تركوها في وسط الطريق حكايات صافي هاني

ومرت الأيام، وطارق بقى عايش معانا في الأوضة الجوانية، بنراعي ربنا فيه وبنقدّم له لقمته وعلاجه بكرامة، بس كان دايماً حاسس بالغربة والكسرة وسطنا. كان يشوف مريم وهي رايحة كليتها، والناس في المنطقة بتشاور عليها باحترام ويقولوا “دي دكتورة مريم بنت الست الأصيلة”، فكان يداري وشه ويدخل أوضته ويبكي من الندم لأنه حرم نفسه من الشرف ده بإيده.

​وفي يوم، مريم دخلت عليا والڤرحة مش سايعاها، وقالت لي: “يا أمي، أنا جالي جواب تعييني رسمي في الجامعة، والمفاجأة الكبيرة إنهم اختاروني لبعثة في الخارج عشان أكمّل الدكتوراه.. بس أنا مش هسافر ولا هتحرك خطوة من غيرك، إنتِ اللي هتسافري معايا وتعيشي معايا هناك”.

​لما طارق سمع الكلام ده، طلب يقعد معانا، وبص لمريم ودموعه نازلة وقال لها: “سافري يا بنتي مع أمك وتمنوا حياتكم.. أنا ربنا كرمني بمسامحتكم ليا، وده كان كتير عليا.. أنا هطلب منكم طلب أخير، أنا ليا قريبة في البلد ست غلبانة، هروح أعيش معاها اللي باقي من عمري في هدوء، ومش عاوز أكون حمل عليكم أكتر من كده.. بس أمانة عليكي يا مريم، اوعي تنسي أبوكي من دعائك”.

​مريم طيّبت خاطره وقالت له: “ربنا يسامحك يا بابا، وإحنا مش هنسيبك برضه، ومصاريفك وعلاجك هتوصلك لحد عندك كل شهر”.

​وفعلاً، سافرت أنا ومريم، وفتحت صفحة جديدة في بلد جديدة كلها نجاح وتوفيق من عند ربنا. مريم بقت من أكبر الدكاترة في مجالها، وأنا كنت قاعدة معاها في بيتها الجديد، بيبص من الشباك وبحمد ربنا على عوضه الكبير.

​المرض اللي كان هيموتني زمان، ربنا جعل فيه سببي عشان أشوف معدن بنتي الحقيقي، والفقر والقلة اللي عشناهم بقوا هما السبب في عزنا ودلوقتي. القصة مش قصة عربية فخمة ولا فلوس في البنك.. القصة قصة “أصل ودين وصبر”، ومن يتقِ الله يجعل له مخرجاً ويرزقه من حيث لا يحتسب. ودلوقتي بنتي بتختم رسالة الدكتوراه بتاعتها بإهداء مكتوب فيه: “إلى أمي.. البطلة التي حاربت الموت لتمنحني الحياة”.

الصفحة السابقة 1 2 3 4 5

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *