ورث مزرعه حكايات بسمة

الأول ييجي يعرض المساعدة.
وبعدين سكت لحظة.
وبعدها الواحد يكتشف إن المساعدة دي ليها تمن.
عمر بص لسلمى.
كانت قاعدة بتقطع رغيف العيش بهدوء.
سألها
عم بدر عايز الأرض دي ليه أوي؟
سلمى ما ردتش.
الحاج صابر هو اللي قال
عشان البير.
عمر بص له.
البير؟
هز الراجل راسه.
البير ده مش عادي يا ابني.
سكت لحظة وبعدين قرب منه وقال وعمك كان عارف حاجة عن الأرض دي حاجة خلت بدر مستعد يدفع أضعاف تمنها.
عمر حس بقشعريرة.
بص لسلمى.
ولأول مرة من ساعة ما وصل
بدأ يشك إن الورث اللي جاله ماكانش مجرد أرض وبيت قديم.
يمكن عمه كان سايب له سر.
وسر يخلي ناس مستعدة تعمل أي حاجة عشان تستولي على الأرض.
عمر أخد نفس طويل وقال
أنا هقعد هنا كام أسبوع.
سلمى رفعت عينيها له.
ليه؟
بصلها وقال
قبل ما أقرر أبيع أو أسيب عايز أفهم أنا ورثت إيه بالظبط.
سلمى ابتسمت ابتسامة صغيرة.
وقالت
يبقى من بكرة هنبدأ بدري.
لكن عمر ماكانش يعرف إن أول يوم شغل في المزرعة
هيكون اليوم اللي هيكتشف فيه ليه عمه رفض يبيع الأرض طول حياته.
حكايات بسمة
الليل نزل على الفيوم كأنه حبر أسود اتدلق على الأرض، والهدوء كان تقيل يخلي الواحد يسمع دقات قلبه. عمر كان قاعد في الأوضة الصغيرة، المصباح الجاز بيتهز ونوره الضئيل بيرسم خيالات طويلة على الحيطان الخشب المشققة. كان ماسك ورقة وقلم وبيحسب ديونه للمرة الألف 186 ألف جنيه، غير الفوايد اللي كل شهر بتزيد وتخنق أنفاسه.
صوت خطوات برة على التراب خلاه يتفزع. مسك العصاية الخشب اللي كانت جنب السرير وقام ببطء. فتح الباب وخرج للصالون الصغير.
لقى سلمى قاعدة قدام شباك المطبخ، ماسكة فانوس قديم وبتصلح شبكة صياد صغيرة كانت بتستخدمها عشان تجمع البلح من النخل.
خضيتك؟ سلمى قالتها وهي من غير ما تلف تبص له، كأنها سمعت خطواته الخايفة.
عمر نزل العصاية وهو حاسس بإحراج
لأ أبداً.. افتكرت حد برة. الجو هنا ساكت زيادة عن اللزوم، أنا متعود على دوشة القاهرة.
سلمى ابتسمت وهي بتشد الخيط بسنانه
دوشة القاهرة بتهربك من نفسك، لكن سكوت البلد بيخليك تقعد مع نفسك وتفكر. وقعدتك دي شكلها طالت في التفكير.. مش عارف تنام؟
عمر قعد على دكة خشب قصادها
أنام إزاي؟ أنا حاسس إني اتورطت في قصة أكبر مني. الحاج صابر قال إن عمي كان سايب سر في البير.. سر إيه اللي يخلي راجل زي بدر الجبالي ده يلف حوالين البيت زي التعشب؟
سلمى حطت الشبكة من إيدها، وبصت له بعيونها الخضرا البسيطة اللي مليانة حزن قديم
عمك رحمة الله عليه ماكانش مجرد راجل بيزرع.. عمك كان مهندس ري قديم، ساب المهنة ورجع للبلد من 30 سنة. لما جه هنا، الأرض دي كانت بور، والبير ده كان مجرد حفرة ناشفة. عمك قعد سنتين يحرث في الصخر لحد ما وصل لمية حلوة أصفى من مية النيل، وجنب المية.. لقى حاجة تانية.
عمر قرب منها بلهفة
لقى إيه؟ آثار؟
سلمى هزت رأسها بالنفي
لأ.. مش آثار بالمعنى اللي في دماغك. لقى عرق مية معدنية كبريتية نادرة طالعة من جبل أرتياغا اللي ورا الأرض. مية بتشفي أمراض الجلد والعظام، والأهم إنها مية ما بتنشفش مهما حصل جفاف. بدر الجبالي عرف الموضوع ده لما جاب خبرا أجانب تحت اسم شركة استثمار، وعرف إن الأرض دي تحتها خزان مية معدنية يسوى ملايين، لو اتعملت منتجع أو مصنع مية.
عمر اتنفس بسرعة، الصدمة كانت كبيرة
ومش بس كده.. بدر عارف إن لو البير ده اتفتح وردم الآبار اللي حواليه، الأرض الزراعية بتاعة البلد كلها هتعطش، وهو يقدر يشتري أراضي الناس بالقشورة لما تبور!
سلمى هماست
بالظبط.. عمك وقف في وشه ومنعه. وعشان كده بدر بدأ يحاربه، يقطع عنه السماد، يمنع عنه العمال، لحد ما عمك كبر ومات بالكتف.. وجوزي لما وقف مع عمك، بدر ورطه في ديون ولما جوزي مات في الحادثة.. بدر افتكر إن الأرض بقت لقمة سائغة.
في اللحظة دي، صوت ضربة قوية خبطت على باب المزرعة الخارجي!
صوت رجالي جشير وزعيق طالع من برة
يا سلمى! افتحي يا حرمة! قولي للغريب اللي عندك يخرج يتكلم زي الرجالة بدل ما هو مستخبي جوة!
سلمى اتجمدت مكانها، ووشها أصفر. عمر قام وقف بسرعة، ورجعت في عينيه لمعة غضب ماكانتش موجودة فيه من سنين.
ده بدر؟ عمر سأل بصوت واطي بس حاد.
ده رجالة بدر.. عبد المولي ذراعه اليمين. سلمى قالت وهي بتترعش بلاش تخرج يا عمر.. دول ناس مش بتخاف ربنا.
عمر بص لها وقال بثبات
أنا سكت طول حياتي وهربت من مشاكلي ودبست نفسي في ديون عشان كنت بخاف أواجه.. الأرض دي ملكي وملك عمي، ومحدش هيدخلها بالغصب وأنا حي.
فتح عمر الباب الخشبي الكبير وخرج للجرن. كانت فيه عربية نص نقل مولعة النور العالي في وشه، وواقف جنبها تلات رجالة معضلين، ماسكين شوم وعصيان، وفي وشهم راجل بكرش وطاقية بيضا هو عبد المولى.
عبد المولى تفّ أثين الشيشة على الأرض وقال بسخرية
أهلاً بالأستاذ بتاع القاهرة.. نورت الفيوم يا ابن الغالي. بس اللي بييجي بلاد الناس، لازم يعرف أصولها.
عمر وقف بثبات والأضواء عامية عينيه
والأصول عندكم إنكم تيجوا تقتحموا بيوت الناس نص الليل يا عبد المولى؟ عاوز إيه؟
عبد المولى قرب خطوتين وضحك بصوت عالي
عاوزين مصلحتك يا بشمهندس! المعلم بدر الجبالي راجل كريم، وبيقولك بدل ما تقعد في الفقر ده والدق على الديون اللي عليك في مصر.. الشيك ده فيه 300 ألف جنيه جاهزة، تمضي على عقد بيع المزرعة وتلم هدمك وترجع مصر المرزوقة بكرة الصبح. والأرملة دي.. المعلم هيكفلها ويكتب لها بيت صغير في القرية نسترها فيه.
عمر بصلهم وبص للشيك اللي مسكوه في وشه. المبلغ كان أكتر من ديونه بكثير، كان هيخلصه من كابوس ال 186 ألف ويتبقى معاه فلوس يبدأ بيها حياته.
بس افتكر كلام سلمى.. افتكر عينين الحاج صابر.. وافتكر عمك اللي مات وهو بيحمي البير عشان البلد ما تعطش. وافتكر أمه اللي عاشت شريفة وماتت وهي بتدعي له يسترجل.
عمر مسك الشيك من إيد عبد المولى ببطء.. وفجأة، قطعه حتت صغيرة ورمادها في وشه!
قول لمعلمك بدر.. الأرض دي مش للبيع، ولا بالمليون ولا بكنوز الدنيا. ولو راجل ييجي يطلبها بنفسه في الشمس، مش يبعت كلابه بالليل!
عبد المولى وشه اتغير وبقى زي الدم، ورفع الشومة فوق
يبقى إنت اللي جنيت على نفسك يا ابن ال!
وقبل ما الشومة تنزل على رأس عمر، صوت ضربة خرطوش هزت المكان!
الصوت جه من ناحية السور. الحاج صابر كان واقف ماسك بندقية صيد قديمة، ووراه خمسة من شباب القرية ماسكين الفؤوس والمشاعل!
الحاج صابر قال بصوت زلزل المكان
نزل إيدك يا عبد المولى إنت وهو! المزرعة دي طول عمرها بيت العيلة الكبيرة، وأي إيد هتتمد على ابن أخو المرحوم.. هتقطع قبل ما ترجع مكانها!
عبد المولى بص حواليه، لقى الشباب متجمعين ورا صابر ومصممين، وبدر مش معاهم عشان يغطيهم قانونياً.
عبد المولى رجع لورا وهو بيمسح العرق من وشه
ماشي يا صابر.. ماشي يا ابن البندر. النهار له عينين، والبقاء للأقوى في البلد دي!
ركبوا العربية وطاروا بيها وتصاعد التراب وراهم.
ثاني يوم الصبح، مع طلعت الشمس، كان عمر واقف مع الحاج صابر وسلمى عند البير. الجو كان دافي، وريحة أرض الفيوم السمرا مليانة أمل.
عمر كان لابس هدوم شغل قديمة، ومقشط عن كتافه.
الحاج صابر بص له وابتسم
ها يا عمر.. لسه مصمم تقعد؟ بدر مش هيسيبك، وهيحاول بكل الطرق يقفل عليك المية والأسواق.
عمر مسك جردل المية من البير، ورفع مية كبريتية صافية بتلمع تحت الشمس، وقال بثقة
أنا مش بس هقعد يا حاج صابر.. أنا هفتح الورشة الزراعية اللي عمي سابها. هنصلح خطوط الري، ونزرع الأرض قرع وخضار بمية البير. وأنا اتصلت بالمحامي بتاعي في القاهرة عشان يسجل البير ده محمية طبيعية وأرض زراعية غير قابلة للتغيير، وبكده بدر مش هيعرف يبني عليها شبر!
سلمى بصت له وعينيها مليانة دموع وفرحة، وقالت بصوت هادي
والديون اللي عليك يا عمر؟ هتسددها إزاي؟
عمر بص لسلمى وابتسم ابتسامة حقيقية لأول مرة من سنين
محصول الأرض دي والمية الشافية اللي فيها هيسددوا ديوني وزيادة. بس الأهم من الديون يا سلمى.. إني لأول مرة أحس إن ليا قيمة، وإن الأرض دي هي اللي رجعتلي نفسي.
الحاج صابر ضرب على كتف عمر بقوة
عاش من عرف قدره يا ابني.. عمك الله يرحمه كان عارف إنه ساب الأرض للراجل الصح.
ومن اليوم ده، عمر ما رجعش القاهرة.. اتعلم الفلاحة، ووقف في وش بدر الجبالي لحد ما أجبره يراجع نفسه ويبعد عن الأرض. وبقت المزرعة المهجورة أخصب أرض في الفيوم، والبير اللي كانوا عايزين يسرقوه.. بقى يسقي كل عطشان في القرية، وبقت سلمى وعمر والحاج صابر عيلة واحدة، جمعهم الحق والأرض اللي ما بتخونش صاحبها أبداً!
تمت





