خطيبة ابني

البيت اللي هو عايش فيه.. ملكي.
المبنى اللي فيه شركته.. ملكي.
وحتى الوديعة اللي بتصرف على أغلب مصاريف ونمط حياته كانت لسه تحت التحكم الكامل بتاعي.
مدحت خد دلع ومساعدات كتير للدرجة اللي خلاته ينسى في السكة إن ولا حاجة من دول ملكه شخصياً.
لما ليلى خلصت دهان الكرسي بالغرا، رجعت خطوة لورا وهي بتتأمل إنجازها بإعجاب.
— تخيل بس وهي بتحاول تقوم وقت الكلمة والتورته!
مدحت حط إيده على بقوه، وهو بيحاول بالعافية يخبي ضحكته.
ما نطقة ولا كلمة.
بعد ما مشيوا، مشيت في القاعة وبدلت الكراسي بكل هدوء.
كرسي ليلى حطيته مكان كرسي زينب.
وكرسي زينب حطيته جنب مدحت.
بس تبديل الكراسي ما كانش الحكاية الوحيدة اللي عملتها.
لُقط صور للغرا.
لُقط صور للكرسي.
ولُقط صور للمكان كله.
وبعدين لمحت كاميرا المراقبة المتثبتة فوق باب الخدمة اللي جنبنا.
خمسة وثلاثين سنة من المفاوضات الشديدة علموني حاجة ابني بوضوح فشل يفهمها.
الزعل والغضب بيعمل دوشة.. بس الأدلة هي اللي بتجيب العواقب والنتائج.
طلبت بالراحه من مدير القاعة إنه يحتفظ بكل ثانية في تسجيلات الكاميرات اللي مغطية الجزء ده من الصالة.
ورجعت لكرسي وقعدت قبل ما زينب تحس إنني قمت أصلاً.
بعدها بساعات، الصالة كانت بتلمع تحت الثريات والنجف الكريستال الضخم.
الويترز بيلفوا بكاسات الشربات والعصير بين الطاولات.
والمزيكا مالية المكان.
ليلى كانت قاعدة بفخر جنب مدحت، ومقتنعة تماماً إنها حظت بآخر مشهد إهانة لأم جوزها الجديدة.
وفجأة المذيع قرب من الميكروفون:
”العروسة والعريس، اتفضلوا قوموا وقفوا.”
مدحت زق كرسيه لورا ووقف.
ليلى حاولت تحصل وتقوم وراه.
صوت مزيع وتقطيع عالي رن في الصالة فجأة!
ابتسامتها طارت في ثانية.
ضهر فستانها المصمم الغالي فضل ملزوق بحرارة في الكرسي القطيفة، وفي كم خياطة اتفكت واتمذعت وهي بتحاول تقوم بالقوة!
الناس في القاعة أطلقت شهقات ذهول.
حد جنبنا وقع الشوكة من إيده على الأرض.
ليلى مسكت مفرش الترابيزة اللي وراها بلهفة وهي بتحاول تداري الفضيحة والقطع، ووشها بقى أحمر زي الطماطم.
وبعدين عينيها زاشت في الصالة كلها…
ولحد ما وقفت عليا.
رفعت كاس العصير بالراحه…
وابتسمت.
هي فهمت في ساعتها.
أنا اللي بدلت الكراسي.
بس ليلى كانت فاكرة إن فستان الفرح اللي باظ ده هو أسوأ حاجة ممكن تحصلها في الليلة دي.
كانت غلطانة.
الغرا ده كان مجرد البداية بس…
الوديعة اللي بتصرف على أغلب مصاريف ونمط حياته؟
كانت برضه تحت تحكمي وسلطتي.
هو اتعود على المساعدات للدرجة اللي خلاته ينسى بوضوح مين اللي كان بيمده بالفلوس دي أصلاً.
راقبت ليلى وهي بتخلص فرد الغرا على الكرسي بتاع زينب.
وبعدين رجعت خطوة لورا وهي بتتأمل إنجازها بإعجاب.
وقالت: “تخيل بس وهي بتحاول تقوم وقت الكلمات والخطب!”
مدحت حط إيده على بقوه عشان يخبي ضحكة ثانية.
أنا استنيت.
وفي الآخر مشيوا وخرجوا من القاعة.
ساعتها بس أنا قربت من المكان.
ما نظفتش الكرسي…
أنا بدلت الكراسي!
بعد ما الفرح خلص والناس بدأت تمشي وليلى مكسورة ومفضوحة بالفستان المتمزع، مدحت جه يزعقلي بعصبية وهو وشه أحمر من الغضب:
— أنت إيه اللي عملته ده يا بابا؟! أنت بوظت فرحنا وفضحت ليلى قدام الناس كلها!
بصيتله ببرود وقلتله:
— اللي يزرع الشوك ما يستناش يجني ورد يا مدحت. أنت ومرتك كنتوا عايزين تهينوا أمك قدام الكل، وأنا بس رجعتلكم بضاعتكم.
ليلى خرجت بتعيط وبتصرخ:
— أنت راجل مفترس! ومش هنسهالك.. وهتدفع ثمن الفستان ده غالي أوي!
ابتسمت وقربت من مدحت وقلتله بصوت واطي ومسموع ليهم هما الاتنين:
— الفستان ده لا يذكر جنب اللي هيحصل من بكرة الصبح.
تاني يوم الصبح، مدحت رايح شركته، اتفاجأ بإن أمن المبنى مانعينه يدخل.
— في إيه يا جاد؟ أنت مش عارف أنا مين؟!
— أسف يا مدحت بيه، صاحب المبنى أستاذ إبراهيم أصدر أوامر بمنع دخولك، وكمان تم التحفظ على المقر لعدم سداد الإيجار.
مدحت اتصدم وما بقاش فاهم حاجة.. كلمني بسرعة:
— بابا! المبنى بتاع الشركة قفلوا في وشي وبيقولوا إنك صاحب المبنى؟!
— أيوة يا مدحت.. المبنى ملكي، والفيلا اللي قاعد فيها ملكي، والوديعة اللي بتصرف منها على لبس ليلى وعربيتها أنا اللي قفلتها النهاردة الصبح.
مدحت لسان اتعقد:
— يعني إيه؟ أنت بترميني في الشارع عشان خاطر موقف عبيط؟!
— لا، مش عشان موقف عبيط.. عشان أنت نسيت نفسك ونسيت من خير مين عايش، واسترخصت أُمك اللي رهنت شاليتها عشان تقومك على حيلك. قدامك 24 ساعة تفضي الفيلا لأن عقد الإيجار اتلغى.
ليلى لما عرفت إن العز والفيلا والفلوس طاروا في لحظة، وإن مدحت أصلاً حيلتهوش حاجة وكل اللي كان فيه كان من خير أبوه، بدأت الخناقات بينهم تزيد بشكل يومي.. اتهامات بالهبل وإهانات، لحد ما طلبت الطلاق وخلعته بعد ما أدركت إن “العز” اللي كانت عايشة فيه يخصني أنا مش يخصه.
أما مدحت، فجالي بعد شهرين، شكله مهدود وهدومه دبلانة، وقعد تحت رجلين أمه يتباكى ويطلب السماح.
زينب قلبها حن كعادة الأمهات، بس أنا كنت حاسم:
— السماح عند ربنا.. إنما الفلوس والشركات؟ هتبدأ من الصفر يا مدحت، وهتشتغل بجهدك عشان تعرف قيمة القرش وقيمة الأصول اللي اتخليت عنها عشان شوية فشخرة كدابة.
ومن يومها، يتعلم الدرس اللي كان لازم يتعلمه من زمان: إن العيلة والأصل هما السند الحقيقي، وأن الغرور نهايته دايماً في القاع.





