جبت بنت صغيره

جبت بنت صغيرة لقيتها مرمية وسط الزبالة عشان تكشف على مراتي، اللي بقالها سنتين مش بتتحرك.
لكن أول ما شافت إزازة الدوا في إيد الدكتور، صرخت بكل قوتها
إبعد الإزازة دي عنها! ده سم!
وقبل ما حد يلحق يستوعب، خبطت إيد الدكتور، والإزازة وقعت على الأرض واتكسرت.
أنا ما اتخانقتش، وما سألتش البنت عرفت منين.
كل اللي عملته إني لمّيت قطع الإزاز من الأرض وحطيتها في كيس، واتصلت بمعمل تحاليل خاص.
وفي نفس الليلة عرفت الحقيقة اللي خلتني أندم على كل يوم صدقت فيه كلام الدكاترة.
وعرفت كمان مين اللي كان ورا كل اللي حصل لمراتي.
ما تديهاش الحقنة دي!
صرخت وأنا بجري ناحية السرير، لكن البنت كانت أسرع مني.
الحكاية كلها بدأت الصبح، في أرض كبيرة على أطراف مدينة العاشر من رمضان، شركتي كانت لسه شاريّاها عشان نبني عليها مشروع سكني جديد.
حسب الخرائط والأوراق، الأرض كانت فاضية ونضيفة ومجهزة للبناء.
لكن أول ما روحت أشوفها بنفسي، لقيت منظر تاني خالص.
المكان كان مقلب زبالة كبير.
كاوتش عربيات محروق، مراتب قديمة غرقانة في المية، شكاير سودا مفتوحة والكلاب بتنهش فيها، وصناديق خشب مكسرة، وريحتها كانت خانقة لدرجة إنها بتلزق في الزور.
أنا محمود الدمنهوري.
بقالي أكتر من عشرين سنة شغال في المقاولات والعقارات.
شفت مشاكل كتير.
اتخانقت مع مقاولين، دخلت في قضايا، خسرت صفقات وكسبت أضعافها، وشفت مصايب من النوع اللي الواحد ما يتخيلش إنها تحصل.
بس عمري ما شوفت حاجة زي اللي حصلتلي اليوم ده.
وأنا ماشي حوالين الأرض، لمحت حاجة ورا تلاجة قديمة مصدية، كانت مرمية على جنب.
عينين.
عينين طفلة صغيرة بتبصلي من وسط الزبالة.
وقفت مكاني.
قربت واحدة واحدة.
كانت بنت عندها حوالي ست سنين، جسمها هزيل، لابسة بلوفر واسع عليها كأنه مش بتاعها، ورجليها فيهم جزمتين مش شبه بعض.
وشها كان مليان تراب.
شعرها متلبك.
لكن الغريب إنها ما كانتش بتعيط.
ولا بتطلب مساعدة.
ولا حتى بتتكلم.
كانت بس بتبصلي.
بصة غريبة كأنها بتحاول تعرف أنا إنسان كويس ولا واحد تاني هيأذيها.
نزلت لمستواها وقلت بهدوء
اسمك إيه يا حبيبتي؟
ما ردتش.
إنتِ سامعاني؟
برضه ولا كلمة.
مديت إيدي ناحيتها.
فضلت باصة لإيدي فترة طويلة، وبعدها، ببطء شديد، طلعت صوابعها الصغيرة من جوه كم البلوفر.
مسكت صباعي.
إيدها كانت ساقعة بشكل يخض.
لكن مسكتني بقوة غريبة على طفلة بالحجم ده.
اتصلت بالشرطة، وبلغتهم إني لقيت طفلة في المكان.
لكن قبل ما ياخدوها لأي جهة، قلت لازم الأول تتكشف عند دكتور.
وساعتها افتكرت أحسن مكان أعرفه.
مستشفى النخبة التخصصي في مصر الجديدة.
المستشفى اللي مراتي، سلمى، كانت عايشة فيه بقالها تقريبًا سنتين.
سلمى كان عندها سبعة وتلاتين سنة لما عملت حادثة عربية على طريق السويس.
العربية اتقلبت بيها، وإصابتها في المخ كانت شديدة.
الدكاترة وقتها قالولي إن حالتها معقدة، وإنها ممكن تفضل من غير حركة لفترة طويلة.
لكن كل كام شهر كانوا يقولولي نفس الجملة
في تحسن بسيط محتاجين نصبر.
وأنا صدقتهم.
دفعت فلوس علاج وتأهيل وأدوية مستوردة، وعملت لها جلسات علاج طبيعي، وفحوصات وتحاليل، وكنت بدفع تمن أوضتها الخاصة اللي كان ممكن يجيب شقة كاملة في مكان محترم.
كل ليلة تقريبًا كنت بروح أقعد جنبها.
أكلمها.
أحكيلها عن الشغل.
أحكيلها عن الناس اللي قابلتهم.
وأحيانًا كنت بقعد بالساعات من غير ما أتكلم، بس أمسك إيدها وأفضل مستني أي حركة.
أي إشارة تقول إنها لسه معايا.
وفي اليوم ده، أول ما وصلت المستشفى والبنت معايا، مدير المستشفى نفسه نزل يستقبلني.
الدكتور شريف العشماوي.
راجل في أوائل الخمسينات، دايمًا لابس بدلة شيك، وكلامه محسوب، وابتسامته ما بتفارقش وشه.
بص للبنت باستغراب وقال
محمود؟ إيه المفاجأة دي؟ ومين البنت الصغيرة دي؟
قلتله
لقيتها في مقلب زبالة جنب الأرض بتاعتي. ومش عارف أهلها فين. خلّي دكتور الأطفال يكشف عليها الأول، وأنا هدفع كل اللي تحتاجه.
الدكتور بص لها من فوق لتحت.
لكن أول ما واحدة من الممرضات حاولت تاخدها مني، البنت اتشدت في إيدي جامد.
بدأ جسمها يرتعش.
قلت للممرضة
سيبيها.
الدكتور شريف ابتسم وقال
خليها معاك. طالما ارتاحت لك، ما نستعجلش عليها.
وبعدين قال
وإنت طالع تشوف سلمى، خدها معاك. يمكن وجود طفلة جنبها يساعدها نفسيًا.
ما كنتش أعرف ليه كلامه خلاني أحس بحاجة غريبة.
لكن ما علقتش.
طلعت على الدور التالت.
الأوضة رقم ٣١٢.
دخلت.
سلمى كانت زي ما هي.
نايمة على السرير.
جسمها ساكن.
عينيها مفتوحة، لكن من غير ما تقدر تحرك باقي جسمها.
قربت منها وقعدت جنبها.
وحشتيني يا سلمى.
البنت كانت واقفة ورايا.
فجأة سابت إيدي.
مشيت ناحية السرير.
قربت من سلمى.
وبعدين عملت حاجة محدش في الأوضة كان متوقعها.
مدت إيدها الصغيرة
وحطتها فوق إيد سلمى.
أنا بصيت عليهم.
وفي اللحظة دي
صوابع سلمى اتحركت.
حركة بسيطة جدًا.
لكنها كانت حركة.
أنا شهقت من الصدمة.
سلمى؟!
قربت منها بسرعة.
إنتِ سمعاني؟
الدكتور شريف كان واقف عند الباب.
ولأول مرة من سنتين، حسيت إن في أمل حقيقي.
لكن الدكتور قطع اللحظة وقال
الحقيقة يا محمود، أنا عندي خبر كويس ليك النهارده.
دخل الأوضة وهو شايل صينية معدن.
عليها سرنجة وإزازة صغيرة غامقة اللون.
الإزازة كان عليها كتابة غريبة، شكلها صيني.
قال وهو بيحط الصينية جنب السرير
العلاج ده تجريبي. مادة جديدة بيسموها محفز لتجديد الخلايا العصبية. مش متوفر بسهولة، وجبناه بصعوبة.
بصيتله باستغراب.
وإنت ما قلتليش عليه قبل كده؟
ابتسم وقال
لأننا كنا مستنيين الوقت المناسب. وخصوصًا إن حالتها مستقرة.
وبعدين أضاف
شريكك طارق منصور عارف بالموضوع، وحتى عرض يساعدك في تكاليف العلاج.
اسمي طارق خلاني أرفع عيني للدكتور.
طارق كان شريكي في الشركة.
راجل كنت بثق فيه ثقة عمياء.
الدكتور مسك الإزازة.
فتحها.
وبدأ يدخل الإبرة في الغطا.
وفي اللحظة دي
البنت اللي كانت واقفة جنب السرير بصت للإزازة.
بصت للكتابة اللي عليها.
مرة.
مرتين.
وبعدين وشها اتغير تمامًا.
رجعت خطوة لورا.
وبصوت طلع منها كأنه صرخة استغاثة، قالت
لأ!
الدكتور لف ناحيتها.
لكن قبل ما حد يستوعب، البنت اندفعت عليه بكل قوتها.
خبطت إيده.
الإزازة طارت من إيده.
وقعت على الأرض.
اتكسرت.
السائل الغامق انتشر على البلاط الأبيض.
الممرضة شهقت.
أنا وقفت مكاني.
والبنت أشارت للإزاز المكسور وهي بتصرخ
ده سم!
وبعدين قالت جملة خلت الدم يهرب من وشي
ده بيتحط للجرذان مش للناس!
بصيت للدكتور شريف.
ابتسامته اختفت.
ولأول مرة من يوم ما عرفته
شفت الخوف في عينيه.
ثانيتين بس.
ثانيتين كانوا كفاية.
لأني فهمت إن البنت دي
ما كانتش بتخمن.
هي كانت عارفة.
وعارفة بالظبط الإزازة دي فيها إيه.
وأنا ساعتها ما سألتش الدكتور أي سؤال.
ولا عملت خناقة.
ولا حتى خليته يعرف أنا بفكر في إيه.
انحنيت على الأرض
ولمّيت قطع الإزاز بإيدي.
حطيتها في كيس بلاستيك.
وبمجرد ما خرجت من المستشفى
اتصلت بأكبر معمل تحاليل خاص أعرفه.
وقلت لهم
عايز تحليل للمادة دي بشكل عاجل. ومحدش يعرف أنا جبتها منين.
ما كنتش أعرف إن نتيجة التحليل
هتفتح باب على سر مخيف.
سر متعلق بحادثة مراتي.
وبالمستشفى.
وبشريكي.
والأخطر من كل ده
بالبنت الصغيرة اللي لقيتها مرمية وسط الزبالة.
وفي نفس الليلة
وصلتني نتيجة التحليل.
ولما قريت أول سطر
إيدي بدأت تترعش.
لأن المادة اللي كانت في الإزازة
ما كانتش مجرد سم.
كانت مادة قادرة على إحداث تلف عصبي تدريجي، ولو اتاخدت بجرعات صغيرة، ممكن تخلي الشخص يفقد قدرته على الحركة من غير ما حد يكتشف السبب بسهولة.
ساعتها فهمت ليه سلمى ما كانتش بتتحسن.
لكن السؤال الحقيقي كان أصعب
مين كان بيحقنها بالمادة دي كل الفترة دي؟
والإجابة
كانت أقرب ليا مما كنت أتخيل.
فضلت باصص لورقة التحليل يمكن خمس دقايق من غير ما أرمش.
كنت حاسس إن مخي رافض يستوعب اللي مكتوب قدامي.
المادة الموجودة في الإزازة مش علاج.
مش حتى دواء تجريبي.
دي مادة سامة، ولو اتاخدت بكميات صغيرة وعلى فترات طويلة، ممكن تعمل تلف عصبي تدريجي يخلي المريض يفقد الحركة والإحساس واحدة واحدة.
يعني ببساطة
مراتي ما كانتش بتتعالج.
حد كان بيقتلها بالبطيء.
قفلت عيني.
افتكرت السنتين اللي فاتوا.
افتكرت كل مرة الدكتور شريف كان بيقولي
جسمها محتاج وقت يا محمود.
افتكرت كل مرة كنت بدفع فيها فلوس العلاج وأنا فاكر إني بعمل المستحيل عشان أنقذها.
افتكرت المرات اللي كنت بخرج فيها من المستشفى وأنا مطمن.
وأنا اللي كنت بساعدهم من غير ما أعرف.
رجعت فتحت عيني وبصيت لاسم واحد في دماغي
طارق منصور.
شريكي.
الراجل اللي كان الدكتور قال إنه عارف بالعلاج.
بس كان في سؤال واحد مش قادر أهرب منه
ليه؟
ليه حد عايز يقتل سلمى؟
أنا ما كنتش متجوزها عشان فلوسها.
ولا كانت صاحبة شركة.
ولا عندها ورث ضخم.
كانت ببساطة مراتي.
لكن بعدها افتكرت حاجة.
حاجة حصلت قبل الحادث بشهر.
سلمى وقتها كانت دخلت المكتب فجأة.
كانت متوترة.
وقالتلي
محمود، إنت واثق في طارق؟
ضحكت وقتها وقلت
مالك يا بنتي؟ طارق ده أكتر واحد واقف جنبي.
بصتلي وقالت
مش عارفة بس في حاجة مش مريحاني.
ما اهتمتش.
ودي كانت أول غلطة عملتها.
تاني يوم الصبح رجعت المستشفى.
بس المرة دي ما دخلتش أوضة سلمى.
وقفت بعيد وراقبت.
ممرضة دخلت أوضتها.
خرجت بعد حوالي عشر دقايق.
بعدها دخل الدكتور شريف.
وبعد حوالي ربع ساعة خرج.
اتصلت بواحد صاحبي اسمه حسام، وكان شغال في المباحث زمان، وبعدها بقى محامي.
قلتله
محتاجك تعمل حاجة من غير ما حد يعرف.
سألني
إيه؟
عايز تعرف مين دخل أوضة سلمى خلال آخر شهرين، ومين كان بيكتب لها الأدوية.
سكت ثواني.
وبعدين قال
محمود إنت داخل على حاجة كبيرة؟
قلت
أنا مش عارف.





