عيد ميلاد إبن اخويا ج 1 حكـايات مني السيد حصري

في الوقت ده، كان صوت الدوشة فوق هدي تماماً. وبعد حوالي نص ساعة، سمعنا صوت خطوات نازلة على السلم، مش خطوات ياسمين لوحدها.. خطوات كذا حد.
قومت براحة وبصيت من العين السحرية بتاعة الباب، لقيت أبو ياسمين، راجل كبير على المعاش، وشه في الأرض مش قادر يرفعه، ومعاه ياسمين شايلة شنطة هدومها وماسكة إيد بنتها فريدة وبتعيط، وأخوها الشاب اللي كان السبب في كل المصيبة دي ماشي وراهم وشه أصفر زي اللمونة، ومحدش فيهم نطق بحرف ولا حتى خبطوا على باب أمي يعتذروا أو يطيبوا خاطرها. نزلوا في صمت رهيب، كأنهم جنازة ماشية في هدوء الليل.
طارق نزل بعدها بدقائق. دخل شقة أمي، شكله كان متبهدل، عيونه غرقانة دموع وشنبه بيرتعش. أول ما دخل ركع قدام رجلين أمي ودفن راسه في حجرها وانفجر في العياط زي العيل الصغير كسرتني يا أمي.. كسرتني وضيعت تعبي.. كنت فاكر إني بنيت بيت وهي صانته، طلعت بتبني بيت أهلها على أنقاضي أنا وعيالي!.
أمي قعدت تطبطب على ضهره بحنان الدنيا كله، وتمسح على شعره يا بني ارفع راسك، متكسرش نفسك عشان حد، اللي يبيعك بيعه برخيص ومتبكيش عليه، ربنا نجدك وفضح المستور قبل ما العمر يفوت وأنت مغمى عينك.. المهم عندي صحتك وعيالك، العيال ملهمش ذنب في وساخة الكبار.
قعدنا الليل كله صاحيين، مفيش عين فينا غفلت. طارق حكى لنا إنه رجع بدري عشان يعمل هو مفاجأة لياسمين بمناسبة عيد ميلاد ابنهم، كان جايب للواد عجلة جديدة شايلها في شنطة العربية تحت، وأول ما طلع الشقة وفتح بالمفتاح على غفلة، لقى ياسمين وأخوها بيتخانقوا في الصالة بصوت واطي على فلوس تمن الحلق، وأخوها بيقولها اصبري عليا الجمعية هتتأخر أسبوعين، ومن هنا انفجر البركان وعِرف كل المستخبي اللي كانت مدارياه من سنين!
الصبح طلع علينا بنوره الهادي، والشمس دخلت من البلكونة، لكن جوة البيت كان في غيمة سودا تقيلة. طارق كان نايم على الكنبة بتعبه بعد ما أخد مهدئ، وأنا كنت قاعدة جنب أمي بنشرب شاي من غير نفس.
وفجأة.. تليفون البيت الأرضي رن رنة حادة قطعت سكون الصباح.
قومت بسرعة عشان ميرنش كتير ويصحي طارق. رفعت السماعة وقولت بصوت واطي ألو؟.
الصوت اللي رد مكنش صوت ياسمين، ولا صوت أبوها.. كان صوت ست تانية خالص، صوت غريب ومريب، نبرتها كانت خبيثة وبتتكلم بثقة غريبة صباح الخير يا ست هانم.. مش ده برضه بيت الأستاذ طارق فلان؟.
أيوا هو، مين حضرتك؟ سألتها وأنا حاسة بنغزة غريبة في صدري.
الست ضحكت ضحكة صفرا وقالت قولي للأستاذ طارق يلحق نفسه، لأن ياسمين هانم مش عند بيت أبوها زي ما هو فاكر.. الهانم دلوقتي في قسم الشرطة بتعمل فيه محضر ضرب وسرقة تبديد عفش، ومطلعة تقرير طبي بإصابات ملهاش أول من آخر.. ولو فاكرين إن الحكاية خلصت على حلق دهب وتورتة، تبقوا لسه متعرفوش ياسمين وعيلتها مخبيين إيه ورا ضهركم!.
الخط قطع في وشي.. وتوت توت توت كان الصوت الوحيد اللي بيتردد في وداني.
اتسمرت مكاني والسماعة وقعت من إيدي على السجادة، وبصيت لأمي اللي كانت قاعدة مستنية تعرف مين اللي بيتصل، وشفت طارق بيفتح عينيه وبيصحى من النوم على صوت خبطة السماعة…

الصفحة السابقة 1 2 3

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *