خاطرت بحياتي وانقذت

شريف المنياوي…
الراجل اللي ماسك تجارة الميناء، والبيزنسات المشبوهة، وليه نفوذ يخلي ناس كتير في الحكومة نفسها تعمل له ألف حساب.
اللي يقف قصاده… يختفي.
واللي يخونه… محدش يسمع عنه تاني.
وأنا…
أنا اللي لسه منقذه من الغرق.
فتح عينه بالعافية، وبص حواليه بنظرة خلت كل رجالته يطاطوا راسهم.
قال بصوت حاد:
“مين اللي طلعني؟”
ولا واحد رد.
جمعت شجاعتي، وقلت:
“أنا.”
واحد من الحرس بص لرجلي الحافية، وضحك باستهزاء.
لكن المعلم شريف… ما ضحكش.
قرب مني خطوة، والمية بتنزل من بدلته.
وبصلي في عيني وقال:
“اسمك إيه يا ولد؟”
قلت:
“يوسف عبد الرحمن.”
أول ما سمع اسم العيلة…
ملامحه اتغيرت فجأة.
مسكني من دقني، وفضل يبصلي كأنه شاف شبح قدامه.
واحد من رجالته الكبار قال بصوت واطي:
“يا معلم… ده يبقى حفيد الحاجة أمينة.
.. بس إحنا كنا فاكرينه مات من زمان!”
جسمي كله اتجمد.
المعلم شريف قرب مني أكتر، وقال بصوت واطي محدش غيري سمعه:
“جدتك… ما ماتتش بالطريقة اللي قالوهالك.”
قبل ما أستوعب قصده، لف لرجالته وقال بكل هدوء:
“هاتوا الواد… يركب العربية.”
بصوت متهدج، سألته وعيني متسعة بالرعب:
“قصدك إيه؟! جدتي ماتت بمرض في صدرها.. أنا كنت معاها!”
المعلم شريف فتح باب العربية الفخمة بيده، وغمز لي برأسة وقال ببرود مرعب:
“العربية فيها تكييف ودفايات.. اركب يا يوسف، وورانا كلام كتير أوي. واللي هتعرفه دلوقتي هيهز أرض مصر كلها تحت رجليك.”
ركبت وسط ريحة الجلد الطبيعي والعطور الغالية اللي أول مرة أشامها، والعربيات تحركت في موكب مهيب كأنه وفد رئاسي. السواق كان بيسوق في صمت تام، وشريف قاعد جنبي بيبص قدامه بشرود، لحد ما دخلنا فيلا عملاقة محاطة بأسوار عالية في منطقة هادئة على أطراف الجيزة.
دخلنا قاعة استقبال فخمة، الريحة فيها كانت بخور قديم وكتب جلدية. شريف قعد على كرسي جلدي كبير، وشاورلي أقعد قدامه، ونادى على واحد من الحرس قاله:
“هات للولد لبس جديد حالاً، واكل سخن.. فورا!”
بصلي وقال بصوت هادئ:
“جدتك، الحاجة أمينة، ما كانتش مجرد ست بيت عادية زي ما كنت فاكر. زمان، قبل ما تتولد بسنين طويلة، كانت هي العقل المدبر لكل حاجة.. العقل اللي بنى الإمبراطورية دي من أساسها. كانت شريكتي في كل خطوة، والست الوحيدة اللي قدرت تقف قدامي وتقولي لأ لما كنت بغلط.”
بلعت ريقي بصعوبة وسألته:
“مالها؟ إيه اللي حصلها؟”
ابتسم ابتسامة حزينة ومليانة غضب مكتوم، وقال:
“لما قررت تنسحب وتعيش حياة بسيطة وشريفة، في ناس اعتبروا إن أسرارنا كلها راحت معاها. المرض اللي قالولك ماتت بيه؟ ده مش حقيقي.. دي كانت سُمة بطيئة اتدبرت بليل عشان يخلصوا منها ومن نفوذها اللي خافوا يرجع في يوم. وأنا.. أنا دورت عليها سنين لحد ما فقدت الأمل، وفاكر إنهم خلصوا عليها وعلى عيلتها كلهم.”
وقفت فجأة من على الكرسي، ودموعي نزلت غصب عني، حسيت إن النار ولعت في صدري:
“يعني… يعني هما اللي قتلوا جدتي؟!”
وقف شريف قدامي، وحط إيده الاتنين على كتفي بقوة، ونظرة عينيه اتحولت من تاجر س\لاح بارد إلى أب بيثأر:
“مش بس هما.. دول نفس الناس اللي ماسكين مناصب كبيرة دلوقتي، وبيحاولوا يوقعوني عشان يسيطروا على الميناء بالكامل. والنهارده.. لما القدر رماك في طريقي وأنقذتني، ده معناه إن اللعبة انتهت، ووقت الحساب جه.”
فتح درج مكتبه، وطلع ملف قديم أصفر اللون، وطلع منه صورة لجدتي وهي شابّة وواقفة وجنبها شاب تاني ملامحه قريبة أوي من ملامحي، وحط جنبها مسد\س مرصع بالذهب ومفاتيح خازنة سرية تحت الأرض.
وقال لي بصوت حاسم:
“الدم اللي في عروقك ده مش دم شحاتين يا يوسف. دي دماء أقوى عقل عرفته أباطرة مصر. قدامك اختيارين: ترجع للشوال والترعة وتعيش خايف، أو تلبس بدلة ابوك وجدتك، وتدخل معايا الحرب دي.. مش عشان الفلوس، بس عشان تجيب حق الست اللي ربتك.”
بصيت للمسد\س, وبعدين بصيت للملف، ولمست صورة جدتي بحنان. مسحت دموعي بإيدي، ورفعت عيني في عين المعلم شريف وقلت بنبرة ثابتة غيرت صوت الطفل تمامًا:
“أنا عمري ما مديت إيدي على حاجة مش بتاعتي.. بس حق جدتي، ده أغلى
وأطهر حاجة في الدنيا دي كلها. أنا معاك.”
ابتسم شريف ابتسامة واسعة، وضرب كف على كف وقال:
“على بركة الله.. أهلاً بيك في عالم الكبار يا سي يوسف.”





