متجيش توجعي دماغي بمشاكلك

حصري لصفحة روايات رولا
​— متجيش توجعي دماغي بمشاكلك؛ اختك بتوضب الشقة — ده اللي قالتهولي أمي وبنتي عندها ست سنين ومولعة نار بين إيديا.
​وقفت قدام باب شقة أبوي وأمي في حي النزهة، ومريم سانده على كتفي، وشنطة الأدوية متعلقة في معصم إيدي، والمطر نازل يغرق شعري. من ورا سلسلة الأمان بتاع الباب كنت شايفه نص وش أمي، “عفاف”، ووراها كراتين سيراميك أبيض، وشكاير إسمنت، وعفرة العمال اللي كانت بالنسبة لها أهم بكتير من حفيدتها المريضة.
​— يا أمي، أنا مش جاية أقعد. أديني بس شهادة ميلاد مريم والملف بتاع تحاليلها. بكرة الصبح عندنا معاد مع دكتور الصدر الساعة تمانية وتلت.
​— مش فاضية أنا دلوقتي أقعد أدور في الورق. داليا معاها العمال جوة والدنيا مقلوبة.
​أبويا، “حسين”، ظهر من وراها. استنيت يسأل حتى على مريم عاملة إيه. متكلمش.
​— يا مريم، قصدى يا منار، روحي باتي في أي لوكاندة ولا فندق. بلاش فضايح في الممر قدام الجيران.
​مريم كحت في رقبتي. حسيت أوي إن أورتها سخنت أكتر.
​أنا كنت جاية من طنطا بعد نبطشية طوارئ بالليل في مستشفى أطفال. معاد الدكتور الكبير ده بقالنا يجي شهرين مستنيينه. بعد دور برد شديد، مريم بقت تجيلها أزمات كحة بالليل مبتسملهاش. أهلي ساكنين قريب من المستشفى، وأمي كانت واعداني إننا نقدر نبات عندهم ليلة.
​غير كده، الورق كان عندهم. بعد طلاقي، أمي أقنعتني أسيب شهادة الميلاد الأصلية بتاعت مريم والملف القديم عندها في الشقة.
​— هنا أمن ليكي ومش هيضيعوا — قالتلي ساعتها — إحنا أهلك.
​في نفس اليوم الصبح، قبل ما أتحرك من طنطا، كانت طالبة مني فلوس عشان “أدوية أباكي”. حولتلها 7,500 جنيه. بعدها بدقايق داليا اختي بعتتلي رسالة: “تسلمي يا أختي، أنقذتيني”. ومسحتها بعديها على طول.
​افتكرتها بعتت في الشات الغلط بالسهو.
​وانا على الطريق، مريم بدأت تترعش. وقفت قدام صيدلية، اشتريت خافض حرارة واتصلت بأمي تلات مرات. ماردتش. اختي هي اللي ردت.
​— متجيش النهاردة يا منار. الصنايعي بتاع المطبخ ماشي بكرة ورايح شغل تاني. مش كل حاجة بتلف حواليكي.
​— بنتي سخنة ومولعة.
​— كل العيال بتعيى.
​ولما وصلت أخيرًا، عرفت إن الموضوع مكنش سوء تفاهم.
​— أديني الورق بس — كررت كلامي.
​أمي وشها اتخشب.
​— الأم المسؤولة بتشيل ورق بنتها معاها.
​— الورق عندك عشان أنتِ اللي طلبتِ تشيليه عندك.
​داليا زعقت من جوة الشقة:
​— يا ماما اقفلي بقى! العفرة والتراب طالعين في الممر!
​أبويا حط إيده على الباب.
​— امشي يا منار. تعالي بكرة.
​وقفل الباب.
​أقرب فندق من المستشفى كان فيه أوض فاضية، بس الموظف في الاستقبال أصر يسجل البنت كمان وطلب مني شهادة ميلاد أو أي وثيقة تثبت إنها بنتي. أنا مكنش معايا غير صور على الموبايل. خاف يرتكب مخالفة ورفض يدخلنا.
​فالقضية إن مريم قضت الليلة دي في الكنبة الورانية بتاعت عربيتي، مركونة قدام صيدلية شغالين 24 ساعة، متغطية بالجاكيت بتاعي. أنا منمتش ولا دقيقة. كل عشرين دقيقة ألمس أورتها وأبص في الساعة.
​الساعة تلاتة الفجر، والإفطاطة الخضرا بتاعت الصيدلية بتنور وتطفي على الزجاج القدامي، قريت تاني الرسالة اللي داليا مسحتها واللي كانت لسه باينة في الإشعارات: “تسلمي يا أختي، أنقذتيني”.
​اللي مكنتش أعرفه ساعتها، إن ورا الباب اللي أهلي قفلوه في وشنا ده، مكنش بس فيه ورق مريم… كان فيه كمان السبب اللي خليهم يفضلوا شهور يكدبوا عليا بسببه.
الساعة سبعة الصبح دخلت المستشفى بنفس الهدوم بتاعت امبارح، ومريم نص نايمة وماسكة في إيدي، وشعور بالذنب والكسوف مكنش المفروض أحس بيه، بس كان خنقني. في الاستقبال طلبوا مني شهادة الميلاد. شرحت إن الورق الأصلي محجوز عند قرايبي. الموظفة في الأول قالت إنها مقدرش تفتح ملف، بس دكتورة الصدر، دكتورة “لورا”، سمعت المناقشة، وبصت في السجل الرقمي بتاع مريم وقررت تكشف عليها قبل أي إجراءات ورقية.
— البنت الأول — قالتها بصرامة — وبعدين نشوف موضوع الورق ده.
كشفت عليها، وطلبت لها جلسة نيبولايزر (جلسة بخار)، وكتبت في التقرير معاد الدخول، والحرارة العالية طول الليل، وإننا نمنا في العربية. وشرحتلي كمان إزاي أطلع مستخرج رسمي من شهادة الميلاد وأسترد الملف الطبي بالطرق الرسمية.
— أوعي تسبي ورق مهم تاني في مكان ممكن يستغلوه عشان يتحكموا فيكي — قالتها لي من غير ما تجمل الكلام.
بعديها بيومين، لما مريم كانت خلاص في البيت وبتتحسن، جالي اتصال من “أحمد”، المقاول اللي كان شغال في شقة أهلي.
— يا منار، محتاج أسألك على حاجة. هو أنتِ اللي بتدفعي مصاريف توضيب شقة داليا؟
ضحكت تلقائيًا:
— أكيد لأ طبعًا.
— يبقى إحنا عندنا مشكلة.
اتقابلنا في كافيه. أحمد جه ومعه ملف أزرق. جوة الملف كان عقد الشغل: المطبخ والحمام والممر. اللي كاتبة العقد كانت أمي. وبعدها طلع كشف بالدفوعات والمقدمات. أول مبلغ شفته جمد الدم في عروقي: 7,500 جنيه. نفس المبلغ اللي حولته عشان “أدوية بابا”.
وبعدين لقينا مبلغ تاني: 4,800 جنيه، في نفس اليوم اللي أمي قالتلي إنها محتاجة تعمل تحاليل وأشعة لبابا. وبعدها 9,000 جنيه، لما المفروض إن بابا جتله أزمة ضغط. كان فيه سحوبات نقدي وإيداعات لموردين سيراميك، وخشب مطابخ، وسباكة.
— أمك قالتلي إنك بتساعدي عشان أنتِ الدكتورة اللي شغالك ثابت وعندك دخل — أحمد شرحلي — أنا مكنتش أعرف الفلوس دي جاية منين.
رجعت البيت وفتحت الابلكيشن بتاع البنك على الموبايل. وهناك شفت حاجة كنت نسياسها تمامًا: توكيل وتفويض خاص كنت عملته لأمي من سنة عشان تسحب وتدفع مبالغ محددة لما بابا كان تعبان. وقتها كنت بشتغل نبطشيات مضاعفة وهي قالتلي إن بكده هتعرف تشتري العلاج من غير ما تستناني أخلص شغل في المستشفى.
راجعت حركة الحساب خطوة بخطوة. الكود والأكواد اللي كنت بوفق عليها وأنا فاكرة إنها للصيدلية، كانت هي هي دفعات توضيبات الشقة.
اتصلت بأبويا:
— هو أنت كنت عارف إن أمي بتستخدم فلوسي عشان توضيبات داليا؟
سكت شوية.
— متكبريش الموضوع يا منار. اختك بتتجوز، ومحتاجة تجهز الشقة كويس.
— الفلوس دي كانت لعلاجك وأدويتك!
— اشترينا علاج.. والباقي.. أهو استغليناد. أنتِ ما شاء الله شغالة وتقدري تجيبي فلوس تاني.
حسيت بحاجة اتكسرت جوايا، بس مكنش قلبي. كانت أخر حجة ومرقعة كنت لسه بختلقها عشانهم.
— بكرة الصبح هحظر التفويض ده وألغيه.
— إياكي تعملي كده! — أبويا رد بسرعة وبنبرة خايفة.
تاني يوم الصبح طلعت على البنك. لغيت التفويض، ووقفت التحويلات التلقائية لأمي، وطلبت تحقيق في كل العمليات اللي تمت. لما الموظفة طبعد الإيصال، قريته كله قبل ما أوقع.
“تم إلغاء صلاحية الوكيل.”
بعديها بعشر دقايق، أمي اتصلت بيا تسع مرات. ماردتش.
أحمد المقاول بعتلي على الضهر: “لو الدفعة الجاية ما اندفعتش، بكرة الصبح هسحب العمال وأوقف شغل.”
على الساعة ستة، جتلي رسالة من “عفاف” (أمي): “أنتِ عملتي إيه؟! داليا المطبخ عندها مكسر ومتفكك والعمال وقفوا شغل. اتصرفي وصلحي القرف ده حالا!”
بصيت لمريم وهي نايمة وجنبها جهاز البخار على السرير، وفهمت اللفة كلها بتاعت الليلة دي: في الوقت اللي بنتي كانت بترتعش من السخونية برة بابهم، كانوا هما بيستخدموا الفلوس اللي ببعتها عشان أعالج أبويا… عشان يدفعوا بيها ثمن سيراميك اختي.
وكان لسه فاضل داليا تكتشف، قدام خطيبها، الفلوس دي كانت جاية منين بالظبط حبة بحبة.
الجزء الثالث والأخير
فضلت باصة لرسالة أمي على الموبايل، وصوت أنفاس مريم الهادية المنتظمة وهي نايمة بجنب جهاز البخار كان بيغسل من جوايا كل نقطة ضعف أو تردد. مسكت الموبايل، وبدل ما أرد على أمي، بعتت رسالة لأحمد المقاول: “يا أحمد، لو سمحت ابعتلي نسخة من العقد المكتوب وصور كل الإيصالات والنقدية اللي اتسلمتك من أمي.”
رد عليا في ساعتها بملف PDF كامل. طبعد النسخ دي، وحطيتها في ظرف مقفول.
على الساعة تمانية بالليل، الباب خبط بقوة. فتحت، لقيت اختي داليا واقفة ووراها أمي وشها أحمر من الغضب.
— أنتِ تجننتي؟! — داليا صرخت في وشي وهي بتزق الباب — خطيبي وأهله جايين يزورونا بكرة يشوفوا تشطيبات المطبخ والحمام! العمال لملوا حاجتهم ومشوا! والكهربائي خلع الأسلاك وساب الدنيا ضربة بقلبة! أنتِ متخيلة الموقف اللي حطتيني فيه؟!
أمي دخلت وراها وهي بتنفخ:
— أنتِ فاكرة نفسك إيه؟ عشان قرشين بتكسبيهم من شغلانة المستشفى ه تتكبري على أهلك؟ لغيتي التفويض إزاي من غير ما ترجعيلي؟! الفلوس دي كانت حقي!

1 2الصفحة التالية

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *