المحكمه كلها صمتت حكايات صافي هاني

المحكمة كلها صمتت فجأة لما القاضي سأل جوزي هل كنت تعرف إن مرتك هي صاحبة أغلبية الأسهم قانونيًا؟ وشّه خطفه الدم في ثانية. همس وهو مش مصدق مستحيل. حتى أمي وقفت وهي مخضوضة. كنت قاعدة بتفرج عليهم وهم بينهاروا بكل هدوء، لإن بعد سنين من التريقة، والإهمال، والمعاملة وكأني ولا حاجة… دي كانت اللحظة اللي فهموا فيها أخيرًا هم غدروا بمين.
المطر كان مغرق بالطويا وأنا واقفة قدام بوابة بيت أمي، وبنتي اللي عندها تلات سنين بتترعش بين إيديا. ورايا، كانت آخر رسالة من جوزي لسه قايدة نار في شاشة تليفوني ماترجعيش.. أنا خلاص زهقت من تمثيل الحب عليكي.
رغم كده خبطت.
أنوار الفيلا نورت، وأمي فتحت الباب موارب، يدوب تشوف عينيّ الورمانة من العياط والشنطة اللي جنبي. نظرتها نزلت لإيما الصغيرة وهي متشبثة برقبتي، وفجأة ملامحها حجرت.
قالت ببرود أنتِ فضحتي نفسك كفاية خلاص، ما تجرينيش لمشاكلك.
زوري اتخنق وقلت ماما… رايان فضى كل حساباتنا، ماليش مكان أروحه.
ذنبك.. عشان اتجوزتي واحد مش من توبنا.
الكلمتين وجعوني أكتر من
المطر التلج.
إيما عيطت براحة تيتا…
بس أمي رجعت لورا وكأننا وباء.
زعقت وقالت أنا حذرتك من سنين، أنتِ اختارتيه هو وفضلتيه على عيلتك، شيلي شيلتك بقى.
وراحت رزعة الباب في وشنا.
الصوت رن في عضمي.
فضلت واقفة كام ثانية ببص لشكلي على البوابة السودا اللامعة. ست مكسورة، الكحل سايح، شعري بيقّط مية، عيلة بتترعش.
بالظبط زي ما كلهم فاكريني.
ضعيفة.
أخدت إيما ورحت كافيه شغال 24 ساعة في آخر البلد. نامت على كتفي وأنا قاعدة في ركن، مبلمة في فنجان القهوة اللي مالمستوش قدامي.
في اللحظة دي تليفوني اتهز تاني.
مش رايان المرة دي.
رسالة من رقم مجهول أنا عارف جوزك سرق إيه، قابليني بكرة لو عايزة الدليل.
ومعاها صورة.
رايان بيبوس ست تانية جنب عربية مرسيدس سودا.
تاريخ الصورة من ست شهور فاتوا.
غمضت عيني براحة.
ست شهور.
بقالوا ست شهور بيفطر معايا وبيبتسم، وبيمسي على إيما في سريرها، ويبوس دماغي، وهو في السر بيفضي حسابات شركتنا وبيخطط يهرب.
وأمي كانت عارفة.
عشان العربية المرسيدس دي بتاعتها هي.
تاني يوم الصبح، وصلت للعنوان
اللي في الرسالة مكتب محاماة صغير وسط البلد. راجل شعره أبيض كان مستنيني جنب الشباك.
سألني بهدوء مدام كارتر؟
هزيت دماغي.
سلمني ملف تخين وقال والدك الله يرحمه هو اللي عينّي قبل ما يموت، وقالي أحميكي لو عيلتك في يوم قست عليكي.
نفسي انقطع.
جوه الملف كان فيه سجلات مالية، ووثائق أمانات، وعقود ملكية.
أبويا الله يرحمه ما نقلش الشركة كلها لأمي أبداً.
نصها قانونياً لسه بتاعي.
وماحدش كان يعرف.
المحامي العجوز عدل نظارته بحذر وقال جوزك وأمك بيبيعوا أصول الشركة من وراكي بطريقة غير قانونية بقالهم شهور، فاكرين إنك مش تملكي حاجة.
قشعريرة باردة مشيت في صدري.
مش خوف.
دي كانت قمة السندة والوضوح.
ولأول مرة من يوم ما رايان غدر بيا… ابتسمت.
همست وقلت رموني بدري أوي.
وفجأة، بقيت عارفة بالظبط القصة دي هتخلص إزاي.
دخلت قاعة المحكمة في اليوم الموعود وأنا حاطة رجل على رجل، وبمنتهى الهدوء سلمت المحامي بتاعي الملف الأسود. رايان وأمي كانوا قاعدين الناحية التانية، النظرة اللي في عينيهم كانت كلها شماتة وتكبر، والابتسامة
مش مفارقة وشوشهم، كانوا فاكرين إنهم جايين يخلصوا على اللي باقي مني وياخدوا حُكم يرميني بيه في الشارع أنا وبنتي.
المحامي بتاعي وقف وبدأ يتكلم، وبكل ثقة قدم المستندات والأوراق الرسمية للقاضي.
في لحظة، الهدوء عم المكان، والسكوت بقى سيد الموقف. القاضي قعد يقلب في الورق وعينيه بتتحرك بسرعة، وملامحه بدأت تتغير من الجدية للصدمة. بص لرايان فوق نظارته وسأله بنبرة هزت القاعة هل كنت تعرف إن مرتك هي صاحبة أغلبية الأسهم قانونيًا؟
الكلمة نزلت عليهم زي الصاعقة. رايان وشّه اتخطف والدم هرب منه في ثانية، وبقى يبص لأمي ويبص للمحامي بتاعي وهو مش مصدق، همس وشفايفه بتترعش مستحيل… ده مستحيل!
حتى أمي، ببرودها وجبروتها، وقفت فجأة من مكانها وهي مخضوضة ووشها جاب ألوان، وبقت تبص للورق وكأنها شايفه شبح.
أنا بقى، كنت قاعدة في مكاني بكل برود، بتفرج على منظرهم وهم بينهاروا قدام عيني. افتكرت ليلتها والمطر مغرقني، وافتكرت ركوعي قدام بابها، وافتكرت كسرة نفسي قدام بنتي. السنين اللي عشتها متهانة ومستضعفة ومضحوك عليا مرت
قدام عيني في ثواني… بس في اللحظة دي بالذات، في قاعة المحكمة دي، فهموا أخيرًا هم غدروا بمين، وعرفوا إن اللعبة انتهت، وبشروطي أنا.
القاضي خبط بالشاكوش خبطة رنت في ودن كل اللي قاعدين، وقال بصوت حازم بناءً على المستندات الرسمية المقدمة، المحكمة بتأمر بالتحفظ على كافة أصول الشركة، وتجميد الحسابات البنكية للمدعى عليهم فوراً، مع إحالة أوراق القضية للنيابة العامة للتحقيق في تهمة التزوير والاختلاس وبيدأ النفاذ من اللحظة دي.
رايان حط إيده على دماغه ورمى نفسه على الكرسي وكأنه ضُرب بالنار، وأمي بدأت تصرخ في المحامي بتاعها اعمل حاجة! قولتلك الورق ده مدفون ومحدش يعرف عنه حاجة! اتصرف! بس المحامي لم ورقه في شنطته وبص لها بقلة حيلة وقال الموضوع بره إيدي يا هانم، الورق ده عليه ختم الدولة وتوقيع جوزك المرحوم بنفسه.. إحنا كده بنغرق.
وقفت بكل شموخ، عدلت البالطو بتاعي، ومشيت بخطوات ثابتة وواثقة لغاية ما بقيت واقفة قصادهم بالظبط.
رايان بصلي وعينيه مليانة دموع ورعب، ومسك إيدي وقال بصوت متقطع أرجوكي يا
إيما.. أنا اتضحك عليا، أمك هي اللي وزتني، أنا عملت كل ده عشان نأمن مستقبل بنتنا.. سامحيني، أنا بحبك.
شلت إيده من عليا بمنتهى القرف، وبصيت له من فوق لتحت وقولتله أنا كمان كنت فاكرة نفسي بحبك، لحد ما شوفت صورتك جنب المرسيدس السودا.. والجميل في الموضوع، إن البوليس مستنيك بره عشان تهمة النصب، يعني مش هتشوف الشارع تاني قريب.
أمي كانت واقفة بتترعش، الكبرياء اللي كان عاميها اتمحى، وبقت تبصلي برجاء وقالت أنا أمك يا إيما.. لحمي ودمي، هتعملي فيا كده عشان الفلوس؟
ابتسمت بوجع وقولتلها الفلوس دي ورث أبويا اللي كنتوا عايزين تسرقوه، وأنا مبعملش فيكي حاجة.. أنا بس بنفذ كلامك.. مش أنتِ اللي قولتيلى ليلتها وأنا بموت من البرد شيلي شيلتك؟ أهو أنا دلوقتي بشيلك شيلتك يا هانم.. اشبعي بيها بقى.
سيبتهم وظهرت ضهري ليهم، وخرجت من باب القاعة وأنا سامعة صوت الكلبشات وهي بتقفل على إيدين رايان، وصراخ أمي وهي بتنهار ورايا.
طلعت بره المحكمة، الشمس كانت طالعة والجو دافي وصافي بعد
ليلة المطر الطويلة. تليفوني رن، كانت الدايه اللي قاعدة مع بنتي، فتحت الخط وسمعت صوت إيما الصغيرة وهي بتقول بضحكة خطفت قلبي مامي.. أنتِ جاية؟
دمعة نزلت من عيني، بس المرة دي كانت دمعة راحة وانتصار، أخدت نفس طويل وقولتلها آه يا قلب مامي، جاية.. وخلاص، مفيش حد يقدر يئذينا تاني أبدًا.
بعد ست شهور من اليوم ده، كل حاجة اتغيرت تماماً.
كنت قاعدة في مكتبي الجديد في الدور الأخير من برج الشركة، المكتب اللي كان بتاع أبويا الله يرحمه. الشمس كانت مالية الأوضة، والهدوء اللي حواليا كان هو السند الحقيقي اللي كنت محتاجاه. قدامي على المكتب كان فيه تقرير مالي نهائي بيكشف حجم المبالغ اللي رجعت لحسابي بعد ما المحكمة حكمت برد كل الأصول المنهوبة.
الباب خبط ودخل المحامي العجوز، الراجل اللي كان سبب في نجاتي بعد ربنا. ابتسم و حط ملف صغير قدامي وقال كله تمام يا مدام إيما.. الحكم بقى نهائي. رايان أخد حكم بسبع سنين سجن مشدد بتهمة التزوير والاختلاس، وأمك… نظراً لسنها وصحتها
اللي تدهورت، أخدت حكم مع إيقاف التنفيذ، بس الحجز على فيلتها وحساباتها اتنفذ، ودلوقتي عايشة في شقة إيجار صغيرة على قد معاشها.
هزيت دماغي بهدوء. ماحستش بشماتة، حسيت بس بنوع من السلام. العدالة أحياناً بتبقى باردة، بس بتوصل في وقتها بالظبط.
شكَرت المحامي، ولميت حاجتي وقررت أقفل المكتب بدري النهاردة.
نزلت ركبت عربيتي، ورحت على الحضانة بتاعة إيما. أول ما دخلت، لقتها بتجري عليا وفتحت دراعاتها وهي بتضحك. أخدتها وشميت ريحتها، وفي اللحظة دي افتكرت ليلة المطر والبرد، وافتكرت طردة أمي ورسالة رايان.
بصيت ل إيما وقولت لها تيجي نروح ناكل آيس كريم؟
صقفت بإيديها وفرحت وقالت آه يا مامي.. يلا!
وأنا سايقة وعيني عليها في المراية وهي بتغني وفرحانة، حسيت إن الرحلة الصعبة انتهت أخيرًا. الغدر كان وجعه كبير، بس عرفني أنا مين، وعرفني إن القوة مش في إنك ما تقعش.. القوة في إنك تقوم وتعرف تاخد حقك وتأمن اللي بتحبهم.
بصيت للطريق قدامي وأنا مبتسمة، ولأول مرة من سنين، كنت حاسة
بأمان حقيقي ملوش نهاية.





