امي الحقيقية

بعد أسبوعين في المستشفى، عصام خرج، بس الدكتور شدد عليه إن أي زعل أو مجهود ممكن يوقف قلبه تماماً.
​حازم مرجعش الشركة، ولا حتى جه يزور أبوه. اختفى تماماً مع رانيا، وكان فاكر إنهم هيقدروا يبتزوا عصام بضغط السوشيال ميديا أو المحاكم. بس المفاجأة إن رانيا، أول ما عرفت إن حازم اتجرد من مناصبه والشركة مابقاش ليه فيها غير نسبة أرباح بسيطة ومتجمدة، سابته ورجعت اختفت تاني بعد ما سحبت من فيزته كل القرشين اللي كانوا حيلته.
​في يوم، كنت قاعدة مع عصام في الصالة، الباب خبط.
​فتحت، لقيت حازم واقف. شكله كان يوجع القلب؛ هدومه مبهدلة، وشه باهت، ودقنه طويلة. كان شبه العيل الصغير اللي ضاع في المولد ورجع يدور على أمه.
​بصلي ودقائق السكوت كانت أتقل من السنين.
​— ماجدة… —قالها بصوت مكسور وخايف.
​مرديتش، وسيبت الباب مفتوح ودخلت.
​دخل ورايا ببطء، وبص لـ عصام اللي كان قاعد على الكرسي.
​— بابا… أنا آسف.
​عصام بص له بهدوء شديد، هدوء الراجل اللي استوى من الصدمات.
​— الأسف مابيرجعش السنين، ولا بيمسح الإهانة يا حازم. أنت ما بعتش ماجدة بس، أنت بعت البيت اللي حماك.
​حازم اتعرى قدام نفسه، وقعد على الأرض عند رجليا وهو بيعيط بحرقة:
​— رانيا سابتني وأخدت كل حاجة… وقالتلي إنها عمرها ما اعتبرتني ابنها، إنها كانت شايفاني كارت ابتزاز مش اكتر. أنا آسف يا أمي… والله العظيم آسف.
​الكلمة طلعت منه: “يا أمي”.
​قلبي وجعني، أصل الأمومة مش زرار بتطفيه وتشغله بلمسة. بس افتكرت الوعد اللي وعدته لـ عصام على سرير المستشفى: مش هضحي بعمري تاني عشان أتمسك بحد قرر يبيع.
​نزلت لمستواه، وبصيت في عينيه وقلت له بوضوح:
​— أنا سامحتك بيني وبين ربنا يا حازم، عشان أريح قلبي أنا مش عشانك أنت. بس اللي اتكسر مابيرجعش زي الأول. أنا ربيتك واديتك عمري، وأنت اخترت تهينني قدام الغريب.
​— يعني خلاص؟ هتطرديني؟
​— مش هطردك —عصام اللي رد بصوت حاسم—. هتشتغل في الورشة من الصفر، زي أي فني جديد. مش هتاخد جنيه بغير شقاك، ومش هتقعد معانا في البيت ده. هتنزل تأجر أوضة وتعرف يعني إيه القرش بيجي إزاي، وتعرف قيمة الست اللي كانت بتخدمك حافي ونازل. لو أثبت إنك راجل وأتعدلت، مرحب بيك… لو شايف إن الدم يديك حق فوق الناس، الباب يفوت جمل.
​حازم بصلي باستنجاد، كان مستني مني أتدخل وأحن زي كل مرة.
​بس أنا بصلته بثبات، وهزيت رأسي.
​طبس رأسه، ودموعه نازلة على الأرض، وقال:
​— موافق.
​مرت سنة كاملة. حازم كان بينزل الورشة من 7 الصبح، يلبس العفريتة، ويتعلم التصليح والتركيب تحت إيد إبراهيم الشناوي، اللي كان بيعامله بضمير ومن غير قسوة ولا مجاملة. حازم اتقطم كبرياؤه الفارغ، وعرف قيمة القرش وقيمة العيلة اللي ربت.
​في يوم الجمعة، كنت عاملة غدا للعيلة كلها. نهى ومريم وعيالهم، وإبراهيم.
​الباب خبط. فتحت، كان حازم واقف، لابس نضيف، ومسك في إيده علبة حلويات بسيطة اشتراها من يوميته.
​وقف عند الباب ومادخلش.
​— ينفع أدخل أسلّم؟ —سأل بمنتهى الأدب والتواضع.
​عصام بصلي وابتسم ابتسامة خفيفة.
​مديت إيدي وأخدت منه علبة الحلويات، وقلتله:
​— ادخل يا حازم… ادخل اغسل إيدك عشان الغدا جاهز.
​دمعة نزلت من عينه، وباس إيدي بحرارة وقال:
​— تسلم إيدك يا أمي.
​السماح جه لما هو عرف قيمته وقيمة النعمة اللي كان بايعها. والبيت اللي اتقفل في وش التكبر، اتفتح تاني قدام الندم والتغيير الحقيقي.

الصفحة السابقة 1 2

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *