املاك حمايا حكايات زهرة حصري
راضي قاله: “أيوه أنا.”
الراجل مد إيده وسلم عليه، وقال: “أنا المحامي اللي كان بيتابع شغل والدك.”
أول ما قال الجملة دي، عادل وتامر خرجوا من أوضهم بسرعة، وسألوه: “خير؟ فيه إيه؟”
المحامي بص لهم وقال: “أنا جاي أنفذ وصية والدكم الأخيرة.”
ساعتها أنا حسيت إن قلبي وقف.
تامر ضحك وقال: “وصية؟! ما أبويا وزع كل حاجة قبل ما يموت، والعمارتين بتوعنا بعقود رسمية.”
المحامي هز راسه وقال: “أنا عارف.”
عادل قرب منه وقال: “أمال وصية إيه؟”
المحامي فتح الملف بهدوء، وطلع ورق مختوم، وقال:
“العمارتين اللي والدكم كتبهم باسمكم… مش معناهم إنكم هتملكوا دخلهم.”
وشهم اتغير في لحظة.
تامر قال بعصبية: “يعني إيه؟”
المحامي رد: “يعني والدكم نقل الملكية ليكم فعلًا، لكن حط شرط واضح في العقود.”
عادل خطف الورقة من إيده وبدأ يقرا، وكل ما يقرا سطر، وشه كان بيصفر أكتر.
راضي كان واقف بعيد، ساكت، وأنا كنت ببص عليه.
المحامي قال: “والدكم كان عارف إنكم هتختلفوا بعد موته، وعشان كده كتب كل حاجة بالتفصيل.”
تامر صرخ: “طب قول لنا! إيه الشرط؟”
المحامي بص له وقال: “إن إيرادات العمارتين بالكامل يتم توجيهها لصندوق عائلي، ويتصرف منها على علاج والدتكم، وتعليم أولادكم، ومصاريف البيت الأساسية، لحد ما أصغر حفيد يوصل لسن الرشد.”
عادل قال: “إيه؟!”
المحامي كمل: “وبعد كده، يتم توزيع صافي الإيرادات بين الأبناء الثلاثة بالتساوي.”
السكوت نزل على المكان.
بصيت لراضي، لقيته واقف كأنه مش مستوعب.
تامر قال: “طب وراضي؟”
المحامي ابتسم ابتسامة صغيرة وقال: “راضي ليه بند خاص.”
ساعتها أنا حسيت إن الكلام اللي قاله حمايا قبل موته بيرجع في وداني:
“وأنت يا راضي… كفاية عليك مراتك.المحامي طلع ورقة تانية، وقال: “والدكم كان شايف إن ابنه الأصغر أكتر واحد اتحمل مسؤولية بيته، وإن زوجته وقفت معاه من غير ما تطلب حاجة. وعشان كده كتب…”
وسكت.
راضي قال: “كتب إيه؟”
المحامي رد:
“كتب لك البيت اللي أنت ساكن فيه دلوقتي، والأرض اللي وراه، وكمان مبلغ مالي محترم موجود في حساب باسمك.”
أنا حطيت إيدي على بوقي من الصدمة.
راضي قال: “بس… بس إزاي؟! أنا كنت فاكر إن بابا حرمني من كل حاجة.”
المحامي قال: “هو كان عايزك تفتكر كده.”
تامر ضرب بإيده على الترابيزة وقال: “يعني إيه عايزك تفتكر كده؟!”
المحامي بص له وقال: “والدكم كان عارف إن لو قال لكم إن راضي واخد نصيب كبير، هتبدأوا تضغطوا عليه، ويمكن تحاولوا تاخدوا منه حقه.”
عادل سكت.
المحامي كمل: “عشان كده قال قدامكم الجملة دي: كفاية عليك مراتك.”
أنا وقتها مقدرتش أمسك دموعي.
افتكرت كل مرة سلايفي ضحكوا عليا، وكل مرة ابني رجعلي مكسور، وكل مرة راضي نام وهو مخنوق ومش عايز يبين لي.
حمايا كان عارف.
كان عارف كل حاجة.
بس كان عامل نفسه ظالم.
المحامي قال: “وفي حاجة تانية.”
الكل بص له.
قال: “والدكم طلب مني أقولها قدامكم بالحرف.”
طلع ورقة صغيرة، وبدأ يقرا:
“لأولادي عادل وتامر وراضي…”
وسكت لحظة، وبعدين كمل:
“أنا عارف إنكم هتزعلوا من اللي عملته، بس أنا مش قسمت رزقي عشان أفرق بينكم. أنا قسمت عشان أشوف معدن كل واحد فيكم.”
عادل نزل عينه في الأرض.
تامر بدأ يتحرك في مكانه بتوتر.
المحامي كمل:
“العمارتين دول تعبت فيهم سنين. ولما كتبتهم باسم عادل وتامر، ماكنتش بديهم كنز، كنت بحط في رقبتهم مسؤولية. اللي يثبت إنه أمين على حق إخوته وعيالهم، يستحق يكمل.”
وبعدين قال:
“أما راضي، فكان عندي اختبار تاني ليه.”
راضي بص للمحامي.
“كنت عايز أعرف ابني هيعمل إيه لما يحس إني ظلمته. هل هيطالبني؟ هل هيخاصمني؟ ولا هيفضل بار بيا؟”
المحامي ابتسم وقال:
“وأنت نجحت.”
راضي قعد على الكرسي، وحط إيده على وشه.
أول مرة أشوفه يعيط بالشكل ده.
قال بصوت مكسور: “ليه يا بابا؟ ليه عملت فيا كده؟”
المحامي قال: “لأنه كان واثق إنك هتفهم بعد موته.”
وبعدين طلع آخر ورقة.
“ودي أهم حاجة.”
قال إن حمايا كتب شرط لو حصل خلاف بين الإخوة، العمارتين يتوقف توزيع أرباحهم مؤقتًا، ويتولى إدارتهم شخص محايد، لحد ما الخلاف يتحل قانونيًا.
يعني لا عادل ولا تامر يقدر يبيع أو يرهن أو يتصرف لوحده.
ساعتها بدأت خناقة بينهم.
تامر قال: “أنا مش موافق!”
عادل رد: “وأنا كمان!”
المحامي قفل الملف وقال: “موافقتكم مش مطلوبة. العقود اتوثقت، والشرط قانوني.”
وقبل ما يمشي، وقف عند الباب وقال:
“والدكم كان متوقع اللي بيحصل دلوقتي.”
وبعدين بص لراضي:
“وقال لي لو راضي فضل زي ما هو، مايبصش لحد، ويعيش بالحلال، يبقى هو الوحيد اللي كسب.”
خرج المحامي.
فضلنا كلنا ساكتين.
أنا بصيت لراضي وقلت: “أبوك كان بيحبك.”
راضي مسح دموعه وقال: “أنا ظلمته في قلبي.”
ومن اليوم ده، كل حاجة اتغيرت.
عادل وتامر، اللي كانوا بيتخانقوا مين ياخد العمارة الأولى ومين التانية، بقوا مضطرين يتعلموا يعني إيه مسؤولية.
وأنا؟
سلايفي اللي كانوا بيقولوا لي “ربنا يعوضكم على خيبتكم”، بقوا كل ما يشوفوني يسكتوا.
وفي يوم، سلفتي جتلي وقالت: “يا سحر… أنا عايزة أعتذر لك.”
بصيت لها وقلت: “على إيه؟”
قالت وهي مكسوفة: “على كلامي القديم.”
قلت: “أنا مسامحاكي، بس نفسي تفهمي حاجة.”
قالت: “إيه؟”
قلت لها:
“الفلوس عمرها ما كانت المشكلة. المشكلة إنكم خليتوا طفل عنده عشر سنين يفتكر إن جده مش بيحبه.”
دموعها نزلت.
وقالت: “عندك حق.”
دخل ابني وقتها من الباب، وشافها، وقال لي:
“ماما… هو جدو كان بيحبنا؟”
حضنته جامد، وقلت له:
“كان بيحبكم أكتر مما تتخيل يا حبيبي.”
وبعدها بأيام، أخدت ابني وقعدته قدام صورة جده.
وقلت له:
“افتكر دايمًا إن الإنسان مش بيتقاس باللي بيمتلكه، بيتقاس باللي بيسبه وراه في قلوب الناس.”
راضي كان واقف بعيد وبيسمعنا.
ابتسم، وقال:
“وأبويا ساب لنا درس مش هنساه.”
وبعد مرور سنة، العمارتين فضلوا شغالين، وإيجاراتهم بتدخل بانتظام، واتعمل نظام واضح للصرف على العيلة وتعليم الأحفاد.
والأغرب إن عادل وتامر نفسهم بقوا أهدى، وبدأوا يفهموا إن أبوهم ماكانش عايز يسيب لهم عمارتين وبس…
كان عايز يسيب لهم عقل.
أما أنا وراضي، فكملنا حياتنا زي ما بدأناها…
قليل في عين الناس، لكن كتير في عين ربنا.
وفي يوم، وإحنا قاعدين في بيتنا، راضي بص لي وقال:
“فاكرة يوم أبويا قال لي كفاية عليك مراتك؟”
ضحكت وقلت:
“أيوه، عمري ما هنساه.”
قال:
“أنا يومها افتكرت إنه بيحرمني.”





