لما اكبر

حتّى بنفسه. كلّ اللي سمعه هو صوتها الخاڤت اللي رنّ في ودانه كالجرس الثقيل هو مستني ياخد إخواتي.
نزل عليها ببطء، وعيناه ما فارقتا عيناها اللي مليانة خوف حقيقي، خوف ما يتعلّق بطفلة في سنّها أبدًا. سألها بصوت حاول يخليه هادئ ومش مرعب
مين هو يا فالنتينا؟ وماله ياخدهم؟
شدّت على إيده أكتر، صوابعها الصغيرة اللي باردة كالجليد ڠرقت في كفّه الكبير. دمعة نزلت على خدّها ومسحتها بكمّ فستانها الممزوق بسرعة، كأنّها بتخجل إنّها تضعف قدّامه.
هو اللي كان بيجي ياخد من ماما الفلوس كل ما كان معاها حاجة قالت بصوت مرتجف و لما ماما وبابا ماتوا، قال إنّهم مديونين له، وإنّ دول حقّه ياخدهم يبيعهم للي عايزهم.
كلمة يبيعهم نزلت على قلبه كصخرة سوداء. شعر بدمّه يغلي في عروقه، الڠضب اللي ما كان يعرفه من زمان، الڠضب النقي اللي مش لصالحه ولا لمنفعته، بس لظلم بيقع على ضعاف ما لهم حيلة. لفّ راسه ببطء ناحية الباب، والراجل اللي واقف هناك كان لسه واقف، بس عينه بتتحرّك بقلق، واضح إنّه خاېف إنّ أحد يشتغل عليه.
أليخاندرو كان راجل مش هينام لو ساب الحكاية دي تمشي قدّام عينيه. مسك تليفونه بسرعة واتّصل برجله اللي كان موكّله يتابع الحاجات دي، بصوت منخفض أمره
تعالى ليّ قدّام السوبر ماركت دلوقتي، وبعت معاك اتنين من الرجّال اللي نثق فيهم، واجيبوا معاكم أوراق رسمية وأيّ حاجة تثبت إنّنا نقدر نحمي أطفال. واجيبوا بسرعة، قبل ما يخرج حدّ من هنا.
قفل التليفون ولفّ لفالنتينا اللي كانت لسه متشبثة بإيده كأنّها طير صغير وقع من عشه. ابتسم لها بس الابتسامة دي كانت مختلفة، فيها حزم وأمان
اسمعيني كويس يا فالنتينا قال لها وهو يمسح على شعرها المتشابك برفق أنا مش هسمح لحد ياخد إخواتك منك. ولا حدّ يقدر يأذيّكم طول ما أنا معاكم. واثقة فيّ؟
بصّت له بترقّب، كأنّها بتفتّش في وشه عن كڈبة أو خدعة، بس ما لقتش غير جدّية وصدق غريبين على اللي شافته في حياتها القصيرة. هزّت راسها ببطء، ودمعة تانية نزلت وقالت
واثقة.
سحبها وراه ببطء، مش ناحية الباب، بل ناحية مكتب المدير اللي كان واقف متلجلج من اللي شافه. لمّا دخلوا، أليخاندرو قفل الباب وراهم، وقال للمدير بلهجة حازمة ما فيها مجال للنقاش
في راجل واقف بره الباب، واضح إنّه بيحاول يأخذ هؤلاء الأطفال من غير وجه حقّ. أنا هحميهم، ولو سأل حدّ قول لهم إنّهم معايا أنا أليخاندرو مونتالفو. وما تخلّيش حدّ يخش عليهم.
المدير لسه مش فاهم حاجة، بس اسم أليخاندرو مونتالفو كان اسم يهتزّ له السوق كلّه، فما تردّدش وقال
حاضر يا سيّدي أليخاندرو، اللي تؤمر بيه. هنأمّن الباب كويس.
خلال ربع ساعة بس، كانت سيّاراته وصلت، ورجاله نزلوا بسرعة واتّخذوا مواقعهم. الراجل اللي كان مستني بره لمّا شاف العربيات والرجّال اللي نزلوا بملابس رسمية، فهم إنّ الحكاية مش سهلة، وإنّ الفرصة سابت من إيده، فانسحب ببطء واختفى في الزحمة من غير ما يحدّ نفسه.
لمّا اتأكّد أليخاندرو إنّه ما عادش موجود، رجع لفالنتينا اللي كانت قاعدة على كنبة صغيرة جوه مكتب المدير، وحطّ الطفلين جنبها نايمين. قعد قدّامها وقال
الراجل ده مش راجع تاني. هو خاف ومشى. أنا كلمت ناس، وهم هيتأكّدوا إنّه ما يقربّلكم تاني أبدًا.
بصّت له ولم تتكلّم، بس شفتيه ارتجفتا بابتسامة صغيرة جدًا، كأنّها لأوّل مرة تحسّ بالأمان من بعد مۏت أهلها.
وهنروح فين دلوقتي؟

الصفحة السابقة 1 2 3 4الصفحة التالية

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *