متزعلش يا عمو

جواه ورقة صغيرة.
قريتها مرة.
وبعدين قريتها تاني.
ثلاث جمل بس.
أنا مقدرتش أكمّل.
مش قادرة أتخيل بقية عمري مع راجل مش قادر يقف على رجليه.
سامحني ومتحاولش تدور ورايا.
فضلت باصص للورقة ثواني طويلة.
الغريب إني ما حسيتش بحاجة.
لا غضب.
ولا حزن.
ولا حتى صدمة.
كأن حاجة جوايا اتقفلت مرة واحدة.
طويت الورقة بهدوء.
وحطيتها في جيب بدلتي، فوق قلبي بالظبط.
وبعدين رفعت عيني ناحية التلتميت شخص اللي كانوا مستنيين يشوفوا انهياري.
قلت بصوت ثابت
الفرح اتلغى.
الهمسات اختفت.
كملت
العروسة مش هتيجي.
بس.
ما شرحتش.
ما شتمتش.
ما دافعتش عن نفسي.
ما طلبتش من حد يفضل.
واحد من كبار العائلات، الحاج فؤاد المراغي، قام من مكانه.
قرب مني، وسلّم عليّا، وقال كلام محترم قدام الناس.
لكن وأنا ببص في عينه
شفتها.
ابتسامة صغيرة جدًا.
ابتسامة راجل كان مستني اللحظة دي من زمان.
ابتسامة واحد شايف إن اسم الشهاوي اتكسر قدام الناس.
ما علقتش.
بس حفظت ملامح وشه كويس.
وحفظت الابتسامة دي.
وبعدين لفيت الكرسي.
ومشيت لوحدي.
عم صابر حاول يلحقني.
يا باشا
رفعت إيدي من غير ما أبصله.
سيبني لوحدي.
دخلت المكتب.
قفلت الباب بالمفتاح.
ورميت نفسي قدام الشباك.
من فوق، كنت شايف الجنينة كلها.
الكراسي البيضا الفاضية.
الكوشة.
الورد.
الأنوار.
كل حاجة كانت جاهزة لفرح
اتحول في دقائق لمشهد جنازة.
بصيت للكراسي.
من فوق كانوا شبه شواهد قبور.
قبور لشيء كنت فاكر إنه بداية حياة جديدة.
قعدت هناك وقت طويل.
ما شربتش.
ما كسرتش حاجة.
ما صرختش.
حتى دموعي ما نزلتش.
بس الغضب اللي جوايا كان هادي بشكل يخوف.
وفجأة
سمعت خبطة خفيفة على باب المكتب.
تك.
تك.
رفعت راسي.
استنيت عم صابر يدخل.
لكن ما سمعتش صوته.
ولا صوت واحد من الحرس.
الخبطة اتكررت.
تك
تك
ببطء، قربت من الباب وقلت
مين؟
جالي صوت صغير جدًا من الناحية التانية.
أنا يا عمو مراد
اتجمدت مكاني.
فتحت الباب.
كانت واقفة قدامي بنت صغيرة، يمكن عندها سبع سنين.
هدومها بسيطة.
وشعرها مربوط بديل حصان.
دي كانت بنت أمينة، الست اللي بقالها سنين بتشتغل عندنا.
كانت ماسكة في إيدها لعبة صغيرة، وعينيها مليانة دموع.
بصتلي، وبعدين بصت للكرسي.
وقربت خطوة.
إنت زعلان عشان العروسة مشيت؟
ما جاوبتش.
هزت راسها بحزن وقالت
متزعلش يا عمو مراد
سكتت شوية.
وبعدين قالت الجملة اللي عمري ما كنت أتخيل إني أسمعها في اليوم ده
أنا لما أكبر هتجوزك.
للحظة
ما عرفت أقول أي حاجة.
وبعدين ضحكت.
أيوه
ضحكت لأول مرة من الصبح.
ضحكة قصيرة مكسورة، بس كانت حقيقية.
نزلت لمستوى عينيها وقلت
وإنتِ عارفة يعني إيه جواز يا بت؟
هزت راسها بحماس.
آه.
وبعدين قربت مني وهمست
يعني لما حد يسيبك تلاقي حد تاني يقولك أنا مش هسيبك.
اختفت الابتسامة من على وشي.
وبصيت لها.
لأن الطفلة الصغيرة دي
كانت لسه هتقول حاجة تانية.
حاجة خلت الدم ينسحب من وشي.
بصت ناحية باب المكتب، واتأكدت إن محدش واقف برا.
وبعدين مدت إيدها الصغيرة وحطت حاجة في إيدي.
بس قبل ما أتجوزك يا عمو مراد
همست
لازم تعرف الحقيقة اللي خلت نادين تهرب من الفرح.
بصيت للحاجة اللي حطتها في كفي.
وكانت
فلاشة صغيرة عليها اسم واحد أنا كنت فاكره مات من سنتين.
بصيت للفلاشة في إيدي كأني مش فاهم هي إيه.
رفعت عيني للبنت.

الصفحة السابقة 1 2 3 4 5الصفحة التالية

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *