تركوها في وسط الطريق حكايات صافي هاني

​سبحان من يعز من يشاء ويذل من يشاء.. اللي بيبيع في الشدة، الدنيا بتدور وبتبيعه في الآخر، واللي بيصبر ويرضي ربنا، ربنا بيكرمه ويرفع شأنه في الدنيا والآخرة. وعرفت وقتها إن مفيش أغلى من الضنا لما يتربى على الأصول والدين، وأنا وبنتي عشنا في ستر ورضا، وبقت قصتنا درس لكل الناس إن الحق دايماً بيكسب في النهاية.

 

وتمر السنين، ومريم كبرت وبقت معيدة في الجامعة، وكل يوم مكانتها بتكبر في نظر الكل، مش بس عشان شطارتها، لا عشان أدبها وأصولها اللي اتربت عليها. وكل ما كانت تكبر وتنجح، كانت تزيد تمسك بيا وبرضايا، ومبقتش تروح مكان ولا تاخد خطوة في حياتها إلا وهي بتستأذني وتبوس إيدي وتقولي: “دعاكي هو اللي ممشيني يا أمي”.

​وفي يوم، واحنا قاعدين في بيتنا وبنشرب الشاي سوا، الباب خبط. مريم راحت تفتح، ولقيتها وقفت مكانها فجأة وملامحها اتغيرت. قمت براحة أشوف في إيه، ولقيت راجل عجوز، ضهره محني، وهدومه دبلانة، وشه شاحب وباين عليه المرض والكسرة.. مكنتش مصدقة عيني.. ده طارق!

​بص لنا والدموع في عينه، وبصوت مرعش ومكسور قال: “سامحوني.. أنا جاي وطمعان في رضاكم.. الدنيا دارت عليا والكل سابني، ومبقاش ليا حد في الدنيا دي غيركم.”

​مريم بصت لي، وكأنها بتسألني بعينها: “هنعمل إيه يا أمي؟”

​رغم كل الوجع والمرور اللي شفته بسببه، افتكرت إننا ولاد أصول، والدين بيعلمنا العفو عند المقدرة، وأن ربنا سبحانه وتعالى عفا عنا وشافاني، ومينفعش نقابل الكسرة بالشـماتة. بصيت ل مريم وهزيت رأسي بهدوء.

​مريم فهمت نظرتي، وبصت لأبوها وقالتله بنبرة هادية بس قوية: “ادخل يا بابا.. احنا مش هنطردك، والبيت ده طول عمره مفتوح بالستر والبركة. هنقوم بالواجب معاك عشان ربنا وعشان أصلنا، بس أوعى تفتكر إن وجودك هيغير مكانة أمي، أو ينسينا إنها هي اللي بنت وهي اللي صانت لما أنت بعت.. أنت ضيف في بيتنا، وأمكرم عشان خاطر صلة الرحم وبس.”

​طارق قعد وبكى بحرقة، وعرف إن العز الحقيقي مش بالفلوس ولا بالعربيات الفخمة، العز هو البيت الصالح والضنا اللي بيتربى على طاعة ربنا والرحمة.

​ومن يومها، عشنا في سلام.. ربنا كرمني بشفائي، وبنتي رفعت راسي وشرّفتني بأخلاقها ونجاحها، وأبوها عاش اللي باقيله من عمره ندمان تحت ظل كرمنا. ودي كانت نهاية حكايتنا.. إن اللي بيتقي الله ويصبر على الابتلاء، ربنا بيعوضه عوض ينسيه كل مرار عاشه، وبيخليه يشوف عدله ورحمته في الدنيا قبل الآخرة.

الصفحة السابقة 1 2 3 4 5الصفحة التالية

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *