يوم صباحيتي ج 1 حكـايات مني السيد حصري

حكايات مني السيد حصري
عروسة جديدة، ويوم صباحيتي لقيت تلاجتي بتصفر.. بس مكنتش أعرف إن الفضا ده هيعرّي نفوس ناس كنت فاكراهم أهلي وسندي.
أنا ياسمين، بنت يتيمة الأم، أمي سابت الدنيا من بدري، ومفضلش ليا غير أختي الكبيرة نادين، شالت همي على كتافها من صغرها وجريت بيا زي الأم بالظبط لحد ما وقفت على رجلي وجه اليوم اللي اتجوزت فيه عمران. نادين كانت فرحانة بيا لدرجة إنها مخدتش بالها من تفاصيل العرف اللي الناس بتمشي وراها عمياني.. كانت فاكرة بحسن نية وطيبة قلب إن حماتي وأهله هما اللي بيملا التلاجة بالخير والأكل زي ما بيحصل في عائلات كتير، ومعرفتش إن تفكير عمران وأمه حساباته غير.
ليلة الدخلة عدت بسلام، وصحيت يوم الصباحية على رنة جرس الباب. كانت نادين وجوزها مازن داخلين عليا بالصواني والحلويات والضحكة مالية وشهم. دخلت أختي المطبخ عشان تفضي الأكل وترصه، وفتحت التلاجة عشان تسيب مكان.. وفجأة لقيتها وقفت مكانها متنحة، بتبص جوه التلاجة كأنها مش مصدقة. التلاجة كانت كأنها طالعة من كرتونتها، حرفياً مفيهاش حتى حتة جبنة بيضا ولا إزازة ماية ساقعة!
وش نادين اتقلب من الصدمة والكسوف، حست إنها قصرت في حقي حتى لو مكنتش تعرف العرف ده. بصت لجوزها مازن نظرة فهموا بيها بعض، وقالوا نازلين نجيب حاجة نسيناها من تحت. ساعة زمن ورجعوا محملين أكياس شيل وحط؛ خزين كامل، جبن بأنواعها، لانشون، زبدة، فاكهة، وعصاير، ورصت التلاجة لحد ما بقت بتفيض بالخير وهي بتبتسم وتقولي مفيش حاجة تنقصك أبداً وأنا عايشة يا قلب أختك.
تاني يوم، مكنش حد جاي، وده طبيعي لأنهم زاروني الصباحية. دخل عمران المطبخ وقت الغدا، بص حواليه وسألني ببرود هو الأكل مطلعش من عند أختك نادين ولا إيه؟ رديت عليه ببراءة تامة لأ، مجوش النهاردة يا حبيبي. الكلمة دي وقعت عليه كأنها إهانة، بصلي بقرف وقالي تمام، أنا نازل آكل عند أمي تحت، ونزل وسابني لوحدي! قعدت مش مستوعبة، هو مش ده بيتنا وإحنا لسه متجوزين؟ روحت سخنت بواقي صواني الصباحية البايتة، وأكلت لقمة بالعافية ودموعي على خدي.
تالت يوم اتكررت نفس المأساة، التليفون مرنش، وعمران صحي بص في الصالة، ملاقاش كراتين ولا شنط أكل جاية من برا، فلبس هدومه ونزل جري على شقة أمه ياكل ويشرب، ولا فكر حتى يقولي تعالي كلي معايا، وسابني محبوسة بين أربع حيطان أكل عيش وجبنة من اللي نادين كانت جايباهم أول يوم.
العصر لقيت الباب بيخبط، فتحت لقيتها نادين جاية تطمن عليا وتشوفني. أول ما بصت في وشي ولقيتني دبلانة وعيني وارمة من العياط، اتخضت وقالتلي مالك يا ياسمين فيكي إيه؟ وشك أصفر كده ليه؟! انفجرت في العياط وقولتلها الحقيقة المرة مش باكل يا أختي من يوم ما دخلت، أكلي كله عيش وجبنة، وعمران كل ما يجوع يسيبني وينزل ياكل عند أمه عشان مفيش أكل جاهز بيجيلنا كل يوم!
نادين الدم غلي في عروقها، وقعدت تستناه لحد ما طلع من عند أمه شبعان ومزاجه رايق. حصري على و روايات و اقتباسات دخل، فقالتله بلهجة عتاب مليانة حزن ينفع كده يا عمران؟ أنت مش بتجيب أكل لمراتك ليه؟ دي عروسة جديدة وفي ذمتك، ينفع تاكل عيش وجبنة وتفضل نازل تاكل عند مامتك وتنسى بيتك؟!
هنا القناع وقع، ووشه اتحول لغضب ووقاحة صدمتني، زعق وهو باصص لنادين بنظرة احتقار وقالها أنتِ جاية تشتكيني في بيتي؟! أنتوا اللي ناس معندكوش أصول! إزاي تلاجة بنتكم تفضل فاضية؟ وفين الأكل اللي بيتعمل للعروسة كل يوم؟ أنتوا مش عارفين إن ده فرض عليكم أنتوا تدفعوا تمنه وتبعتوه؟! أمي كانت طالعة تبهدلكم وتمسح بيكم الأرض على الفضيحة دي، بس أنا اللي حوشتها وقولتلها هما ميعرفوش الأصول!
نادين اتصدمت من بجاحته، وكرامتها اتهانت في الأرض بعد كل اللي عملته عشاني، وقفت تبصلي ودموعها بتنزل من غير صوت، وسابت الشقة ونزلت وهي منهارة بتعيط ومكسورة الخاطر بسببي.. في اللحظة دي، البيت كله اسودّ في عيني، ومبقتش طايقة حتى النفس اللي عمران بيتنفسه، وقولتله وأنا بنهار أنا ماشية وراجعة بيت أبويا ومش هقعد هنا ثانية واحدة.
لكن أول ما حطيت إيدي على أكرة الباب، لقيت عمران مسك إيدي بعنف وزقني لجوه وقفل الترباس، وطلع تليفونه ورن على أمه وقال جملة جمدت الدم في عروقي اطلعي يا أمي بسرعة واقفلي باب العمارة بالمفتاح.. البت فاكرة الجواز لعب عيال وعايزة تهرب وتفضحنا، والله ما هتخرج من هنا إلا بشروطنا!
صوت الترباس وهو بيترد في حلق الباب عمل رنة في ودني خلت قلبي يقع في رجليه. الوقفة اللي وقفها عمران، والغل اللي كان بيلمع في عينيه، مكنش بتاع راجل بيتخانق مع مراته في أول أسبوع جواز.. ده كان شكل واحد لقى فريسة ومصدق قفل عليها المصيدة.
وقفت متخشبة مكاني، ضهري لازق في الحيطة اللي جنب الباب، وإيدي بتترعش على صدري من كتر الخضة. عمران كان واقف سادد الطرقة كلها بجسمه، باصصلي بنظرة كلها احتقار وقسوة، وكأنه بينتقم مني على جري.مة ماليش يد فيها. ومفيش ثواني، وسمعت صوت شبشب حماتي وهي طالعة السلم جري، صوت خبطاتها على السلم كان بيترجم نبضات قلبي اللي كانت بتدق بسرعة جنونية.
الباب اتخبط خبطتين ورا بعض بقوة، عمران مد إيده وفتح الترباس ببطء، ودخلت حماتي وهي قالعة الطرحة من على راسها وحطاها على كتفها، وشها محتقن وعينيها بتطق شرار. أول ما شافتني، بصتلي من فوق لتحت بقرف، وبعدين رمت نظرة على عمران وقالت بصوت فحيح يخوف خير يا عمران؟ البت دي عايزة تعمل إيه؟ عايزة تفضحنا في الحتة وتقول طردوني من تالت يوم؟
عمران قفل الباب وراه بالترباس تاني، ورجع خطوة لورا وربع إيديه وقال ببرود عايزة تمشي يا أمة.. الست الهانم زعلانة عشان قولت لأختها كلمتين حق، بتقول مش طايقة تقعد معايا ورايحة تلم هدومها وتجري على بيت أبوها.
حماتي ضحكت ضحكة صفرا تقطع الخميرة من البيت، وقربت مني خطوتين وهي بتلوح بإيدها في وشي تروح بيت أبوها؟! وهي فاكرة نفسها لسه عند أبوها المرحوم تلوي بوزها وقت ما تحب وتمشي وقت ما تحب؟! ده بعدك يا حبيبتي.. البت اللي تخش بيت الحاج عبد العظيم بالزفة ما تخرجش منه إلا بالكفن، أو تخرج وهي طايسة في الأرض وعارفة مقامها ومقام أهلها اللي مجيوش بربع جنيه كرامة في الليلة دي!
لساني كان مربوط، الدموع كانت مغرقة وشي بس الإهانة كانت أكبر من إني اسكت، صرخت في وشها وأنا صوتي بيتقطع من القهر أنا أهلي ملهومش دعوة! أختي عملت اللي عليها وزيادة، جابتلي شقة مكنتوش تحلموا بيها، وجوزتني بكرامتي، مش ذنبها إنكم ناس باصين في اللقمة وطماعين وعايزين جنازة وتشبعوا فيها لطم!
الكلمة مكملتش من بؤي، ولقيت عمران بيهجم عليا وزعق في وشي بصوت زلزل البيت أنتِ بتعلي صوتك على أمي يا بت؟! ده أنتوا جايبينكوا من غير كرامة! شوفي التلاجة اللي أختك جاية تتمنظر عليا بملوها، كانت فاضية بتصفر يوم الصباحية! الناس كلها عرايسها بيجلهم خزين شهرين وتلاتة، وفطاير وحمام وبط، وإحنا يوم ما ابني يفرش شقته ويدخل، أهل العروسة داخلين بإيد ورا وإيد قدام وشوية صواني بايتة؟! فين الأصول وفين واجب المعازيم وفين حقنا في الهيبة وسط المنطقة؟!
قعدت أعيط بحرقة وأنا بقوله ما أحنا مكناش نعرف العرف ده! أختي متعرفش إنكم مستنيين أكل وتلاجة مليانة، افتكرت زي كل الناس إن أهل العريس هما اللي بيعملوا كده في بيتهم، وبعدين أختي أول ما شافت التلاجة نزلت هي وجوزها ومشتريوش على قدهم، دول جابوا من الغالي ورصوا التلاجة كلها.. ليه تنزل تسيبني؟ ليه تنزل تاكل عند أمك وتكسر بخاطري وتقول الأكل مجاش من عند نادين؟! هو الجواز عندك أكل وتلاجة وبس؟!
حماتي سقفّت بإيديها الاتنين وطلعت صوت شخير واطي وهي بتتمايل يا حنينة! يا مكسورة الجناح! أصلنا مكنّاش نعرف! الجهل ده تعيشوا بيه عندكم في بيتكم، مش تيجي تطبقوه علينا هنا! العرف بيقول أهل البت هما اللي يشيلوا بطنها تلاتين يوم بعد الجواز، يبعتوا الفطار والغدا والعشا، مش يرموها زي القطة العميا في بيتنا ونقعد إحنا نصرف عليها ونأكلها! هو ابني كان واخدك عشان يشيل همك وهم بطنك من أول دقيقة؟! أنتوا داخلين على طمع وعايزين تاكلوا بعقلنا حلاوة!
قربت منها وأنا خلاص مبقاش فارق معايا حاجة، الغضب عماني وقولت طمع إيه؟! طمع في إيه يا ست أنتي؟! ده عمران مكملش ربع جهازي، أختي وجوزها هما اللي جابوا العفش والأجهزة من دم قلبهم، وجوزها وقف وقفة رجالة وأبويا مكنش موجود.. أنتوا مدفعتوش غير الشقة المقفولة اللي عمالين تذلوني بيها، وجايين تحاسبوني على أكل يومين وتلاتة؟! أنا مش هقعد هنا.. وسعوا كده خلوني أمشي!
جيت أتحرك ناحية الباب، عمران مسك كتفي وزقني بكل غل على الكنبة، رماني وقفل الترباس بسنان المفتاح وخده في جيبه، وبص لأمه وقال مفيش نزول.. ومفيش خروج من الباب ده.
حماتي قعدت على الكرسي وحطت رجل على رجل، وبصتلي بخبث وقالت اسمعي يا بت الناس.. الخروج من هنا ملهوش غير طريقين؛ يا إما تلمي لسانك الطويل ده، وتدخلي تفتحي تليفونك حالا قدامنا، وتكلمي أختك المحروقة دي، وتقوليلها يا نادين أنا وجوزي متخانقين عشان إهمالكم، وعشان أنتوا معملتوش حساب الأصول، ومطلوب من جوزك ينزل يجيب تمن العزومة اللي كانت المفروض تتعمل لأهل عمران، ويبعت حق أكل الشهر ده كاش في إيد عمران، وتيجي تبوس راس حماتك وتعتذرلها على قلة الذوق.. وساعتها نبقى نفكر نرجعلك كرامتك اللي ضاعت.
بصيت لعمران وأنا مش مصدقة اللي بسمعه، بصيت للراجل اللي وقفت قدام المأذون ووافقت أعيش معاه عمري كله، الراجل اللي كنت فاكراه ضهري وسندي بعد أبويا وأمي أنت موافق على الكلام ده يا عمران؟! أنت راضي إن أختي تتهان ويتطلب منها فلوس بعد ما سددت ديون شقتنا وجابتلك التلاجة اللي أنت عينك فيها دي؟!
عمران مردش عليا مباشرة، بص في السقف بنفخة وقال أمي كلامها ميمشيش غير على راسي وراسك. اللي قالته هو الصح، أنتوا صغرتوني قدام أهلي وقدام الجيران، حماتي وخالتي وعمتي لما طلعوا يباركوا الصباحية ولقوا تلاجتك مفيهاش الحمام المحشي والبط والخير اللي بيتملي بيه شقق العرايس، كل واحدة نزلت تضحك في سرها وتقول عمران واخد واحدة على الحديدة أهلها معرفوش يجهزوها! ده حقي ولازم اخده، وكرامتي لازم تترد قصاد أهلي كلهم!
ضحكت.. ضحكت بمرارة وهستيريا والدموع نازلة تجري على خدي. قولتله كرامتك؟! كرامتك دي في بطنك؟! كرامتك متعلقة بفرخة ولا بطة كانت هتتبعتلك؟! يا خسارة الرجولة يا عمران! والله العظيم يا خسارة كل قرش أختي وجوزها دفعوه في بيتك ده!
حماتي قامت وقفت، ووشها احمر من الغيظ، ومسكت تليفوني اللي كان محطوط على الترابيزة وخطفته في إيدها طالما لسانك مش هينقط غير سم، يبقى التليفون ده هيفضل في جيبي.. ومفيش اتصالات بحد، ومفيش خروج من هنا، وريني بقى هتعملي إيه لما تقعدي متلقحة هنا لا ليكي صوت ولا ليكي سند!
عمران بصلها وقاله هاتي التليفون ده يا أمي، خليه معاكي تحت، وانزلي اقفلي بوابة العمارة من تحت بالمفتاح الكبير.. متخليش البواب يفتح لأي حد من طرفهم لو جم ولا حسوا بحاجة.

1 2الصفحة التالية

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *