سوسن

الطفلة سوسن ضاعت من القطار في سبعينيات القرن الماضي و حتى وقت قريب كان كثير من السودانيين يعتمدون في سفرهم على القطارات التي كانت تشق فيافي و مسافات بعيدة و أسعار تزاكرها في متناول اليد……. تحركت أسرة حمدان عبيد الطاهر الموظف بإحدى الشركات من الولايات الغربية واتجهت شمالاً لتكمل رحلتها الي مدينة بورتسودان التي تم نقله إليها و كانت رحلة القطار تستغرق عدة أيام لبطء الرحلات و تغير عربات القطار في المحطات عدة مرات و ترافق الموظف حمدان في الرحلة زوجته و بناته الإثنين و ولده الصغير الرضيع….. و بما أن القطار كما أسلفنا يتوقف كثيرا بالمحطات أيام و ليالي و للتدليل على ذلك فقد ذهب كاتب هذه السطور في رحلة بالقطار من الخرطوم الي نيالا واستغرقت معه الرحلة ثلاث أيام بلياليها….. المهم سادتي و سيداتي قلنا أن القطار يتوقف كثيرا بالمحطات فينزل الركاب لتناول وجبة أو شاي أو قهوة و منهم من يذهب ليقضي حاجته و أحياناً يتوقف القطار لمدة ساعة أو ساعتين لكن أقلها نصف ساعة و قد تعود الركاب على ذلك الروتين ، أحياناً ينزل حمدان و كل الأسرة و مرات تنزل زوجته
بطفل أو طفلين و في بعض اللحظات الخفيفة تنزل البنتان لقضاء حاجة رغم أن بالقطار حمامات و مياه شرب لكن الأطفال إستمرؤوا النزلة و الطلعة في القطار على سبيل اللعب الخفيف و هذا السبب الذي جعل البنتان أحياناً تنزلان ثم ترجعان و في أحد الليالي غفا الزوجان فجأة فنزلت إحدى الطفلتان و كانت تلك المحطة مظلمة و كل الضوء الذي بها يتسلل إليها من عربات القطار الواقفة أو إضاءة إشارة الصنفور في مدخل المحطة ، المهم بعد نزول الطفلة لوحدها و انشغالها بشراء شيء من أحد الباعة بأحد المحطات الخلوية ، فجأة تحرك القطار و سار بعيداً و أصبح يغوص رويدا رويدا في الظلام الحالك و لا يظهر منه إلا أنواره القوية و هو يطوي الأرض ، عندما عادت الطفلة و هي تركض للحاق بالقطار لم تجد الا مكانه المظلم ، فانطلقت في البكاء و صارت تبكي و تبكي بصورة هستيرية و للأسف لم يكن قريب منها أحد في تلك اللحظات من العاملين بالمحطة أو المحلات التي بها و التي كانت تبعد قليلا عن مربط توقف القطار….. مر في تلك اللحظات ولد شاب يركب حماراً و قد أتى لشراء بعض الحاجيات من دكاكين البقالة التي بالمحطة
فتوقف عند الطفلة و سألها عن سبب بكائها و بقائها في هذا المكان الموحش لوحدها فقالت له إنها كانت راكبة في القطار الذي غادر قبل قليل ، فسألها عن موطنها فعرف إنه مكان بعيد جدا و على حسب غشامته لم يذهب بالطفلة لموظفي المحطة و الشرطة التي معهم ، بل فكر أن يذهب بها إلى أهله و للأسف قريته تقع على مسافة ليست قريبة من موقع المحطة ، و قال لها هيا سنذهب الي بيتنا حتى ندبر لك طريقة للحاق بأهلك بالقطار….. خضعت الطفلة للأمر الواقع بعد أن أصبح لا مفر أمامها و ذهبت معه…….. سبحان الله من شدة تعب و إرهاق الرحلة الطويل لم يصحى حمدان و زوجته إلا بعد محطتين و عندما نظرا أمامهما لم يجدا أمامهما إلا طفلة واحدة و الولد الذي تحمله أمه ، فسألوا الطفلة الموجودة عن أختها فقالت لهم إنها نزلت في المحطة السابقة و لم ترجع حتى تحرك القطار فجن جنون والديها وانزعجا جدا و صارا يكرران عليها الأسئلة متى نزلت و كيف نزلت و في أي محطة نزلت و هل نزلت في المحطة السابقة أم التي قبلها…… صارت الأم تبكي و تنوح و تثكل بأعلى صوتها حتى تجمع عليهم مسؤولي القطار من موظفين و شرطة.
…… على الفور شرعت شرطة السكة حديد التي تعمل على القطار بفتح بلاغ و إرسال إشارة عن طريق الرئاسة لكل المحطات بأوصاف الطفلة المفقودة سوسن حمدان الطاهر 8 سنوات و قد سجل بلاغ فقدان الطفلة في أقرب و أهم و أكبر محطة و هي مدينة ود مدني و منها تم التعميم على المحطات و مراكز الشرطة للبحث كما سجل عنوان عمل و سكن والدها بمدينة بورتسودان ، و لعدم توفر وسائل تواصل إجتماعي في ذلك الوقت كما الآن فقد تم نشر التعميم في عدة صحف لكن أين و كيف ، فالشاب يسكن في أحد فرقان البدو و على مسافة بعيدة عن تلك المحطة إلى حدٍ ما كما أن المكان الذي يقيم فيه ليس به ما يعرف بالهاتف وقتها و لله في خلقه شؤون…… وصل الشاب الغشيم الي بيته و سلم الطفلة لوالديه و الذين ليس لديهم أبناء غيره فهو إبنهم الوحيد و لم يخلفا غيره ، و على غشامة والديه أيضاً إستلموا البنت و سكتوا و لم يحاولوا البحث عن أهلها أو الإبلاغ عنها و بالذات بعد أن قال لهم إبنهم أنها من مكان بعيد……. وصل الزوجان و طفليهما الي مدينة بورتسودان مكان عمل و سكن الزوج الموظف واستقرا في بيتهم و نزل حمدان الي
مقر
الجزء الثاني
في اللحظة اللي قالت فيها أخت سوسن
نزلت في المحطة اللي فاتت وما رجعتش.
حمدان حس إن قلبه وقع من مكانه.
بص لمراته.
مراته كانت في الأول ساكتة، كأن عقلها مش قادر يستوعب.
وبعدين فجأة صرخت
سوسن؟!
قامت من مكانها وبدأت تبص بين الركاب.
سوسن! يا سوسن!
كانت بتجري بين العربات وهي بتنادي باسم بنتها.
حمدان كان وراها، بيحاول يمسك نفسه.
كل محطة بعدها كان بيطلب من مسؤولي القطار إنهم يوقفوا الرحلة.
لكن القطار كان اتحرك بالفعل مسافة كبيرة.
وفي أول محطة كبيرة وصلوا لها، نزل حمدان مسرعًا.
راح لشرطة السكة الحديد، وحكى لهم اللي حصل.
بدأت الأسئلة.
اسم الطفلة؟
سوسن حمدان عبيد الطاهر.
السن؟
ثمان سنين.
الملابس؟
بدأ يصف فستانها وشعرها وملامحها.
وبعدها اتكتب البلاغ.
لكن المشكلة
كانت إنهم في السبعينيات.





