شقا عمري ل نور محمد

حكاية شقا العمر والانتصار الصامت
منذ اللحظة الأولى التي وضعت فيها قَدَمي في شقة الزوجية قبل سبع سنوات، كنت أظن أنني لا أبني جدرانًا من الطوب والخرسانة، بل كنت أؤمن بكل جوارحي أنني أشيّد حصنًا من الحب والأمان يحميني ويحمي عائلتي المستقبلية من غدر الأيام. أنا منى، مهندسة ديكور، أبلغ من العمر الآن أربعة وثلاثين عامًا، عشت سبع سنوات كاملة أتنفس فيها طموحًا لم يكن طموحي، وأحارب في معارك لم تكن معاركي، بل كانت معارك زوجي طارق. طارق الشاب البسيط الذي ارتبطت به وهو لا يملك في جيبه سوى راتب وظيفة حكومية متواضعة، لكنه كان يملك لسانًا معسولاً، ووعودًا براقة انطلت على قلبي الذي كان يعاني من حب أعمى غيّب عقلي تمامًا عن الواقع وقوانينه الجافة.
عشت تلك السنوات أطحن نفسي في مطحنة الحياة اليومية؛ كنت أستيقظ في السادسة صباحًا لأتوجه إلى عملي الأساسي في شركة مقاولات كبرى، وأقضي ساعات النهار بين التصاميم والمواقع ومتابعة العمال تحت أشعة الشمس الحاړقة والغبار. ولم يكن طموحي ينتهي بانتهاء ساعات العمل الرسمية، بل كنت أعود إلى المنزل لأبدأ نوبة عمل أخرى كمصممة حرة فري لانس حتى الساعات الأولى من الفجر. كل هذا الجهد الموتور، وكل تلك الليالي التي حُرمت فيها من النوم، لم تكن لأجل رفاهيتي الخاصة، بل كانت تذهب بالقرش والدينار إلى حساب مشترك كان طارق يديره لشراء قطعة الأرض التي حلمنا بأن تكون بيت العمر وعمارتنا السكنية التي سنؤمن بها مستقبل أطفالنا.
تضحيات بلا حدود تحت مسمى الأصالة
لم يتوقف الأمر عند حدود تسليم راتبي بالكامل، بل إنني في السنة الثانية من زواجنا، وعندما تعثر طارق في دفع القسط الثاني لثمن الأرض وكدنا نخسر كل شيء، لم أتردد للحظة واحدة في خلع شبكتي الذهبية، ومصوغاتي التي ورثتها عن والدتي الراحلة، وبعتها بالكامل دون ندم، واضعة ثمنها في يده قائلة له بابتسامة تملؤها الثقة كل شيء يعوض يا طارق، الذهب يعوض، والمال يعود، لكن حلمنا يجب ألا ېموت. كان يمسك يدي وقتها وينظر في عيني بنظرة ظننتها امتنانًا وعرفانًا، وكان يقبل رأسي ويعدني بأنني سأكون ملكة هذه العمارة، وأن كل شبر فيها سيكون باسمي مناصفة معه.
كنت أسترخص اللقمة والملبس على نفسي، أرتدي ملابس العمل البسيطة لسنوات دون تجديد، وأرفض الخروج للمطاعم أو السفر للتنزه، وكلما عاتبتني صديقاتي أو قريباتي على إهمالي لنفسي وشبابي، كنت أجيبهن بكبرياء امرأة تظن أنها تصنع مجد عائلتها مش مهم التعب دلوقتي.. بكرة نكبر سوا ونسلط عيالنا في ملكنا، الشقا في الأول بيجيب راحة في الآخر. وكم كنت أتشدق بكلمات الثناء التي كنت أسمعها من المحيطين بي، وخاصة من عائلة طارق وجيرانه وهم يقولون لي يا منى إنتي ست أصيلة وبمية راجل. كانت كلمة أصيلة تنزل على قلبي كالمخدر، تسكن أوجاع جسدي المرهق، وتدفعني لمزيد من العرق والټضحية، دون أن أدرك الحقيقة المرة التي تصفع وجوه الغافلين في مجتمعنا أن الأصل الزائد عن حده، عندما يتجرد من الحذر والقانون، يتحول فورًا إلى سذاجة مطلقة يستغلها الذئاب بشړية الملامح.
صدمة المطبخ والۏجع الحقيقي
وجاء اليوم الفاصل الذي انقشعت فيه الغمامة عن عيني پعنف قطّع نياط قلبي. كنت راجعة من عملي في منتصف النهار قبل الموعد المعتاد بثلاث ساعات؛ كنت أشعر بإعياء شديد ودوار لم أستطع معه إكمال الإشراف على أحد المواقع. دخلت الشقة بهدوء تام مستخدمة مفتاحي الخاص، ولم أكن أريد إيقاظ طارق إن كان نائمًا أو إزعاجه إن كان مشغولاً. توجهت إلى المطبخ بخطوات خفيفة لأعد كوبًا من الشاي الدافئ لعلي أستعيد بعضًا من قواي. وفي تلك اللحظة، كان الصمت المحيط بالشقة كفيلًا بنقل صوت طارق القادم من الصالة بوضوح شديد. كان يتحدث في الهاتف، ولم يكن الحديث عاديًا، بل كان يضع المكالمة على خاصية مكبر الصوت السبيكر، والطرف الآخر لم يكن سوى والدته، حماتي التي كنت أظنها في مقام أمي.
سمعت صوت حماتي وهي تقول بنبرة تملؤها الريبة والقلق الأمومي الموجه لمصلحة ابنها فقط
يا طارق يا بني، أنا بسألك وعايزاك تفتح عينك.. إنت مش خاېف منى تطلب منك تكتب نص العمارة باسمها بعد ما تخلص؟ البنت دافعة معاك ډم قلبها، وبيعالها دهبها وشغالة ليل نهار في شغلانتين، والناس كلها عارفة إنها شريكة معاك في كل قرش.





