قعدت شهر كامل

لحد ما قالت
إنتِ متأكدة؟
رديت
أيوه.
ومش عايزة تصالحيه؟
هزيت راسي.
لأ.
ومش عايزة تطلبي منه حاجة؟
لأ.
حتى حقوقك؟
بصيتلها وقلت
أنا هاخد حقي بالقانون. مش أكتر من حقي.
ماكانش عندنا أولاد.
والشقة اللي اشتريناها بعد الجواز كانت باسمنا إحنا الاتنين.
فطلبت إن قيمة الشقة تتقسم بالنص، وكل واحد ياخد حساباته وحاجته وعربيته وممتلكاته الشخصية.
ماكنتش عايزة أنتقم.
ولا عايزة أذله.
أنا بس كنت عايزة أخرج من الجوازة دي وأنا عارفة إن ضميري مرتاح.
في نفس اليوم، رجعت الشقة اللي كنا عايشين فيها.
فتحت الدولاب.
بدأت ألم هدومي.
حطيت شهاداتي.
كتبي.
حاجتي الشخصية.
وكل اللي يخصني في شنطتين.
قبل ما أخرج، وقفت قدام ترابيزة السفرة.
طلعت دبلة جوازنا من إيدي.
حطيتها فوق تقرير خروجي من المستشفى.
وبصيتلها لثواني.
وبعدين مشيت.
نقلت على شقة صغيرة مفروشة في الدقي.
غيّرت رقم موبايلي.
وقفلت كل طرق التواصل المباشر بيني وبينه.
بعد حوالي أسبوعين
كان كريم واقف وسط مجموعة من الدكاترة والتمريض في المستشفى، بيحتفلوا بنجاح المشروع اللي كان مشغول بيه طول الشهر.
كان بيضحك.
وبيتكلم بثقة.
ومبسوط بالاهتمام اللي حواليه.
وفجأة
دخل موظف رسمي للقسم وهو ماسك ظرف.
وقف قدامه وقال
دكتور كريم محمود؟
كريم بصله.
أيوه.
مد له الظرف وقال
إعلان رسمي استلام شخصي لو سمحت.
كريم أخد الظرف قدام الموجودين.
فتحه.
قرأ أول سطر.
وبعدها السطر التاني.
وفجأة
الابتسامة اختفت من على وشه.
كان قدامه دعوى الطلاق.
بس اللي كريم ماكانش يعرفه
إن دعوى الطلاق نفسها ماكانتشي أسوأ حاجة مستنياه.
لأن كان فيه مستند تاني
مستند من ملف المستشفى
أنا لقيته قبل ما أخرج.
ومستند واحد بس
كان كفيل يقلب كل حاجة في حياته فوق وتحت.
وكريم؟
لسه ماكانش عنده أي فكرة أنا اكتشفت إيه.
كريم فضل واقف في نص المكان، والظرف في إيده.
الدكاترة اللي حواليه بدأوا يبصوا لبعض، خصوصًا بعد ما لاحظوا إن وشه اتغير فجأة.
واحد من زمايله قرب منه وقال
خير يا كريم؟
كريم ما ردش.
فضل باصص للورقة كأنه مستني الكلام المكتوب فيها يتغير.
لكن الكلمات كانت واضحة.
دعوى خلع مقدمة من زوجته، مريم أحمد.
رفع عينه ببطء وقال
هي عملت كده؟
الموظف رد بمنتهى الهدوء
حضرتك وقّع هنا باستلام الإعلان.
كريم مضى.
لكن قبل ما الموظف يمشي، سأله
هي فين دلوقتي؟
الموظف رد
ده مش من اختصاصي يا دكتور.
ومشي.
كريم حط الورقة على الترابيزة بعصبية.
واحد من الدكاترة قال
يمكن سوء تفاهم؟
كريم ضحك ضحكة قصيرة، بس مافيهاش أي فرحة.
سوء تفاهم؟
وبعدين سكت.
لأنه هو نفسه كان عارف إن مفيش سوء تفاهم.
هو اللي اختار مايروحش.
هو اللي شاف رسائلها وما ردش.
هو اللي كان بيضحك في الحفلات بينما مراته كانت في نفس المستشفى.
لكن اللي ماكانش يعرفه
إن مريم ما كانتش طالبة الطلاق بسبب غيابه بس.
في اليوم الأخير ليها في المستشفى، وهي بتراجع ملف خروجها، لقت حاجة غريبة.
كان فيه مستند مرفق في آخر الملف، بعنوان
مراجعة داخلية لملف الحالة.
في البداية افتكرته إجراء روتيني.
لكن أول ما قرأت أول سطر
اتجمدت.
الاسم مريم أحمد.
رقم الملف نفس رقم ملفها.
وتاريخ المراجعة كان بعد دخولها المستشفى بأيام قليلة.
المستند كان بيشير إلى إن فيه تعديل اتعمل على جزء من بيانات حالتها الطبية بعد دخولها العمليات.
مريم رجعت للتاريخ.
ولقت إن التعديل حصل في الساعة 217 بعد منتصف الليل.
في نفس الليلة اللي كانت فيها في العناية المركزة.
والأغرب؟
اسم المستخدم اللي دخل على النظام وعدّل البيانات كان
Dr. Karim Mahmoud.
مريم في اللحظة دي ما صدقتش نفسها.
كريم؟
ليه دخل على ملفها أصلًا؟
وليه عدّل حاجة فيه وهو مش الطبيب المسؤول عن حالتها؟
رجعت للصفحة اللي بعدها.
كان فيه تسجيل للنص القديم قبل التعديل.
وفي خانة التاريخ المړضي، كان مكتوب إن مريم عندها حساسية شديدة من نوع معين من المضادات الحيوية.
لكن بعد التعديل
اتشالت المعلومة.
مريم فضلت باصة للشاشة.
هي فعلًا كانت بتقول لكل دكتور دخل عليها إنها عندها حساسية من الدواء ده.
وكان اسم الحساسية موجود في ملفها الطبي القديم من سنين.
طب مين شاله؟
وليه؟
الأغرب إن الممرضة اللي كانت موجودة وقتها كتبت ملاحظة في النظام
تم تنبيه الطبيب المناوب إلى حساسية المړيضة.
لكن الملاحظة دي كمان كان جنبها تعديل.
مريم حست بقشعريرة.
لو المعلومة اختفت من الملف
مين كان هيعرف إنها عندها الحساسية؟
وقتها افتكرت ليلة العملية.
كانت شبه فاقدة الوعي.
فاكرة بس إنها كانت پتتوجع جدًا، وإن طبيبًا سألها
عندك أي حساسية من أدوية؟
وهي بالكاد فتحت عينها وقالت
آه المضاد الفلاني.
بعدها دخلت العمليات.
لكن بعد العملية بساعات حصل لها هبوط حاد، وفضل الأطباء يحاولوا يسيطروا على حالتها.
وقتها افتكرت إنهم قالوا إن جسمها عمل رد فعل شديد تجاه أحد الأدوية.
مريم كانت فاكرة إن ده مجرد مضاعفات.
لكن المستند اللي قدامها كان بيقول حاجة مختلفة.
كان فيه تعليق من قسم الجودة
يرجى التحقيق في سبب تعديل البيانات الطبية بعد اعتمادها، وتحديد صاحب الصلاحية الذي قام بالتعديل.
مريم قفلت الملف.
وقلبها كان بيدق بسرعة.
لأنها فجأة افتكرت حاجة أهم.
في اليوم اللي دخلت فيه العمليات
كريم كان موجود في المستشفى.
ومش بس موجود.
كان هو المسؤول عن مشروع العزل في نفس الفترة.
يعني كان عنده صلاحية دخول للنظام.
لكن ليه؟
وليه عدّل ملفها؟
مريم ما اتصلتش بيه.
وماواجهتوش.
عملت حاجة واحدة بس.
صورت المستندات.
وبعتتها لنهى.
وقالت لها
عايزاكي تعرفيلي مين المسؤول عن التعديل ده، وهل الدخول على الملف كان قانوني ولا لأ.
نهى ردت بعدها بساعتين
مريم ماتتكلميش مع كريم في الموضوع ده خالص.
مريم اتوترت.
اتصلت بيها فورًا.
ليه؟
نهى سكتت ثواني.
وبعدين قالت
لأن الموضوع أكبر من إهمال زوج.
يعني إيه؟
أنا سألت حد أعرفه في إدارة المستشفى بشكل غير رسمي.
وقالك إيه؟
قال إن دخول كريم على ملفك كان من حسابه الشخصي.
مريم سكتت.
نهى كملت
والأخطر إن التعديل حصل قبل العملية بساعات، مش بعدها.
مريم قامت من على الكرسي.
قبل العملية؟
أيوه.
طب هو كان يعرف إني هدخل عملية؟
ده اللي بنحاول نفهمه.
في اللحظة دي، مريم افتكرت حاجة.
قبل دخولها المستشفى بيوم واحد، كانت قاعدة في البيت مع كريم.
وكان بيتكلم في التليفون بصوت واطي.
لما دخلت عليه فجأة، قفل المكالمة.
وسألته
مين؟
قال
شغل.
مريم وقتها ما اهتمتش.
لكن دلوقتي
المشهد رجع قدامها بكل تفاصيله.
نهى قالت
فيه حاجة تانية.
إيه؟
التعديل مش بس شال حساسية الدواء.
أمال؟
اتغير كمان وصف لحالتك قبل العملية.
مريم سألتها
اتغير لإيه؟
نهى قالت
الملف الأصلي كان بيشير إن حالتك محتاجة تدخل جراحي عاجل بسبب انفجار الزائدة والتهاب شديد.
آه.
النسخة المعدلة كان فيها صياغة مختلفة بتقول إن التدخل الجراحي تم بعد تدهور مفاجئ غير متوقع.
مريم ما فهمتش.
نهى شرحت
الفرق كبير يا مريم.
إزاي؟
لأن لو الحالة كانت مصنفة من البداية إنها طارئة وتحتاج تدخل عاجل، كل الإجراءات اللي حصلت بعدها لها تفسير طبي.
لكن لو اتسجل إنها تدهورت بشكل مفاجئ
سكتت.
مريم قالت
يبقى المسؤولية ممكن تقع على حد بسبب التأخير؟
بالضبط.
مريم حست إن إيديها بردت.
سألت
يعني حد غيّر الملف عشان يغير تسلسل اللي حصل؟
نهى ردت
أنا مش هقولك حد عمل إيه من غير دليل. لكن المستندات دي تستاهل تحقيق رسمي.
وفي اليوم التالي
نهى قدمت طلب رسمي للحصول على نسخة معتمدة من السجل الإلكتروني.
وبعد أسبوع
جاء الرد.
كان فيه سجل كامل لكل شخص دخل على ملف مريم.
مريم قرأت الأسماء.
أطباء.
تمريض.
صيدلية.
معمل.
إدارة.
وبعدين شافت اسمًا تاني.
د. كريم محمود.
دخل على الملف 17 مرة.
مريم شهقت.
سبعتاشر مرة.
خلال أول ثلاثة أيام فقط.
والغريب إن ولا مرة من السبع عشرة كانت مرتبطة مباشرة بعلاجها.
نهى قالت
دلوقتي بقى عندنا سؤال واحد.
مريم بصت لها
إيه؟
هو كان بيدخل ملفك ليه؟
لكن قبل ما يلاقوا الإجابة
حصل شيء تاني.
المستشفى نفسها بدأت تحقيقًا داخليًا.
كريم اتطلب منه يحضر اجتماع مع الإدارة.
دخل الاجتماع وهو متعصب.
مدير المستشفى كان قاعد قدامه، ومعاه مسؤول الجودة والشؤون القانونية.
المدير سأله
دكتور كريم، عندنا استفسار بخصوص دخولك على ملف المړيضة مريم أحمد.
كريم رد فورًا
دي مراتي.
عارفين.
يبقى طبيعي أدخل على ملفها.
مسؤول الجودة رد
لا، مش طبيعي إنك تعدّل بيانات في ملف مريض من غير ما تكون الطبيب المعالج أو يكون عندك تفويض.
كريم سكت.
المدير حط قدامه ورقة.
حضرتك عدّلت بيانات حساسية دوائية.
كريم قال
يمكن كان فيه خطأ.
مين طلب منك تصلحه؟
ما افتكرش.
طيب ليه سجلت إن حالتها تدهورت فجأة؟
كريم بدأ يتوتر.
أنا كنت بحاول أساعد.
المدير بص له مباشرة.
المساعدة مش معناها تعديل السجل الطبي من غير توثيق.
كريم سكت.
وبعدين قال
أنا كنت خاېف عليها.
أول ما قال الجملة دي
نهى كانت موجودة في آخر القاعة كممثلة قانونية عن مريم.
بصت لمريم.
ومريم فهمت.
لأن نفس الرجل اللي قال إنه كان خاېف عليها
كان موجودًا في المستشفى ثلاثين يومًا.
ولم يزرها مرة واحدة.
لكن فجأة
كان عنده سبب يخليه يدخل ملفها سبع عشرة مرة.
بعد الاجتماع بساعات، وصل لمريم ظرف رسمي.
جواه نسخة من تقرير المراجعة الأولي.
وقعت عينيها على آخر صفحة.
كان فيه بند صغير جدًا.
تم رصد دخول المستخدم ذاته إلى ملف المړيضة قبل موعد العملية، وتزامن ذلك مع طلب تعديل بيانات طبية لم يتم اعتماد سببه حتى تاريخه.
مريم فضلت ساكتة.
نهى قالت
مريم، أنا عايزة أسألك سؤال.
إيه؟
كريم كان عارف إنك هتدخلي العملية قبل ما تدخليها؟
مريم هزت راسها.
لأ.
متأكدة؟
فجأة
افتكرت.
قبل العملية بيومين، وهي تعبانة جدًا، كريم دخل عليها البيت بعد شغله.
بص على التحاليل.
وسألها
الدكتور قالك هتعملي العملية إمتى؟
قالت
غالبًا بكرة.
ساعتها كريم سكت.
وبعدين قال
لازم تعمليها بسرعة.
مريم وقتها استغربت.
لأن كريم لم يكن طبيبها.
وسألته
إنت ليه مستعجل؟
رد

الصفحة السابقة 1 2 3 4الصفحة التالية

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *