حماتي ست كبيرة وأنا اللي برعاها بنتها جات فجأة ولما شافتني حاطة أكلها في أطباق ورق، اتعصبت وقالتلي أمي تاكل في ورق؟! ومشيت من غير ما تعرف الحقيقة! أنا اسمي نادية، ومتجوزة بقالى حوالي عشرين سنة، وجوزي اسمه سامح. حماتي، أم سامح، ست كبيرة عندها خمسة وسبعين سنة. ومن ساعة ما كبرت وبقت محتاجة حد جنبها، وأنا اللي شايلة مسئوليتها. أصحى الصبح أجهزلها الفطار، أديها دواها، أغير لها هدومها لو احتاجت، أنضف أوضتها، أهوّيها، وأقعد جنبها أطمن عليها. حتى لو تعبت في نص الليل، أنا اللي بقوم لها. ابنها، جوزي، بيشتغل وبيسافر كتير، ومش بيكون موجود أغلب الوقت. وأنا عمري ما اشتكيت. كنت بقول لنفسيدي أمي زي ما هي أمه. لكن بنتها سلوى كانت دايمًا بعيدة. تظهر كل شهرين أو تلاتة مرة. تيجي ساعتين تلاتة، تسأل على أمها، تقعد معاها شوية وتمشي. وأنا اللي أفضل معاها الأيام والشهور. الغريب بقى إن سلوى كانت دايمًا شايفة إن أمها محتاجة رعاية أكتر. بس مش بتسأل مين اللي بيرعاها! في اليوم اللي حصلت فيه المشكلة، كانت سلوى جاية فجأة. ولا قالت هتيجي، ولا اتصلت قبلها. أنا كنت فوق في شقتي بجهز الغدا، وحماتي كانت تحت في شقتها. قبلها بشوية كنت دخلت لها الأكل، ونضفت أوضتها، ورشيت فيها معطر خفيف كانت بتحبه. وكنت لسه مخلصة ترتيب السرير وفتح الشباك علشان الشمس تدخل. حماتي كانت قاعدة على كرسيها وبتبتسملي. قالتليربنا يخليكي يا نادية مش عارفة كنت هعمل إيه من غيرك. ضحكت وقلتلهامتقوليش كده يا ماما، إنتِ أمي. وبعدين طلعت فوق أجهز الغدا ليا ولجوزي وبنتي. وفجأة بقلم منال علي سمعت خبط جامد على الباب. فتحت لقيت سلوى قدامي. وشها كان متغير من التعب والسفر. قالتماما فين؟ قلتلهاتحت، تعالي شوفيها. نزلت معاها. وأول ما دخلت أوضة أمها، سلوى بصت حواليها. الأوضة كانت نضيفة جدًا. السرير مترتب. الهدوم متعلقة. الشباك مفتوح. حتى ريحة الأوضة كانت حلوة. حماتي كانت لابسة هدوم نظيفة وشعرها متسرح. سلوى بصت لأمها وقالتإزيك يا ماما؟ حماتي ابتسمتالحمد لله يا بنتي. سلوى حضنتها بسرعة، وبعدها بصتلي وقالتإنتِ اللي منضفاها؟ قلتلهاأيوه طبعًا. قالتوالأوضة؟ قلتلهاأنا اللي نضفتها. هزت راسها وسكتت. أنا حسيت إنها لأول مرة تشوف بعينيها قد إيه أنا مهتمة بأمها. فقلتلهاأنا كنت طالعة أجهز الغدا، إنتِ جيتي في وقت الغدا. اطلعي معايا فوق نتغدى كلنا. قالتماشي. طلعت أنا وهي وبنتي. وأنا في المطبخ، كنت مجهزة سفرة حلوة. رز، فراخ، خضار، وسلطة. وقلت لبنتيحطي لماما تيتة أكلها الأول ونزليه لها. أنا كنت بحط أكل حماتي في طبق ورق، والعصير في كوباية ورق. مش علشان أبخل عليها. ولا علشان أقلل منها. بالعكس حصري علي روايات واقتباسات أنا كنت بعمل كده من خوفي عليها. حماتي إيديها ساعات بتترعش. ولو مسكت طبق تقيل ممكن يقع منها. والصواني أصلًا بتخوفني عليها. ممكن الطبق يقع ويتكسر، أو تتجرح من قطعة زجاج، لا قدر الله. فأنا من فترة بقيت بحط لها أكلها في أطباق ورق خفيفة، والعصير في كوبايات ورق. مريحة وآمنة، وبعد الأكل بنتي بتلمهم وترميهم. كنت شايفة إن دي أسهل وأأمن طريقة ليها. لكن سلوى أول ما شافت الصينية في إيد بنتي وشافت طبق الورق والكوباية وشها اتقلب! حصري علي روايات واقتباسات قالت بصوت عاليإيه ده؟! أنا خرجت من المطبخ بسرعة. قلتلهافي إيه؟ مسكت الصينية وبصت عليها. وبعدين قالتإنتِ حاطة لماما الأكل في طبق ورق؟! قلتلها بهدوءأيوه علشان إيديها بتترعش وممكن الطبق يقع منها. بصتلي باستغراب وقالتومين قالك إن أمي تاكل في أطباق ورق؟ قلتلهايا سلوى أنا مش بقصد حاجة، بالعكس ده علشان أخاف عليها. لكن هي كانت خلاص اتعصبت. قالتأمي تاكل في أحسن أطباق! أمي مش خدامة عندك! الكلمة دي وجعتني جدًا. أنا اللي بقالي شهور بخدم أمها. أنا اللي بقوم لها بالليل. أنا اللي بنضف أوضتها. أنا اللي بأكلها وأشربها وأديها دواها. وفي الآخر أنا اللي عاملة منها خدامة؟! قلتلهاإنتِ فاهمة غلط، والله أنا بعمل كده علشان أخاف عليها. ردت بعصبيةلا، إنتِ مش من حقك تحددي أمي تاكل في إيه! حاولت أشرح لها أكترلو عايزة أغيره هغيره، بس أنا بخاف عليها من الأطباق والصواني. إنتِ عارفة إيديها بتترعش. قالتأهو أنا موجودة وهخليها تاكل في طبق محترم. وبعدين سكتت فجأة. بصت للصينية. وبصتلي. وقالت جملة خلتني أتجمد مكانيبس الغريب إنك طول السنين دي كنتِ بتعملي كل ده من غير ما حد يطلب منك. أنا استغربت. حصري علي روايات واقتباسات قلتلهايعني إيه؟ ابتسمت ابتسامة غريبة وقالتهتعرفي. ومشيت. حتى الغدا اللي كنت مجهزاه ماكلتش منه. ولا شربت العصير. وأنا فضلت واقفة مكاني مش فاهمة. لكن بعد ما سلوى نزلت لأمها، سمعت صوتهم من تحت. صوت سلوى كان عالي. وبعدين سمعت حماتي بتقوليا بنتي نادية ملهاش ذنب. سكتوا شوية. وبعدين سلوى قالتماما إنتِ مش عارفة حاجة. وقتها قلبي دق بسرعة. بقلم حكايات منال علي مش عارفة إيه؟ نزلت من فوق من غير ما أحس. وقفت عند أول السلم، من غير ما حد يشوفني. وسمعت سلوى بتقول لأمها بصوت واطي أنا ماجتش النهارده علشان أزورك وبس أنا جيت علشان أتأكد من حاجة. حماتي سألتهاحاجة إيه؟ سلوى سكتت ثواني وبعدين قالتنادية مخبية عننا موضوع بقالها شهور. وقتها حسيت إن رجلي مبقتش شايلاني. أنا؟! مخبية إيه؟ أنا عمري ما خدت من أمها جنيه. ولا قصرت معاها. ولا عملت حاجة غلط. لكن قبل ما أسمع باقي الكلام حماتي قالت جملة واحدة، خلت الدم يتجمد في عروقيأنا عارفة يا سلوى وعارفة هي بتعمل كده ليه. سلوى ردت بسرعةإنتِ عارفة؟! حماتي قالتأيوه بس إنتِ لو عرفتي الحقيقة كاملة، مش هتقدري تسامحي أخوكي. أخوها؟! وقتها فهمت إن حكاية أطباق الورق ما كانتش هي المشكلة الحقيقية أصلًا وإن سلوى ماجتش تزور أمها بالصدفة. هي كانت جاية تدور على سر يخص أخوها والسر ده أنا كنت شاهدة عليه من أول يوم!!!!!!!!!! حكايات_منال_علي وقفت متسمرة مكاني على أول السلم، حاسة بقلبي هيخرج من بين ضلوعي من كتر الدق. "مش هتقدري تسامحي أخوكي؟!" الجملة دي نزلت عليا زي المية الساقعة. شريط العشرين سنة اللي عشتهم مع سامح عدى قدام عيني في لحظة. الناس كلها فاكرة إن سامح مسافر شغال وبيشقى علشان يبعت لنا مصاريفنا، وفاكرين إن غيابه ده تضحية علشاني وعلشان بنتي وأمه. لكن الحقيقة اللي محدش كان يعرفها غيري… وغير حماتي… كانت أتقل بكتير من إني أشيلها لوحدي. سمعت صوت سلوى وهي بتتكلم بنبرة كلها غل وعصبية: حصري علي روايات واقتباسات "أخويا ماله يا ماما؟! هو سامح اللي طردك من شقتك الكبيرة وجابك تقعدي في الدور الأرضي هنا؟ سامح اللي رماكي وخلاكي تاكلي في ورق زي المتشردين؟ ولا الهانم مراته اللي مسيطرة عليه وبتفرّق بينه وبين أهله؟" صوت حماتي طلع ضعيف، بس كان حاسم: "اسكتي يا سلوى… اسكتي بدل ما تنطقي كلمة تندمي عليها بقية عمرك. مرات أخوكي شيلاني في عينيها، والورق اللي بتتكلمي عليه ده هي عملاه علشاني أنا… بعد ما أيدي الشمال خذلتني ومبقتش قادرة أمسك حتى معلقة، وخوفت على نفسي لما الكوباية اتكسرت في إيدي من شهرين وجرحتني." سلوى سكتت ثانية، كأنها اتفاجئت، لكن كبريائها منعها تتراجع، وقالت: "ماشي، نعدي حكاية الأطباق… طب والشقة يا ماما؟ الشقة التمليك اللي فوق اللي المفروض نصها بتاعي ونصها بتاع سامح بعد عمر طويل؟ سامح قايلي بنفسه إنه باعها لنادية بمؤخر صداقها! وإنك انتِ مضيتي على البيع شهادة!" هنا بقى مقدرتش أمسك نفسي أكتر من كده. رجلي اتحركت لوحدها، ونزلت درجات السلم بخطوات سريعة، ودخلت الأوضة وأنا باصة في عين سلوى مباشرة. سلوى اتخضت لما شافتني واقفة في وشها. حصري علي روايات واقتباسات بصتلي وقالت ببرود مصطنع: "كويس إنك جيتي… أهو تسمعي بنفسك علشان متقوليش بنتكلم ورا ضهرك." بصيت لحماتي، لقيت عينيها مدمعة وبتهز راسها بحزن كأنها بتقولي: "بلاش يا نادية… متقوليش." لكن الصبر اللي شيلته سنين كان خلاص فاض بيه الكيل. قلتلها بصوت ثابت رغم الرعشة اللي في صدري: "أنا مكنتش بتصنت يا سلوى… بس انتِ جاية بيتي وبتتهميني في أمانتي وفي أصلي. أخوكي هو اللي قالك إني خدت الشقة بمؤخري؟" سلوى ردت بحدة: "أيوه! كلمني الأسبوع اللي فات وقالي إنه مزنوق في فلوس ومش عارف يتصرف لأن نادية حاطة إيدها على كل حاجة ومخلية أمي تمضي لها على كل مليم، وإنه هربان من البيت بسبب المشاكل والديون اللي انتِ ورطتيه فيها!" ضحكت… بس كانت ضحكة كلها وجع ومرارة. بصيت لسلوى وقلتلها: "أخوكي مسافرش يشتغل يا سلوى… أخوكي هربان." سلوى برقت بعينيها: "هربان؟! هربان من إيه؟ سامح مهندس محترم والكل يشهد له!" حماتي حطت إيدها على وشها وبدأت تعيط بصوت مكتوم. قربت من حماتي، طبطبت على كتفها وبصيت لبنتها وقلت: "أخوكي المحترم دخل في تجارة مشبوهة وخسر كل مليم وراه وقدامه… حتى دهب أمه وخواتمها اللي كانت في إيديها خدهم منها وباعهم، وكان عليه شيكات بملايين لو مكنتش اتسددت كان زمانه مرمي في السجن من سنتين!" سلوى وقفت مذهولة، وشها اصفر وبصت لأمها: "الكلام ده بجد يا ماما؟!" حماتي بصتلها والدموع نازلة على خدها المجعد: "بجد يا بنتي… ونادية هي اللي باعت ورثها من أبوها، وباعت دهبها ودهب بنتها، وسددت جزء من ديونه علشان تفديه من الحبس، والشقة دي اتكتبت باسمها بعد ما أخوكي كان رايح يرهنها لناس بلطجية كانوا هيطردونا في الشارع!" سلوى بلعت ريقها بالعافية، بس عنادها كان لسه مسيطر عليها: "ولو ده حصل… ليه مقولتوليش؟ ليه خبيتوا عليا؟ وليه سامح يقولي كلام غير ده خالص ويقولي إن نادية هي اللي بتطرده؟" قربت من سلوى خطوة واحدة، وقلتلها بعينين مليانة غضب مكتوم: "خبينا عليكي علشان أمك مرضيتش تفضح ابنها قدامك وقدام جوزك وأهله… رضينا نشيل الهم إحنا الاتنين، وأنا أخدمها وأراعيها وأقعد أداري على خيبته وهو كل كام شهر يتصل بيا يهددني لو مبعتلوش فلوس هيعمل ويسوي!" سلوى اتراجعت خطوة لورا، باين عليها الصدمة، بس فجأة تليفونها رن. بصت في الشاشة، وشها اتغير أكتر… وقالت بصوت واطي: "ده… ده سامح بيتصل بيا دلوقتي!" حماتي اتنفضت من مكانها وقالت برعب: "اوعي تردي عليه وتقوليله إنك هنا يا سلوى!" لكن سلوى فتحت الخط بسرعة… وقبل ما تنطق، سمعنا صوت سامح طالع من السماعة وهو بينهج ومرعوب: "سلوى… الحقيني! أنا وصلت المطار ومعايا مصيبة، والناس بتوع الشيكات عرفوا طريقي ومستنيني تحت البيت عند ماما!" حكايات_منــال_عـلـي