إن للصبر حدود.
وفي ليلة الخميس.
رجع كريم البيت.
وحط ظرف على الترابيزة.
قلت
إيه ده؟
قال
افتحيه.
فتحت الظرف.
ولقيت خطة لإجازة عائلية بسيطة ليا أنا والعيال.
ومعاها كارت صغير.
مكتوب فيه
المرة اللي فاتت أخدت يومين لنفسي وكذبت.
المرة دي باخد وقت علشان أقضيه معاكم بصدق.
بصيت له.
وسكت.
قال
بتوتر
عارف إن الثقة مش بترجع في يوم.
صح.
وعارف إن الاعتذار لوحده ما يكفيش.
صح.
بس أنا بحاول.
ابتسمت ابتسامة خفيفة.
وقلت
وأنا شايفة.
وفي تلك الليلة…
وأثناء ما كان يوسف بيبني الليجو العملاق في نص الصالة.
ومريم بتفرجنا على ألعابها الجديدة.
وكريم بيحاول يركب قطعة غلط للمرة العاشرة.
ضحكت.
ضحكة حقيقية المرة دي.
لأن العقاپ الحقيقي ما كانش الفلوس اللي اتصرفت.
ولا الأكياس اللي اتملت.
العقاپ الحقيقي كان إن كريم اضطر يبص في المراية أخيرًا.

..
ويشوف حجم الشرخ اللي سببه بنفسه.
أما أنا؟
فافتكرت حاجة كنت ناسيّاها من سنين.
إن الست اللي طول عمرها بتحط الكل قبلها…
من حقها أحيانًا تختار نفسها هي كمان.

الصفحة السابقة 1 2

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *