طليـقة جـوزي ج 1 حكـايات مني السيد حصري

وافقت أستضيف طليقة جوزي اللي بټموت في بيتي وأخدمها برموش عيني، لحد ما شفتها بعيني الفجر نازلة بكعب عالي وبتركب معاه العربية كأنها عمرها ما شافت مرض في حياتها.
الجزء الأول
أنا مش طالب منك تحبيها، أنا بس بطلب منك منسيبهاش ټموت لوحدها ومحدش حواليها.
طارق قال لي الكلمتين دول يوم تلات، وهو واقف في مطبخ شقتي في التجمع. كنا متجوزين بقالنا 7 سنين؛ هو عنده ورشة صيانة لعربيات النقل والتوزيع، وأنا مسؤولة مشتريات لسلسلة دور مسنين معروفة. كنا متجوزين وكل واحد ذمته المالية منفصلة، والشقة دي كانت شقتي ومن حر مالي من قبل ما أتجوزه.
الست اللي كان بيتكلم عنها كانت دينا، طليقته.
عندها إيه؟ سألته بهدوء.
ورم في الغدد اللمفاوية ليمفوما، وجسمها مبقاش مستجيب للكيماوي خالص. وبتقول مش عايزة ترجع المستشفى تاني. وأختها عايشة في أسوان وعلاقتهم مقطوعة ببعض، ملهاش مخلوق يخدمها ولا يشيلها.
الفكرة مكنتش داخلة دماغي وبلعتها بصعوبة، بس مقدرتش أتخيل ست مريضة بټموت تقضي آخر أيامها في الدنيا لوحدها.
تقعد عندنا كام أسبوع.. بس عايزة أعرف كل اللي محتاجاه

علاجها، ممرضة تتابعها، أسطوانة أكسجين، أي حاجة تلزمها.
طارق حضنّي بارتياح كأنه انزاح من على قلبه جبل.
بعد يومين اتنين، دينا شرفت. كانت لافة طرحة نبيتي، لابسة نظارة شمس غامقة، ومعاها شنطة سفر صغيرة. كانت بتمشي خطوة لقدام وعشرة لورا وساندة بكل تقلها على طارق. جهزت لها الأوضة اللي في الدور الأرضي عشان متتعبش في طلوع السلالم.
طول أول شهر، حياتي اتقلبت. قبل ما أنزل الشغل أجهّز لها الفطار، وفي نص اليوم أسخن لها الشوربة وأكلها، ولما تقول دايخة ومش قادرة أقف أسندها لحد الحمام. طارق كان يرجع متأخر من الشغل، يسأل عنها وعاملة إيه، ويقعد جنبها خمس دقايق يطبطب عليها.
في يوم العصر، دينا بصت لي وقالت أنا مش عارفة أنتي بتعملي معايا كل ده إزاي.. أنا لو مكانك مكنتش هستحمل ولا هعمل ربع ده.
رديت عليها أنتي هنا مش عشان تقارني نفسك بيا، أنتي هنا عشان في كرب ومحتاجة مساعدة لوجه الله.
أول علامة استفهام ظهرت كانت بسبب شغلي. بحكم وظيفتي في رعاية كبار السن، فاهمة كويس يعني إيه حالات متأخرة ورعاية تلطيفية. في أوضة دينا، مكنش فيه روشتات جديدة، ولا مسكنات قوية زي المورفين،

ولا محاليل، ولا ممرضة بتعتب الباب. كل اللي موجود شوية بنادول، وفيتامينات، وأوميبرازول للمعدة، ونقط منومة خفيفة!
لما جيت أفتح الموضوع مع طارق اتعصب ونطر في الكلام بلاش تحقيق يا آية! الست قرفت من الدكاترة وجابت آخرها.
الإشارة التانية ظهرت بعدها بأسبوع.
طارق دخل عليا طالب مني أأكد من الأبلكيشن بتاع البنك تحويل ب 86 ألف جنيه.
ده علاج دينا جابته من برة المستشفى بمعرفتها.. وأول ما أقبض فلوس صيانة أسطول العربيات هرجعهم في الحساب فوراً.
الفلوس دي كانت هتطلع من حسابنا المشترك.
علاج إيه ده؟
حاجة مقوية ومناعة.. مش فاكر اسمه بصراحة.
طب ابعتلي الفاتورة أو الروشتة وأنا أراجعها وأحول.
ملامح وشه قلبت تماماً هو أنتي لازم تصعبي كل حاجة وتعملي حوار على مريضة بټموت؟!
مأكدتش التحويل ولا طلعت مليم. بالليل لقيته سدد المبلغ من حساب تاني.
بعدها بتلات أيام، سمعت دينا بتتكلم في الموبايل في الجنينة اللي ورا. كنت رايحة أوديلها شال تقيل عشان كانت بتشتكي إن عندها رعشة وسقعانة.
صوتها مكنش طالع من واحدة بټموت خالص.. صوتها كان يرن في المكان يا بنتي زهقت من دور العيانة

والمشية المكسحة دي! وضحكت ضحكة رنانة، وكملت طارق بيقولي استحملي بس لحد ما نخلص شغلانة وقبضة شهر أكتوبر، وبعدها هنخلع ونسافر كام يوم نروق.
أول ما خطيت ودخلت عليها، دينا سقطت كتافها في ثانية وحطت إيدها على صدرها وهي بتنهج حقك عليا.. نفسي اتكتم فجأة ومش قادرة أتنفس.
مردتش عليها بنص كلمة.
من اللحظة دي، بطلت أسمع اللي بيقولوه بلسانهم، وبدأت أراقب اللي بيعملوه على الأرض.
الحقيقة بانت في ليلة غبراء، وش الفجر.
الساعة 147 بالدقيقة، سمعت صوت باب الجراج الأوتوماتيك بيفتح. طارق مكنش جنبي على السرير.
اتسحبت وبصيت من شباك أوضة المكتب.
لقيت دينا خارجة.. شعرها مفرود ومستشور، لابسة بنطلون جينز أسود ضيق، وبلوزة حمراء شياكة، وكعب عالي ترن بيه في الشارع! بتمشي زي الغزال وبسرعة من غير ما تسند على الهوا. طارق كان مستنيها جوة العربية الجيب.
فتحت الباب وركبت جنبه، وقبل ما يدوس بنزين، شدت قميصه عليها وباسته بوسة طويلة.
مكنتش بوسة وداع ولا شفقة.
كانت بوسة اتنين متعودين على بعض وحافظين بعض صم.
العربية لما اتحركت وخرجت، لمحت حاجة بتلمع في الأرض جنب الباب.. كان حلق طويل من بتوع دينا واقع منها وهي بتركب.
تاني

يوم الصبح، دخلت عليا المطبخ وهي بتجر رجليها بالعافية وماسكة في الحيطة منمتش طول الليل.. حاسة إن حيلي مهدود وكل يوم صحتي بتنزل للأرض.
حطيت طبق الفطار قدامها على الرخامة.
ورميت فوقيه الحلق اللي بيلمع.
لون وشها خطڤ وبقت شبه الميتين بجد.. وطارق فنجان القهوة وقف في زوره ومبقاش عارف يبلع ريقه.
قلت ببرود تام غريبة أوي.. لقيته واقع برة جنب باب الجراج الساعة اتنين بالليل.
محدش فيهم نطق بحرف.
وأنا مسألتش ولا جبت سيرة البوسة.
لأني ساعتها استوعبت مصېبة أكبر بكتير.. الخېانة والۏساخة دي متفسرش الفلوس اللي بتتحول، ولا الجملة اللي سمعتها بودنها لحد ما نخلص سبوبة شهر أكتوبر.
في نفس الصبحية دي، فتحت كشف حساب البنك.. الحساب الشخصي بتاعي أنا، مش المشترك!
لقيت 4 تحويلات مسحوبة قريب تحت بند مصاريف علاجية ومراكز طبية.. تحويلات أنا عمري في حياتي ما وافقت عليها ولا شفتها.
الجزء الثاني
السكوت في المطبخ ساعتها مكنش سكوت عادي؛ كان عامل زي الهوا التقيل اللي بيسبق العاصفة، ريحة الخۏف طالعة منهم ومخلوطة بريحة القهوة المحروقة على البوتاجاز. الحلق الفضي الطويل كان مرمي وسط رغيف العيش السخن،

بيلمع تحت إضاءة الليد وكأنه حبل مشنقة ملفوف حوالين رقابهم.
طارق نزل فنجان القهوة على الرخامة بإيد بترتعش، الصوت بتاع خبطة الفخار بالرخام عمل رنة خلت دينا تتنفض في مكانها. بلع ريقه بصعوبة وقال وهو بيحاول يرسم ابتسامة باهتة ملهاش أي معنى تلقيه وقع منها أول مبارح وإحنا راجعين من مشوار التحاليل يا آية.. أنتي عارفة إنها بتدوخ وهي نازلة من العربية.
بصيت له في عينه مباشرة.. نظرة باردة، خالية من أي عتاب أو ڠضب، النظرة اللي بتخوف أكتر من الزعيق وتكسير الكوبايات. جايز.. بس غريبة، الحلق ده كان واقع فوق مدق الكاوتش، يعني لسه طازة ومعداش عليه ندى الفجر حتى. على العموم، ألف سلامة عليكي يا دينا، متتعبيش نفسك بالفطار، ارتاحي عشان جلسة العلاج بتاعة بالليل متتأخرش.
سيبتهم وخرجت. لا عيطت، ولا صړخت، ولا مسكت طارق من هدومه أقول له خڼتني ليه. الست لما بتتقهر من خېانة عاطفية بتصرخ، بس لما بتكتشف إن بيتها بيتداس عليه، وفلوسها بتتنهب، وشقا عمرها بيتاخد على عينك يا تاجر باسم الرحمة والإنسانية، مخها بيتحول لكمبيوتر بارد بيحسب كل مليم وكل خطوة بالمسطرة.
دخلت أوضة المكتب وقفلت الباب بالمفتاح

من جوة. قعدت على الكرسي الهيدروليك، وفتحت اللاب توب وإيدي مفيهاش هزة واحدة، بس قلبي كان بيدق في وداني زي طبلة حرب. فتحت كشف حساب البنك الأهلي بتاعي أنا.. الحساب اللي محوشة فيه مكافآت سنين وشقايا في الشغل، الحساب اللي طارق المفروض ملوش أي علاقة بيه ولا معاه توكيل عليه.
التحويلات كانت طالعة بالتواريخ والأرقام كأنها ضربات شوم على دماغي
تحويل يوم 12 سبتمبر 45 ألف جنيه لحساب باسم مركز الأمل للخدمات الطبية والرعاية التلطيفية.
تحويل يوم 22 سبتمبر 60 ألف جنيه لنفس المركز.
تحويل يوم 28 سبتمبر 50 ألف جنيه.
وأول مبارح، يوم 3 أكتوبر 75 ألف جنيه.
المجموع داخل في ربع مليون جنيه! اتسحبوا من حسابي في أقل من شهر! إزاي؟ وال OTP رمز التحقق اللي بييجي على الموبايل في كل معاملة ده بيروح فين؟!
رجعت بضهري لورا، وافتكرت.. طارق من شهر، تحديداً بعد أسبوع من دخول دينا البيت، جه قال لي يا آية موبايلك ده مهنج وبطاريته بتنفخ، والشركة منزلة تحديث للأمان هعملهولك على اللاب توب بتاعي بالمرة وأنا بنزل برامج الشغل. في اليوم ده أخد الموبايل فضل معاه تلات ساعات مقفول عليه في أوضته.. الندل عمل

ربط أو نزل برنامج تجسس ينسخ الرسايل، أو خد شريحة بديلة وسجل الحساب على أبلكيشن في تليفون تاني معاه!
غمضت عيني، حسيت بۏجع في صدري، ۏجع مش عشان بحبه، لأ، ۏجع الخيبة.. خيبة إنك تكتشف إنك كنت عايش سبع سنين مع بني آدم مريض، ذئب لابس قناع راجل طيب ومكافح وبيحبك.
مسكت الموبايل، وكلمت سارة، صاحبتي الوحيدة اللي بثق فيها عمى، وشغالة مراجعة حسابات في البنك المركزي وعلاقاتها في القطاع المصرفي قوية. ألو.. سارة، صباح الخير. أنتي في البنك؟ صباح النور يا يويو، أيوة لسه واصلة وبشرب القهوة، خير صوتك فيه حاجة مش مريحاني؟ محتاجة خدمة من بتوع رقبتي.. عايزة أعرف رقم حساب معين في بنك مصر، والشركة أو المركز اللي بيتحول له ده مين صحابه، ومين اللي بيسحب الفلوس من المكن أو الشباك. الموضوع حياة أو مۏت.
سارة حست بالجدية من نبرة صوتي ابعتيلي الأرقام وبيانات التحويلات على الواتساب حالا، وهنزل الإدارة في البريك أشوفلك الدنيا دي ماشية إزاي.. بس فهميني فيه إيه؟ هحكيلك يا سارة.. بس لما أجمع كل الورق في إيدي، عشان اللي في البيت عندي مش مجرد خېانة.. دي عصابة.
قفلت مع

سارة، وافتكرت الجملة اللي دينا قالتها في التليفون وضحكتها الملعۏنة بترن في وداني طارق بيقولي استحملي بس لحد ما نخلص شغلانة وقبضة شهر أكتوبر، وبعدها هنخلع ونسافر كام يوم نروق.
إيه هي بقى شغلانة أكتوبر؟! طارق ورشته ورشة صيانة عادية لعربيات النقل، صحيح ماسك شغل أسطول شركة أدوية كبيرة وعربيات توزيع مواد غذائية، بس الفلوس اللي بتدخل من الورشة معروفة، ومفيش فيها سبوبة بالملايين تخليه يخطط ينهبني ويخلع بيها!
نزلت الصالة تحت، لقيت دينا مش موجودة في المطبخ، دخلت أوضتها، وطارق مكنش في البيت، كان نزل من بدري كعادته يروح الورشة في الحرفيين.
وقفت قدام باب أوضة دينا المقفول.. مديت إيدي على الأكرة، كانت مقفولة بالمفتاح! من إمتى الأوض اللي في بيتي بتتقفل بالمفاتيح؟! بس طبعاً، دينا متعرفش إني محتفظة بالنسخ الاحتياطية لكل كوالين البيت في درج مكتبي فوق.
طلعت جبت النسخة، ونزلت بخطوات بطيئة، حطيت المفتاح ولَف بهدوء.. الباب فتح.
ريحة الأوضة مكنتش ريحة عيا ولا ديتول ومستشفيات، كانت ريحة برفان حريمي رخيص وفج، وريحة سجاير متوارية ببخور. الأوضة متروقة على السنجة

عشرة. السرير مش مكركب كعادة المرضى اللي مش قادرين يتحركوا. دخلت وقفلت الباب ورايا بالراحة.
بدأت أفتش. أول حاجة روحت للكومودينو.. العلب بتاعة الدوا كلها كانت موجودة أوميبرازول، باراسيتامول، وعلبة فيتامينات مستوردة. مسكت شريط البنادول.. الشريط متفرغ منه كبسولات، بس لما بصيت في الباسكت اللي جنب السرير، لقيت الكبسولات المفرغة مرمية جوة منديل في قاع الژبالة ومفتتة! الست حتى البنادول مكنتش بتبلعه! كل ده تمثيل عشان تحسسني إنها متبهدلة وبتسف دوا طول النهار.
فتحت الدولاب.. الشنطة الصغيرة اللي جات بيها كانت مفتوحة، وفي قعر الدولاب لقيت شنطة تانية هاندباج ماركة كبيرة مخبية ورا الهدوم، فتحت السوستة بتاعتها.. لقيت علب مكياج كاملة، باروكة تانية لونها كستنائي، وشوزات بكعب، وفساتين سواريه وخروج مش بتاعة واحدة مېتة ولا حتى عيانة بنزلة برد!
بس اللي وقف الډم في عروقي بجد.. كان ظرف بني كبير، مقفول بسلوتيب شفاف، ومحشور بين السرير والحيطة.
شديت الظرف وفتحته بحذر عشان ميبانش إنه اتلمس.
طلعت الورق.. مكنش ورق طبي، مكنش فيه روشتة واحدة باسم مستشفى سړطان ولا دكتور أورام! الورق كان عبارة عن
عقد بيع ابتدائي لقطعة أرض في مدينة بدر، المشتري فيه هو طارق عبد المنعم جوزي بالشراكة مع دينا جلال التوني الهانم العيانة.
إيصالات أمانة وشيكات بنكية مؤجلة الدفع بتاريخ 25 أكتوبر، يعني بعد تلات أسابيع بالظبط! الشيكات بمبالغ ضخمة جداً، كل شيك ب 400 ألف جنيه، بإجمالي 2 مليون جنيه، ومكتوبة باسم تاجر قطع غيار استيراد في بورسعيد!
والضړبة القاضية.. صورة بطاقتي الشخصية، وصورة عقد شقتي دي! الشقة التمليك اللي باسمي وورثتها عن والدي الله يرحمه في أرقى حتة في التجمع!
إيدي ارتعشت وأنا بقرأ العقد الملحق بصورة شقتي.. لقيت مسودة توكيل عام رسمي، معمول بالكمبيوتر ولسه مش متوثق، توكيل يبيح لطارق إنه يبيع الشقة دي لنفسه أو للغير، وياخد قروض بضمانها من البنوك وشركات التمويل العقاري!
فهمت كل حاجة.. الصورة اتجمعت في دماغي بوضوح مرعب كأن حد ضړبني بنور كشاف في عيني وسط الضلمة. دينا مش مريضة.. دينا رجعت عشان تكمل الخطة اللي طارق رسمها. طارق داخل في صفقة قطع غيار مهربة أو شحنة كبيرة في بورسعيد ومحتاج سيولة بالملايين في شهر أكتوبر، ومكنش عنده سكة يجيب بيها الفلوس دي غير إنه يمتص كل

مليم في حساباتي الشخصية، ويحط دينا في بيتي عشان تلهيني بحالة العيا والشفقة والخدمة، ومن ورايا يزور توكيل أو يخليني أوقع على ورق وسط معمعة أنا مش مركزة وبخدم مريضة بتطلع في الروح.
ده غير إن وجودها هنا كان غطاء ممتاز لكل غيابه وخروجه وسحبه للفلوس، ومفيش أي مليم بيتصرف على علاج.. ده كان بيتحول لحساب شركة واجهة عشان يتجمع ويدخل في صفقة الشيكات اللي مستحقة في آخر أكتوبر!
رجعت كل ورقة مكانها بالظبط بالملي، وقفلت الظرف بنفس السلوتيب، وحطيته ورا السرير، ورتبت هدوم الدولاب وخرجت، وقفلت الباب بالمفتاح زي ما كان.
طلعت شقتي فوق.. وقفت قدام المراية. بصيت لنفسي.. وشي كان شاحب، بس عيني كان فيها شرار. عايز تبيع شقتي يا طارق؟ عايز تنهبني عشان تبني مستقبلك مع الست اللي خونتني معاها وجايبها بيتي تذلني وأخدمها برمش عيني؟ ورحمة أبويا لأخليك تتمنى المۏت اللي كنت بتدعيه عليها وماتطولوش.
الساعة 12 الظهر، موبايلي رن. كانت سارة. ألو، آية.. أنتي فين؟ أنا في البيت يا سارة، قوليلي وصلتي لإيه؟ الموضوع طلع أوسخ مما تتخيلي. المركز الطبي اللي بيتحول له الفلوس ده اسمه الأمل، ده مش مركز

ولا مستشفى يا بنتي.. دي شركة وهمية مسجلة سجل تجاري بطايق ضړب، والمفوض بالسحب منها والمدير المالي ليها واحد اسمه إبراهيم جلال التوني.. أخو دينا! صړخت وأنا بكتم صوتي بالعافية. بالظبط.. والفلوس أول ما بتنزل في الحساب، بتتسحب كاش في نفس اليوم من فرع البنك في روض الڤرج، وبتتحط في حساب تاني مفتوح باسم طارق جوزك وباسم دينا مناصفة!
سارة سكتت ثانية، وبعدين كملت بقلق حقيقي آية، أنتي لازم تروحي القسم حالا تعملي محضر سړقة وڼصب، طارق ساحب الفلوس دي عن طريق تطبيق بنكي متفعل برقم تليفون متسجل باسمه هو، يعني التليفون التاني اللي رابط بيه حسابك، هو بيسرقك بالقانون وعامل ثغرة في السيستم!
لأ يا سارة.. قسم الشرطة والمحاضر دلوقتي هتخليه يعرف إني كشفته، هينكر ويقول دي كانت بتديني الفلوس بمزاجها، والفلوس اللي اتحولت هتطير ومش هعرف أثبت حاجة، والشيكات اللي معاه هتتسدد، وأنا اللي هطلع من المولد بلا حمص. أنا مش هروح القسم دلوقتي خالص. أومال هتعملي إيه يا مچنونة؟! دول مش سالكين، دول ممكن يإذوكي لو حسوا إنك عارفة! سيبيهم فاكرين إني المغفلة الهبلة

اللي بتصحى الصبح تطبخ شربة خضار لضرتها العيانة. شهر أكتوبر ده مش هيخلص زي ما هما عايزين.. هيخلص زي ما أنا هكتب النهاية بإيدي. محتاجة منك خدمة تانية يا سارة.. تعرفي حد مخلص وشاطر في الشهر العقاري؟ وحد بيفهم في مباحث الأموال العامة بس يكون تقيل ومبيخرجش منه الهوا؟ عندي ابن عمتي رائد في الأموال العامة.. وهخليه يتابع الموضوع ده على مية بيضا. بس أرجوكي، خدي بالك من نفسك ومتبينيش أي حاجة.
قفلت مع سارة، ونزلت المطبخ تاني.
وقفت وعملت حلة شوربة فراخ لسان عصفور، وحطيت عليها ليمون، وحطيتها في صينية شياكة، ونزلت خبطت على أوضة دينا. فتحت هي الباب بعد دقيقتين، وكانت لابسة الإسدال الواسع، ورابطة الطرحة النبيتي وميلت راسها كأنها دايخة معلش يا آية.. مسمعتكيش، كنت نايمة من الصداع.
ابتسمت لها ابتسامة حنينة أوي، ابتسامة أم بتطبطب على عيلها ولا يهمك يا حبيبتي، عاملك شوربة سخنة ترم عضمك.. أنتي وشك أصفر ومحتاجة تتغذي. تعالي اقعدي في الصالة وأنا هجيبلك الأكل لحد عندك.
دينا بصت لي بنظرة ارتياب، كانت بتحاول تدور في ملامحي عن أي أثر

للحوار بتاع الصبح والحلق، بس شافت وش بارد زي التلج مبيقولش أي حاجة. تسلم إيدك يا آية.. ربنا ما يحرمني منك ومن أصلك الطيب، طارق كان عنده حق لما قال إنك ملاك.
ضحكت في سري ضحكة مرار، ملاك مين يا روح أمك؟! الملاك ده هيقلب عزرائيل على دماغك أنتي وهو قريب أوي.
قعدت دينا تاكل الشوربة على ترابيزة السفرة، وأنا قعدت قصادها بتفرج عليها. كل معلقة كانت بتاكلها بتمثيل وبطء، وأنا عيني كانت على صوابع إيدها.. مفيهاش أي شحوب، ضوافرها متركبة شيلالك ولسه معمولة قريب، بس مدارياها بلون نود خفيف.
بقولك إيه يا دينا.. بدأت أتكلم بنبرة عفوية جداً. خير يا حبيبتي؟ طارق كان قايلي الصبح إن فيه ورقة تبع علاجك محتاجة إمضتي في الشهر العقاري عشان التكاليف تخش تبع مؤسسة خيرية أو حاجة زي كده.. هو مكلمكيش في الموضوع ده؟
المعلقة وقفت في إيد دينا، وعينيها برقت بلحظة طمع ولهفة ملقحقتش تداريها اه.. اه، باين قال حاجة زي كده، أصل العلاج الجديد مكلف أوي يا آية، وربنا يجعله في ميزان حسناتك، هو قالك هتروحوا إمتى؟
قالي يوم الخميس الجاي. قولتله ماشي، أنا

تحت أمركوا في

أي حاجة تفك كربكوا.. إحنا ملناش غير بعض في الشدة دي.
دينا اتنفست براحة وبانت على شفايفها ابتسامة نصر خفية.. كانت فاكرة إن الموضوع خلاص عدى، وإن السمكة بلعت الصنارة برجليها، وإن التوكيل بتاع الشقة هيتعمل يوم الخميس اللي جاي برضايا وتحت بند عمل الخير وعلاج المړيضة!
الساعة جت 7 بالليل، وطارق رجع من الورشة. دخل الشقة وشه كان مجهد، ولما شافني قاعدة مع دينا في الصالة والدنيا هادية، حس براحة غبية. قرب مني وباس راسي قدامها تسلم إيدك يا حبيبتي على اللي بتعمليه.. ربنا يعوضك خير.
بصيت له وابتسمت ويعوضك يا طارق.. يعوضك باللي تستاهله بالظبط على قد نيتك.
دخل يغير هدومه، ودخلت وراه الأوضة. طارق.. أنا فكرت في موضوع ال 86 ألف جنيه بتوع التحويل المشترك اللي اتكلمنا فيهم الصبح. لف وشه ليا وبصلي بترقب اه؟ مالهم؟ أنا موافقة أحولهملك بكرة الصبح، وموافقة كمان أروح معاك الشهر العقاري يوم الخميس نخلص الورق اللي

أنت محتاجه لدينا.. بس عندي شرط واحد صغير.
طارق لمعت عينيه وكأنه كسب ورقة يانصيب، مسك إيدي وباسها بنفاق مقزز أنتي تؤمري يا قلبي.. شرط إيه قولي بس؟
عايزة أزور الورشة بتاعتك بكرة بعد الضهر.. بقالي سنين معتبتهاش، وعايزة أشوف الأسطول الجديد بتاع شركة الأدوية اللي شغال فيه بنفسي، عشان لو محتاج توسع ولا نشتري معدات جديدة، أفك شهادة من شهاداتي في البنك وأحطها معاك في الشغل.. أصل الشغل أولى من الفلوس المركونة، ولا إيه رأيك؟
وش طارق اتخطف لثانية، الورشة دي هي الصندوق الأسود بتاعه، والمكان اللي فيه كل البلاوي.. بس الطمع كان عامي عينه لدرجة إنه ملقاش حجة يرفض بيها عرض بملايين جايله على طبق دهب!
تنوري يا روحي.. تنوري الورشة وصاحب الورشة. هعدي عليكي بكرة الساعة 2 ناكل لقمة برة ونروح نتفرج على الشغل سوا.
خرج طارق من الأوضة وهو حاسس إنه ملك الدنيا وإنه خلاص دخل في مرحلة الڼصبة الكبرى من غير ما حد يقف في

وشه.. وميعرفش إن الورشة دي هتكون هي المقپرة اللي ھيدفن فيها كل مخططاته.
مسكت الموبايل، وفتحت الشات بيني وبين سارة، وكتبت لها رسالة واحدة سارة.. بلغي ابن عمتك الرائد في الأموال العامة يجهز قوة بكرة الساعة 2 ونص الضهر.. العنوان ورشة النسر لصيانة الشاحنات في المنطقة الصناعية. ومحتاجة إذن نيابة سريع بتفتيش المخزن الخلفي بتاع قطع الغيار والورق المالي.. الصيد بكرة هيكون كبير، وطارق ودينا وأخوها هيتجابوا في قفص واحد.
قفلت الموبايل، وبصيت من الشباك على الجنينة تحت.. كانت دينا واقفة في الضلمة، پتدخن سېجارة سريعة وهي بتبص في تليفونها وبتضحك بخبث.
اتنسمت نفس طويل، وحطيت إيدي على خدي وأنا ببتسم في الضلمة.. لعبة القط والفار هتنتهي بكرة، بس السؤال اللي كان شاغل بالي وأنا بتفرج عليها هو طارق كان مخطط ينهبني بس ويطلقني، ولا كان ناوي يخلص مني خالص زي ما خلصوا من حساباتي عشان ميبقاش وراهم أي أثر ولا شاهد

على الچريمة دي؟! 

1 2الصفحة التالية

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *