كنت واخده

ده مش شغلي.
مريم ابتسمت ابتسامة صغيرة جدًا.
بقى شغلك من اللحظة اللي قررتي تقوليهولي قدام بنتي.
نادين سكتت.
مريم طلعت موبايلها.
طول التسع سنين اللي فاتوا، كانت متعمدة ما تربطش اسم جوزها باسم عيلتها الحقيقي.
مش لأنها مكسوفة من عيلتها
بالعكس.
لكن لأنها كانت عايزة تعيش حياة عادية.
مريم كانت من عيلة كبيرة جدًا في عالم البيزنس.
عيلتها عندها شركات استثمار، ومشروعات مقاولات، وأراضي وشركات عقارية، وثروة متوارثة بقالها سنين.
لكن لما اتجوزت كريم، كان وضعه مختلف تمامًا.
كان مهندس شاطر جدًا، وعنده شركة صغيرة لسه بتبدأ.
وقتها كان عنده حوالي 17 موظف، وشوية عملاء، وديون أكتر من الفلوس اللي داخلة له.
مريم اختارت ما تتدخلش.
وقالت لإخواتها التلاتة الكبار بوضوح
محدش يتدخل في شغله. أنا عايزة جوازي يفضل جواز، وشغله يفضل شغله.
إخواتها وافقوا.
أو على الأقل وافقوا قدامها.
لأنهم من غير ما كريم يعرف كل التفاصيل، كانوا ساعدوا الشركة بشكل قانوني.
العيلة ضمنت له توسعتين كبيرتين في رأس المال، ووفرت له تسهيلات بنكية، وكمان ساعدته يشتري المبنى اللي الشركة شغالة منه.
لكن كل حاجة كانت بعقود.
مفيش جنيه واحد اتدفع كأنه صدقة.
كل حاجة كانت ليها ضمانات وشروط وحقوق تصويت واضحة.
وأخوها الكبير، ياسين، كان هو المسؤول عن متابعة المخاطر والاستثمارات.
مريم ضغطت على اسمه.
رد من أول رنة.
مريم؟
صوتها كان هادي بشكل غريب.
ياسين فعّل كل بنود الحماية.
سكت ثانيتين.
حصل إيه؟
مريم بصت ناحية الأسانسير.
وبعدين بصت لنادين، اللي بدأ القلق يظهر على وشها.
جمّد أي عملية محتاجة موافقة مننا. وابدأ مراجعة شاملة للشركة، وعايز اجتماع طارئ لمجلس الإدارة.
الصمت طال شوية.
ياسين قال
إنتِ متأكدة؟
مريم بصت قدامها وقالت
متأكدة.
وبعدين أضافت
وعايزاه يعرف الليلة دي بالذات مين اللي كان واقف ورا الشركة دي طول السنين اللي فاتت.
ياسين ما سألش سؤال تاني.
تمام. خلال عشر دقايق، التليفونات كلها هتولع.
مريم قفلت المكالمة.
وفي نفس اللحظة، باب الأسانسير اتفتح.
دخلت.
لوحدها.
ضغطت على الدور الأخير.
ولما الأسانسير فتح، خرجت مريم على قاعة الحفلة.
الموسيقى كانت شغالة.
الكاميرات في كل حتة.
ورجال الأعمال واقفين بيتكلموا ويضحكوا.
لكن عين مريم راحت فورًا ناحية آخر القاعة.
هناك
كان كريم واقف قدام المصورين.
لابس بدلته السودا، وبيضحك بكل ثقة.
إيده حوالين واحدة ست.
داليا.
والولد واقف جنبهم.
كريم كان بيتصور معاهم كأنهم أسرة واحدة.
مريم وقفت مكانها.
لكنها ما اتحركتش.
ولا حتى رمشت.
وفجأة
واحد من رجال الشركة، المدير المالي، ظهر وهو بيجري ناحية كريم.
وشه كان أصفر، ونَفَسه متقطع.
وقف قدامه وقال بصوت مرتعش
أستاذ كريم
كريم بصله بضيق.
في إيه؟ إيه اللي جابك بالشكل ده؟
الراجل قرب منه وهمس
عندنا مشكلة.
كريم اتنرفز
مشكلة إيه؟
المدير المالي بص ناحية مريم للحظة، وبعدين رجع يبص لكريم.
مشكلة كبيرة جدًا.
سكت ثانية، وقال
البنك وقف بعض التحويلات ومجلس الإدارة طالب مراجعة عاجلة لكل الحسابات والعقود.
كريم عقد حواجبه.
مستحيل. مين عمل كده؟
المدير المالي بلع ريقه.
اسم حضرتك مش هو الاسم الوحيد اللي ظهر في الملفات.
كريم بصله باستغراب.
يعني إيه؟
وقبل ما المدير المالي يرد
موبايل كريم رن.
وبعده موبايل شريكه.
وبعدهم موبايل رئيس الحسابات.
وفي أقل من دقيقة، كل شخص في القاعة تقريبًا بدأ يستقبل مكالمة أو رسالة.
أما مريم
فكانت واقفة بعيد، بتراقب جوزها من غير ما تقول كلمة.
لأنها بدأت تفهم إن اللي حصل الليلة دي مش مجرد واحدة ست وطفل.
كان فيه حد بيلعب في الشركة من وراها
والأخطر من كده
إن حد استخدم اسمها في حاجات هي عمرها ما وافقت عليها.
وفي صباح اليوم التالي، لما ياسين بعت لها أول نسخة من ملف المراجعة
مريم فتحت الصفحة الأولى.
وبصت للورقة طويلاً.
كان فيها أربع إمضات باسمها.
كلهم على عقود بملايين الجنيهات.
وكل إمضاء
كان مزور.
مريم فضلت باصة على الورقة كأنها مستنية الحبر نفسه يتحرك ويقول لها إن اللي شايفاه غلط.
أربع إمضات.
أربع عقود.
وأرقام لو اتجمعت، كانت كفيلة إنها تبيع جزء كبير من الشركة من غير ما حد يسألها.
لكن أكتر حاجة خوفتها ما كانتش قيمة الفلوس.
كان التاريخ.
كل عقد من الأربعة كان متسجل بتاريخ كانت مريم فيه موجودة في مكان تاني تمامًا.
واحد يوم كانت فيه في المدرسة مع ليلى.
والتاني يوم كانت فيه مسافرة مع والدتها.
والثالث كان في يوم عملية بسيطة كانت عاملاها في مستشفى، وجواز سفرها يثبت إنها ما كانتش حتى في القاهرة.
أما العقد الرابع
فكان بتاريخ بعد منتصف الليل.
مريم رفعت عينيها لياسين.
مين اللي قدّم العقود دي؟
ياسين حط الملف قدامها.
كريم.
مريم ما ردتش.
هو اللي قال إنك وقّعتي عليهم شخصيًا.
ابتسمت بسخرية.
وأنا إمتى قابلته عشان أمضي؟
ياسين سكت لحظة.
وبعدين قال
في حاجة تانية.
فتح اللابتوب.
بصي على التحويلات دي.
ظهرت قدام مريم مجموعة أرقام.
فلوس خرجت من حسابات مرتبطة بالشركة، واتحولت لشركات صغيرة بأسماء مختلفة.
شركة مقاولات.
شركة استيراد.
شركة استشارات.
شركة عقارات.
مريم بدأت تقرأ أسماء المساهمين.
وفجأة وقفت.
داليا.





