امي سرقت فلوس عمليتي حكايات صافي هاني

وفجأة، شفتهم.
على رصيف المحطة، كانت واقفة أمي وكلوي. المظهر والوجاهة بتوع زمان اتمسحوا تماماً. أمي كبرت وعجزت وشعرها بقى أبيض، وكانت شايلا أكياس بلاستيك تقيلة وبتكح. وكلوي كانت واقفة جمبها، ملامحها مجهدة، ولابسة هدوم بسيطة جداً وقديمة، وبتتخانق مع سواق ميكروباص عشان مش راضي يركبهم قبل ما يدفعوا الأجرة مقدم.
وقفت بعيد وبصيت عليهم. مكنش فيه جوه قلبي أي غضب، ولا رغبة في الانتقام، ولا حتى شماتة. كان فيه فراغ تام.. كأني ببص على ناس غرباء عمري ما شفتهم قبل كده.
كلوي وهي بتلف وشها شافتني. عينيها وسعت، ونغزت أمي في كتفها. أمي لفت وبصتلي، والدموع اتملت في عينيها. خطوا خطوتين ناحيتي كأنهم هيجروا عليا يطلبوا سماح أو مساعدة.
أنا من غير ما أتردد ثانية واحدة، عدلت اللياقة بتاعة الجاكيت العسكري بتاعي، ولفيت وشي الناحية التانية ببرود، ومشيت وسط المطر من غير ما أبص ورايا.
الدرس اللي اتعلمته في أوضة الطوارئ كان غالي أوي، ومكنتش مستعدة أضيعه تاني. في ناس وجودهم في حياتك بيكون عبارة عن نزيف، وعشان تعيش.. لازم تقطع النزيف ده من جذوره.
قفلوا ورايا باب العربيتة الجديدة، دورت المحرك، وطلعت في طريقي.. وأنا عارفة إن هاربر مش هتقع تاني أبداً.
السنين جرت بسرعة، وحياتي بقت مستقرة وناجحة بشكل مكنتش أحلم بيه. الشغل بتاعي كبر، وبقيت بلقي محاضرات وتدريبات في مجالي، واسمي بقى معروف وله هيبته. نسيت الماضي تماماً، ودفنت كل الذكريات القديمة تحت ضغط الشغل والنجاح وبناء حياتي الجديدة.
في يوم من الأيام، كنت معزومة في حفلة تكريم ضخمة لرجال الأعمال والشخصيات العامة بفندق كبير في القاهرة. كنت لابسة فستان شيك جداً، وواقفة بتكلم مع زمايلي في العمل والدكتور هايز اللي بقى صديق مقرب ليا من وقت الأزمة دي.
وإحنا واقفين بنضحك، عيني جت على باب القاعة الخلفي الخاص بالخدمة وتجهيز الأكل. شفت
بنت شابة لابسة لبس عمال النظافة والتجهيزات Catering، كانت شايلة صينية تقيلة وماشية بيها وضهرها محني من التعب.
لما لفت وشها عشان تحط الصينية على الترابيزة… اتصدمت. دي كانت كلوي.
ملامحها كانت ذبلانة، وإيديها اللي كانت دايماً معمولة مانيكير ومبتشيلش قشاية، بقت خشنة ومتبهدلة من الشغل ومسح الأرضيات. مكنتش مصدقة إن الدنيا دارت لفيتها، وإن أختي اللي كانت عايزة تعمل فرح ملكي على حساب حياتي، بقت شغالة في قاعة أفراح وبتخدم في الحفلات عشان تلاقي لقمة العيش ليها ولأمي.





