عيد ميلاد إبن اخويا ج 2 و الاخير حكـايات مني السيد حصري

خرجنا من الأوضة والجو مسموم بالغل. أخو ياسمين قرب من طارق وابتسم بخبث وهو بيهمس بصوت واطي ومستفز العفش كله هيتفرش في المحكمة، وقايمة المنقولات ب 600 ألف جنيه، غير المؤخر، غير حبسك في الضرب يا طارق.. هتدفع تمن الحلق ده دم قلبك، وهتركع عشان نبقى نتنازل!.
أنا دمي غلي، وكنت لسه هرد عليه وأمسح بكرامته الأرض، بس طارق مسك إيدي وبص لأخوها في عينه بنظرة موت وقاله الحق مبيضيعش يا محروس، واللي بيبني بيته بالحرام والكدب، بيته بيقع على دماغه في الآخر.
رجعنا البيت، طارق كان مهدود بس دماغه شغالة. أستاذ عصام جه معانا يقعد مع أمي، والراجل طلب فنجان قهوة وبدأ يتكلم بعقلانية بصوا يا جماعة.. ق\ضية التبديد والضرب دي س\لاح ذو حدين. هما فاكرين نفسهم أذكياء، بس الغبي لما بيحب يحبكها، بيسيب وراه خيوط تفضحه. أول حاجة لازم نعملها، نشوف مين اللي شهد على خروجها إمبارح.
أمي رفعت إيدها وقالت فجأة يا بني… هو إحنا مش في الشارع بتاعنا ده في كاميرات؟.
الكلمة كانت زي النور اللي نور في أوضة ضلمة!
أنا ضربت على جبهتي يا خبر أبيض يا أمي! الكاميرات! محل السوبر ماركت اللي قصاد بيتنا على طول، والمدبغة اللي على أول الشارع!.
طارق اتعدل في قعدته كأن الروح ردت فيه أيوا! كاميرا عم جرجس بتاع الماركت جايبة بوابة العمارة كلها من فوق لتحت، بزاوية واضحة جداً!.
عصام المحامي ابتسم وضرب كف على كف الله ينور عليكي يا حاجة! دي لو جابتها وهي نازلة سليمة من غير ما حد يسندها ولا وشها فيه حاجة، التقرير الطبي ده هيتحول ضدها لجري\مة بلاغ كاذب وتزوير، والنيابة هتقل الموضوع عليهم جحيم!.
طارق مقعدش دقيقة، نزل جري على عم جرجس. عم جرجس راجل أصيل وجار عمر لأبويا الله يرحمه، أول ما طارق قاله، الراجل قفل دكانه وفتح جهاز التسجيلات من عنيا يا طارق، ده أنت ابني، وأنا عارف أصلك وفصلك، مش البت دي اللي هتتبلى عليك!.
قعدوا يرجعوا في التسجيلات بتاعة إمبارح بالليل… الساعة اتنين ودشر دقايق ظهر باب العمارة بيتفتح. خرج منه أبو ياسمين الأول وهو باصص في الأرض، ووراه ياسمين، بكامل صحتها، لابسة العباية السودة، شايلة الشنطة الكبيرة في إيدها الشمال، وماسكة بنتها الصغيرة بإيدها اليمين اللي بتدعي إنها مكسورة! كانت بتمشي طبيعي جداً، مفيش عرج، مفيش كدمات على وشها لأن نور عمود النور كان ضارب في وشها مباشرة، وأخوها وراها شايل شنطة تانية. وفوق كل ده، التسجيل جاب ياسمين وهي واقفة على أول الشارع مستنية تاكسي، وبتتكلم في التليفون وبتضحك باستهزاء لأخوها!
طارق فرغ الفيديو على فلاشة، بس المفاجأة الكبرى مكنتش في كاميرا عم جرجس بس!
الست اللي رنت عليا الصبح بالرقم الغريب… الست دي رنت تاني على تليفون البيت بعد الضهر!
أنا رديت عليها بسرعة ألو؟ مين معايا وليه بتعملي كده؟!.
الست قالت بنبرة فيها ندم وتردد أنا سحر… جارة أم ياسمين في الحارة اللي هما ساكنين فيها.
وعايزة إيه مننا يا سحر؟.
عايزة أخلص ذمتي قدام ربنا يا أختي… أنا لما كلمتك الصبح كنت فاكرة إن أخوكي مفتري زي ما هما قالوا في الحارة، بس لما شوفت اللي حصل الصبح على السطوح مقدرتش أنام من خوفي من ربنا.
سطوح إيه؟! فهميني!.
ياسمين وصلت بيت أمها الفجر سليمة مفيهاش خدش، وأخوها محروس وأمها فضلوا يسخنوها ويقولولها هنسيبه يطردك كده بشنطة هدومك وناخد إيه؟ محروس هو اللي أقنعها تعمل التقرير الطبي، وهو اللي جاب شفرة موس خفيفة وخربشلها دراعها، وخلاها تخبط راسها في الحيطة علشان تعمل كدمة زرقا تحت عينها، وراحوا لدكتور معرفة بياخد قرشين في المستشفى العام طلع لهم التقرير الملفق ده! أنا سمعت صريخها الصبح وشوفتهم بعيني وهما بيلفقوا الحكاية، والواد محروس عمال يقولها ده إحنا هنخرب بيته وناخد شقته، ضميري أنبني ومقدرتش أسكت.
الدنيا كلها وضحت وبانت. ربنا سبحانه وتعالى لما بيحب ينصر مظلوم، بيسوقله البراءة من وسط النار.
أستاذ عصام المحامي جمع كل الخيوط فلاشة الكاميرات اللي بتثبت خروجها سليمة تماماً في نفس وقت الواقعة المدعى بيها، وبيان تحركات تليفون طارق إنه كان في البيت تحت عند والدته ومخرجش وراهم، وشهادة الست سحر اللي وافقت تيجي تدلي بشهادتها رسمي قدام وكيل النيابة بعد ما طارق حلفلها إنه هيحميها من شرهم.
تاني يوم الصبح في سراي النيابة، كان المشهد لا يُنسى.
ياسمين وأهلها ومحاميهم كانوا قاعدين ومجهزين عريضة الدعوى ورافعين مناخيرهم في السما، فاكرين إن طارق جاي يعتذر ويبوس الأيادي عشان يتنازلوا عن محضر الضرب ويبعدوا شبح الحبس عنه.
دخلنا كلنا قدام وكيل النيابة. محامي ياسمين بدأ يتكلم بفصاحة مزيفة عن الزوجة المسكينة اللي اتعرضت للضرب والتعذيب والطرد مع أطفالها في عز البرد، وإن الزوج مبدد للأمانة وكسر عظامها.
وكيل النيابة بص لطارق إيه ردك يا طارق في الاتهامات دي؟.
عصام المحامي وقف بكل ثقة، وحط الفلاشة والمستندات على مكتب وكيل النيابة ردنا يا فندم في الفيديو ده، اللي مسجل بالوقت والتاريخ بالثانية، ومرفوع من كاميرات مراقبة رسمية لشارع عمومي.
وكيل النيابة شغل الفيديو على لابتوب المكتب.
الصمت خيّم على الأوضة… الفيديو كان واضح زي عين الشمس ياسمين طالعة من العمارة بكامل أناقتها وصحتها، بتشيل الشنطة التقيلة بإيدها المكسورة، وشها صافي مفيش فيه خدش ولا كدمة، والوقت المسجل في الفيديو كان الساعة 215 صباحاً، في حين إن التقرير الطبي مكتوب فيه إن الإصابات حصلت الساعة 130 صباحاً، وإنها كانت فاقدة للوعي وتم نقلها للمستشفى بالإسعاف!
وش ياسمين اتقلب زي الميتين. أخوها محروس بدأ يفرك في إيديه ويتلفت حواليه كأنه بيدور على باب يهرب منه. أمها فتحت بقها ومطلعتش كلمة.
وكيل النيابة رفع عينه من اللابتوب وبص لياسمين بنظرة حادة زي السيف إيه ده يا هانم؟ ده أنتي في الفيديو زي الحصان أهو وماسكة الشنطة بإيدك المكسورة؟! مين اللي عمل الإصابات دي؟ ومين الدكتور اللي مضى التقرير المزور ده؟.
ياسمين بدأت تترعش وتتلعثم يا.. يا باشا.. ده.. ده كان بعدين.. أصل…
مفيش أصل ومفيش فصل! وكيل النيابة خبط على المكتب بقوة ده بلاغ كاذب وتزوير في محررات رسمية واستعمال محرر مزور وافتراء على بريء! يا عسكري!.
العسكري دخل وضرب تعظيم سلام.
وكيل النيابة أمر بالتحفظ على ياسمين وأخوها محروس، وتحويل التقرير الطبي للطب الشرعي لإعادة توقيع الكشف الطبي وبيان كيفية حدوث الإصابات وتوقيتها، واستدعاء الطبيب اللي حرر التقرير للتحقيق معاه بتهمة التزوير!
ياسمين انفجرت في عياط هستيري، وقعت على الأرض عند رجلين طارق في مكتب النيابة قدام الكل أبوس إيدك يا طارق! اتصالح.. هتحبس أنا وأخويا! والله هما اللي ضحكوا عليا، والله أمي وأخويا هما اللي قالولي أعمل كده عشان نلوي دراعك وناخد قرشين! سامحني يا طارق عشان خاطر عيالك، مين هيربي فريدة ويوسف لو أنا اتسجنت؟!.
طارق رجع خطوة لورا، وبصلها بنظرة برود خالية من أي شفقة، نظرة راجل شال حبيبته من قلبه ورماها في الزبالة عيالي أنا اللي هربيهم، هربيهم بلقمة حلال وفي بيت نضيف ميعرفش الكدب ولا الغدر ولا الحرام. أنتي اللي حطيتي نفسك وأخوكي في الحبس، واللي يزرع شوك مبيجنيش غير الجراح.
ولف وشه لوكيل النيابة وقال بكل هدوء وثبات يا فندم، أنا برمي عليها يمين الطلاق قدام معاليك دلوقتي، وورقتها هتوصلها في الحبس مع المأذون، وحقي في بنتي وابني هاخده بالقانون وبحكم المحكمة، ومش هتنازل عن محضر البلاغ الكاذب والتزوير.
الصرخات والنواح بتاع أم ياسمين ملوا طرقة النيابة وهي بتلطم على وشها وبنتها وابنها بيتكلبشوا مع بعض ورايحين على الحجز. المحامي بتاعهم سابهم وانسحب من القض\ية بعد ما شاف الفضيحة والتزوير العيني.
خرجنا من باب المحكمة، كانت شمس الظهر طالعة دافية، الهوا كان نضيف ونقي كأننا كنا محبوسين في كابوس وخرجنا منه للدنيا الواسعة.
طارق أخد نفس عميق وطويل، حسيت بكتفيه اللي كانوا مشدودين بقالهم أيام بيهدوا، والهم التقيل اللي كان على صدره انزاح. ركبنا العربية ورجعنا على بيت أمي.
أول ما فتحنا الباب، لقينا أمي قاعدة على سجادة الصلاة، ماسكة سبحتها ودموعها بتنزل في صمت وبتدعي. أول ما شافت طارق داخل بابتسامة راضية ورافع راسه، رفعت إيديها الاتنين للسما وصرخت بفرحة الحمد لله! الحمد لله الذي نصر عبده وأعز جنده وهزم الأحزاب وحده! حقك رجع يا ضنايا؟.
طارق نزل على ركبه وحضن أمي حضن طويل، وباس راسها وإيديها ورجليها رجع يا أمي.. ربنا مبيسبش حق حد بيتقي الله. كيدهم اتقلب في نحورهم، وربنا نجدني من بيت كان هيخرب حياتي وديني ودنيتي.
أنا قعدت جنبهم ومسحت دموع الفرحة اللي نزلت من عيني شوفي يا أمي، سبحان الله، لو مكنتيش وقفتي في البلكونة وشوفتي إنهم داخلين من غير تورتة، مكنش طارق شك، ومكنش الدهب اتعرف إنه اتسرق، ومكنش الغدر ده كله اتكشف! لقمة التورتة اللي استكتروها عليكي كانت السبب في إن ربنا يرفع الغطا عن البير كله.
أمي ابتسمت ابتسامتها الحنينة وقالت بحكمة السنين يا بنتي، اللي يبص في لقمة أمه، ولا يستكتر الفرحة على أهل بيته، ربنا مبيباركلوش في عيشة. الأصول مبتتشريش بفلوس، والقلب الخبيث لازم يفضح نفسه مهما دارى وتخبى ورا المسكنة.
بعد أسبوعين من الواقعة دي، النيابة قررت إخلاء سبيل ياسمين بكفالة مالية على ذمة ق\ضية البلاغ الكاذب، مع استمرار حبس أخوها محروس بتهمة التحريض والمشاركة في التزوير. ياسمين رجعت بيت أبوها مكسورة، محنية الضهر، الشارع كله عرف حكايتها وفضيحتها، وبقت سيرتها على كل لسان بعد ما كانت بتتباهى بأصلها وعيلتها.
أما طارق، فرفع ق\ضية ضم لحضانة أولاده، وبما إن الأم عليها أحكام وقضايا مخلة بالشرف والأمانة، المحكمة حكمت بإن الحضانة تروح للجدة للأب.. يعني أمي!
وفي يوم جمعة مبارك، بعد شهرين من كل اللي حصل، البيت كان منور ومملي دفا. ريحة البخور كانت مالية الشقة، وصوت القرآن شغال في الراديو.
فريدة ويوسف الصغيرين كانوا بيجروا في الصالة ويضحكوا، يوسف ماسك العجلة الجديدة اللي أبوه كان جايبهاله، وفريدة لابسة حلق دهب جديد طارق اشتراهولها ولبسهولها في ودنها بإيده، وقالها ده من خير أبوكي يا حبيبة أبوكي، ومحدش في الدنيا يقدر يمد إيده عليه تاني.
أنا كنت في المطبخ بعمل صينية كيكة بالشوكولاتة كبيرة، وطلعت بيها على الصالة وحطيتها على التربيزة قدام أمي وطارق والولاد.
أمي بصت للكيكة وبصت لعيال ابنها وهما فرحانين وبيسقفوا، ضحكت من كل قلبها ووشها كان منور رضا ونور تسلم إيدك يا منى يا بنتي.. شوفي يا سبحان الله، الكيكة البيتية اللي معمولة بحب ورضا وبركة، أحسن وأطعم من مية تورتة معمولة بالغدر والسرقة والكبرياء.
طارق قطع أول خرطة، وحطها في طبق، وراح باس راس أمي وقدمهالها بإيده كلي يا أمي واتهني.. البيت ده بيتك، وعيال طارق هما عيالك، ومفيش لقمة هتدخل البيت ده من هنا ورايح إلا وإنتي راضية عنها ومباركاها.. إنتي الخير والبركة، ومن غير رضاكي ملناش في الدنيا دي عازة.
أمي أكلت اللقمة ودعت لأولادها، والصالة اتملت بضحكات الولاد ولمة العيلة الصافية اللي مفيهاش غل ولا نفاق.
ساعتها بس اتأكدت إن ربنا لما بيقفل باب مسموم في وش البني آدم، بيكون بيحميه، وبيفتحله بداله أبواب من راحة البال والس\كينة اللي متتقدرش بمال الدنيا.. وإن الحق، مهما طال عليه ليل الظلم والافتراء، لازم يشرق بنوره ويفضح العتمة، ويخلي كيد الخاينين في نحورهم، ويفضل بيت الأصول عامر برضا الوالدين واللقمة الحلال.
النهاية حكايات مني السيد حصري





