ابي ومرضي حصري لصفحة روايات رولا

الجزء الثالث والأخير
​أبويا بلع ريقه وسكت.. النظرة اللي كانت في عينيه كانت هي المرة الأولى في حياتي اللي أشوفه فيها خايف يواجه الحقيقة.
​بصيت له بثبات وقلتله:
— فاكر يا بابا من سنتين، لما جيت وقفت قدامك في الصالون ده بالظبط، وقلتلك إن عندي سرطان ثدي محتاج علاج فوراً؟ فاكر ردك عليا كان إيه؟
​أمي اتنفضت من مكانها وقالت بلهجة فيها توتر:
— يا مريم يا بنتي، إيه لازمة فتح القديم دلوقتي؟ ظروف الفرح وقتها كانت..
​قاطعتها وأنا برفع إيدي بمنتهى الهدوء:
— استني يا أمي، أنا بسأل بابا.. فاكر قلتلي إيه يا بابا؟
​أبويا بصل للأرض ومردش، عينيه بدأت تتهرب مني.
​طلعت الموبايل من الشنطة، فتحته وحطيته في نص الترابيزة، وفتحت الفولدر.
​— يومها يا بابا أنت بصيتلي وقلتلي جملة من أربع كلمات بالضبط: “مش فاضيين للقصة دي”. وقلتلي إنكم مشغولين بجهيزات فرح أحمد، وإن أنا طول عمري جدعة وهعرف أسلك نفسي.
​أحمد اتقمص ورد بعصبية:
— أنتِ جاية تصفي حسابات وتمنّي علينا دلوقتي والأب عيان؟ ما أنتِ خفيتي وبقيتي زي الفل أهو!
​بصيت لأحمد بابتسامة سخرية وقلتله:
— خفيت بطولي يا أحمد! خفيت بعد ما بعت عربيتي، وأخدت قرض شخصي بفايدة قصمت ظهري عشان أدفع 280 ألف جنيه علاج، لأنكم قلتم مش فاضيين. خفيت وأنا في أشد ليالي المرض بستفرغ ومحدش فيكم رفع سماعة التليفون يسأل أنا حية ولا ميتة.
​دورت الموبايل ناحية أمي ووريتها السكرين شوتس:
— شوفي يا أمي.. رسالتي ليكي وأنا داخلة أول جلسة كيماوي ومرعوبة، وردك عليا بعد ست ساعات بتسأليني نختار ورد بلدي ولا ليلك عشان الفرح. شوفي المكالمات الثلاثة اللي طلبتك فيهم وأنا بموت من الوجع بالليل، ورجعتي كلمتيني الصبح تقوليلي معلش كنت في السبا!
​أمي حطت إيدها على بقها ودموعها نزلت، بس مكانتش دموع ندم.. كانت دموع إحراج.
​أحمد حاول يتدخل تاني:
— خلاص يا مريم! عرفنا إنك زعلانة، بس ده أبوكي ومحتاجنا، والمفروض أنتِ اللي تشيلي عشان أنتِ موراكيش بيت ولا عيال!
​بصيت لنورهان مراته اللي كانت قاعدة ساكتة ومبلمة، وبعدين بصيت لأحمد وقلتله:
— أنا موراياش بيت ولا عيال، بس معايا كرامة وحياة بنيتها من دم قلبي وأنا في أضعف لحظاتي. لما أنا كنت بموت، المرض بالنسبة لكم كان مجرد “حاجة هتعطل الفرح وستار هيخرب الصور”. ودلوقتي، لما المرض دخل بيتك يا بابا، افتكرتوا فجأة إن عندي أوضة وإن ليا لازمة؟
​قمت وقفت، مسكت شنطتي وموبايل، وبصيت لأبويا اللي كان جسمه كله بيرتعش.. مردتش على نبرة القسوة بتعتهم بزعيق، بل رديت بنفس النبرة البردة اللي هو استعملها معايا من سنتين.
​قلتله وأنا بصاله في عينيه مباشرة:
— “مش فاضية للقصة دي”.
​الكلمات نزلت على الترابيزة زي الصاعقة. الصالون كله اتملا بسكوت يرعب. محدش قدر ينطق ولا كلمة، ولا حد قدر يرفع عينه فيا.
​مشيت وسبتهم.. نزلت الشارع، وركبت عربيتي الجديدة.
​أول ما قفلت الباب عليا، أخدت نفس عميق جداً.. أعمق نفس أخدته في حياتي. مكانش فيه دموع، مكانش فيه وجع.. كان فيه بس راحة ونظافة بال، وحسيت لأول مرة إني أخيراً تعافيت بجد.. مش بس من السرطان، لا.. تعافيت من الوهم اللي اسمه “العيلة” اللي كانت بتدمرني.
​قفلت الموبايل، ومشيت في طريقي.
تمت

الصفحة السابقة 1 2

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *