فتح سامح باب السيارة ونظر إليّ بجدية. قال قبل ما نروح، لازم تعرفي حاجة أخطر من موضوع البيت. سألته إيه؟ أخرج من حقيبته ملفًا بنيًا سميكًا، ووضعه أمامي. أبوك ما نقلش البرج باسمك من 18 شهر عشان يحميه من فيفيان وبس. فتحت الملف بسرعة. أول ورقة كانت صورة من عقد ملكية برج هاريسون. لكن في أسفل الصفحة كان فيه بند لم أره من قبل. قرأته مرة. ثم مرة ثانية. شعرت بقلبي يهبط. سامح يعني إيه البند ده؟ قال بهدوء يعني إن أبوكي كان متوقع إن حد من العيلة يحاول يوصل للبرج بعد وفاته. سكتُّ. ثم قلبت الصفحة. كانت هناك قائمة بأسماء أشخاص، بجانب كل اسم ملاحظات قصيرة. اسم فيفيان كان موجودًا. واسم كريم أيضًا. لكن المفاجأة لم تكن في وجود أسمائهم المفاجأة كانت في الاسم الثالث. اسم شخص لم أتوقع أبدًا أن أراه في ملف أبي. رفعت عيني إلى سامح. مين ده؟ سامح لم يجب فورًا. قال الشخص ده كان آخر واحد قابل أبوكي قبل ما يدخل المستشفى. اتسعت عيناي. إنت بتقول إن بابا كان عارف إنه هيموت؟ مش بالضرورة. ثم أضاف لكن كان عارف إن فيه حاجة كبيرة بتحصل حواليه. قبل ما أقدر أسأله، رن هاتفه. نظر إلى الشاشة، وتغير وجهه. إيه؟ سألته. ناولني الهاتف. كان هناك تسجيل صوتي وصل من رقم مجهول. ضغطت تشغيل. جاء صوت أبي ضعيفًا ومتقطعًا. لو التسجيل ده وصل لهانا يبقى أنا ما لحقتش أقول لها الحقيقة بنفسي. تجمدت مكاني. صوت أبي استمر هانا أهم حاجة، ما تثقيش في أي حد يقول لك إن البرج مجرد ميراث. ثم سكت لثوانٍ. البرج فيه شيء أهم من الفلوس. انقطع التسجيل. نظرت إلى سامح. إيه اللي جوه البرج؟ قال ده بالضبط اللي أبوكي كان عايزك تكتشفيه. وفجأة وصلني إشعار على هاتفي. رسالة من رقم مجهول لو دخلتي برج هاريسون قبل الساعة 10 صباحًا بكرة، هتعرفي ليه أبوكي خبّى الحقيقة عنك لمدة 18 سنة. رفعت رأسي ببطء. قلت سامح إحنا لازم نروح هناك دلوقتي. لكنه هز رأسه. لا. ليه؟ نظر إليّ وقال لأن الرسالة دي وصلت لي أنا كمان. وأخرج هاتفه. كانت هناك رسالة ثانية لو هانا دخلت البرج، المستندات هتختفي وإنت عارف كويس مين اللي يقدر يعمل كده. وقبل ما أستوعب كلامه، وصلتنا مكالمة أخرى. هذه المرة من إدارة برج هاريسون. رد سامح. وبعد ثوانٍ فقط، قال مين دخل غرفة الأرشيف؟ سكت يستمع. ثم وقف فجأة. اقفلوا الدور فورًا. بصيت له بخوف. فيه إيه؟ قال حد سبقنا للبرج. ثم أضاف الجملة التي جعلتني أحس إن الليلة دي لسه ما بدأتش أصلًا والشخص ده كان معاه مفتاح أعطاه أبوكي بنفسه وصلنا إلى برج هاريسون بعد منتصف الليل بقليل. المبنى كان هادي بشكل غريب، رغم إن أنواره الخارجية كلها كانت شغالة. أول ما دخلنا، موظف الأمن قرب من سامح وقال بصوت منخفض الدور السابع والعشرين اتقفل زي ما طلبت. سامح سأله والشخص اللي دخل؟ الرجل بلع ريقه. خرج من المصعد من حوالي عشر دقايق لكن ما خرجش من المبنى. بصيت لسامح. يعني لسه هنا؟ هز رأسه. غالبًا. دخلنا المصعد. ضغط سامح على رقم 27. لكن قبل ما الباب يقفل، ظهرت يد من الخارج ومنعت المصعد. تجمدت. دخل رجل في الخمسينات، لابس بدلة رمادية، وفي إيده حقيبة جلدية صغيرة. بص لي مباشرة. ثم قال أنتِ هانا. ما قدرتش أرد. سامح وقف بيني وبينه. إنت مين؟ ابتسم الرجل ابتسامة قصيرة. أنا الشخص اللي أبوها كان بيستناه يوم وفاته. قلبي بدأ يدق بسرعة. قلت إنت قابلت أبويا قبل ما يموت؟ نظر لي للحظات. أيوه. وكان بيقولك إيه؟ قبل ما يرد، المصعد اهتز فجأة وتوقف. انطفأت الأنوار. سمعنا صوت قفل إلكتروني. سامح ضرب زر الطوارئ. مين قفل المصعد؟ لم يجب أحد. الرجل الغريب اقترب مني وقال بهدوء أبوك كان عارف إنهم هيدوروا على الورق. سألته مين هم؟ قال الناس اللي فاكرين إن ال مليون دولار هما أكبر سر في الموضوع. ثم أخرج مفتاحًا صغيرًا من جيبه. لكن السر الحقيقي موجود في الدور السابع والعشرين. فتح المصعد مرة أخرى. وصلنا للدور. كانت الممرات مظلمة إلا من ضوء أحمر خافت. مشينا حتى وصلنا إلى باب غرفة الأرشيف. كان الباب مفتوحًا. سامح توقف. قال أنا متأكد إني قفلته. دخلنا. الأدراج كلها كانت مفتوحة. الأوراق ملقاة على الأرض. لكن الغريب إن شخصًا ما لم يبحث عشوائيًا كان يبحث عن شيء محدد جدًا. الرجل الغريب اتجه مباشرة إلى خزانة في آخر الغرفة. فتح درجًا صغيرًا. ثم قال هو سبقني. سألته مين؟ أشار إلى ظرف أبيض فوق الطاولة. كان مكتوبًا عليه بخط أبي إلى هانا فقط. مددت يدي. لكن قبل ما ألمسه، رن هاتف سامح. نظر إلى الشاشة. ثم قال فيفيان. رد. جاء صوتها مرتجفًا سامح هانا معاك؟ قال أيوه. صمتت لثوانٍ. ثم قالت خليها ما تفتحش الظرف. شعرت ببرودة تسري في جسمي. قلت إنتِ عرفتي بالظرف إزاي؟ لم تجب. ثم سمعتها تقول لأن أبوكي سلّمني نسخة منه قبل ما يموت. انقطعت المكالمة. نظرت إلى سامح. ثم إلى الظرف. وعرفت في اللحظة دي إن الليلة دي مش مجرد ليلة ميراث دي كانت بداية كشف سر أبويا اللي خبّاه عني 18 سنة مددت إيدي ناحية الظرف، لكن سامح مسك معصمي. قال استني. بصيت له باستغراب. ليه؟ أشار إلى طرف الظرف. كان فيه خط صغير جدًا، كأنه علامة مطبوعة. قال ده ختم أمان. لو الظرف اتفتح بطريقة غلط، هنفقد الدليل اللي جواه. الرجل الغريب أخرج من جيبه أداة صغيرة، وفتح بها الختم من غير ما يمزقه. أول ما فتحت الظرف، وقعت منه صورة قديمة. رفعتها. كانت صورة لأبويا واقف أمام برج هاريسون. لكن اللي صدمني إنني كنت موجودة في الصورة. كنت طفلة، يمكن عندي عشر سنين. وبجانبي أبي رجل آخر لم أتعرف عليه. قلبت الصورة. كان مكتوبًا خلفها هانا تعرفه لكنها لا تتذكر. نظرت إلى الرجل الغريب. مين ده؟ قال اسمه دانيال مورغان. سكت لحظة. كان شريك أبوكي في أول مشروع له. سامح قلب باقي الأوراق. فجأة وجدنا كشف حساب قديم. مبلغ ضخم كان يتحول كل شهر إلى مؤسسة باسم مختلف. قلت بابا كان بيتبرع بالفلوس دي؟ سامح هز رأسه. لا. أمال إيه؟ قال دي مش تبرعات. نظر إلى الرجل الغريب. دي دفعات لحماية شيء. سألته حماية إيه؟ قبل ما يجاوب، سمعنا صوت خطوات في الممر. كلنا سكتنا. الخطوات قربت من الباب. ثم توقف الصوت تمامًا. سامح أشار لنا نختبئ. بعد ثوانٍ، انفتح الباب ببطء. دخل كريم. ابن فيفيان. كان واقفًا وحده. نظر حوله، ثم قال أنا عارف إنك هنا يا هانا. خرجت من مكاني. إنت بتعمل إيه هنا؟ بص لي وقال أنا جيت أحذرك. ضحكت بسخرية. بعد ما أمك طردتني من البيت؟ قال أمي مش عارفة كل حاجة. سألته يعني إيه؟ اقترب خطوة. أمي كانت فاكرة إن أبوكي سايب لك فلوس وبس. ثم نظر إلى الظرف. لكن أنا عرفت الحقيقة. تجمدت. إيه الحقيقة؟ خفض صوته وقال ال مليون دولار مش ميراثك الوحيد. سألته أمال إيه؟ قال أبوك سايب لك حق السيطرة على مؤسسة كاملة والمؤسسة دي مرتبطة بالبرج. ثم أخرج هاتفه وفتح صورة. كانت صورة لعقد قديم. وفي أسفل العقد كان توقيع أبي. لكن التوقيع اللي تحته كان توقيعي أنا. رفعت عيني إليه. أنا ما وقعتش على العقد ده. قال كريم عارف. ثم أضاف وعشان كده لازم تعرفي مين اللي وقّع مكانك. وقبل ما يكمل انطفأت أنوار البرج بالكامل. وفي الظلام، سمعنا صوت قفل الباب من الخارج. ثم جاء صوت رجل عبر نظام السماعات هانا لو عايزة تعرفي الحقيقة عن أبوكي، عندك عشر دقايق فقط. توقفت أنفاسي. عشر دقايق لحد إيه؟ جاء الرد لحد ما يتفعل العقد اللي يحمل توقيعك ثواني مرت كأنها ساعات. بصيت للعقد مرة تانية، وإيدي بدأت ترتعش. قلت التوقيع ده مزور. سامح أخذ الورقة مني، وفحصها تحت ضوء هاتفه. قال أيوه ده مش توقيعك. كريم قرب منه. بس المشكلة مش في التوقيع. سألته أمال في إيه؟ قال في التاريخ. بصيت أسفل العقد. التاريخ كان قبل 18 سنة. قبل ما أبلغ حتى سن الرشد. سامح تغير وجهه. لو العقد ده اتسجل رسميًا، ممكن حد يحاول يستخدمه لإثبات إن والدك نقل ملكية جزء من أصوله قبل وفاته. قلت بس ده مستحيل. رد الرجل الغريب لأول مرة مش مستحيل لو كان أبوكي نفسه هو اللي طلب تزويره. التفتُّ إليه بسرعة. إنت بتتهم أبويا؟ هز رأسه. لا. أنا بقول إن أبوكي كان عارف إن فيه حد هيحاول يعمل كده. أخرج ورقة صغيرة من جيبه. وعشان كده احتفظ بالأصل في مكان محدش يعرفه. سامح سأله فين الأصل؟ ابتسم. في البرج. في اللحظة دي ظهر عداد رقمي على شاشة صغيرة في نهاية الممر. 0841 بدأ العد التنازلي. 0840 0839 قال كريم لازم نلاقي الأصل قبل ما الوقت يخلص. سألته وإنت ليه بتساعدني؟ نظر للأرض. لأن أمي كذبت عليّا. سكت. ثم قال وقالتلي إن أبوكي كتب في وصيته إنك ما تاخديش حاجة. شهقت. إيه؟ لكن من يومين لقيت مستندات مخبية في مكتبها. أخرج صورة من هاتفه. كانت صورة لورقة مكتوب عليها بخط أبي. وفي آخرها جملة واحدة إذا حاولت فيفيان إبعاد هانا عن البيت، فاعرفوا أن الخطر لم يعد داخل العائلة فقط. نظرت إلى سامح. يعني بابا كان متوقع اللي حصل الليلة؟ قال كان متوقع احتمال حدوثه. فجأة سمعنا صوت معدن يتحرك خلف أحد الأرفف. اتجهنا جميعًا ناحية الصوت. سامح سحب رفًا صغيرًا، فظهر باب حديدي مخفي في الحائط. كان عليه رقم 27B قال الرجل الغريب دي هي. أخرج مفتاحًا. لكن قبل ما يدخله في القفل، وصلت رسالة إلى هاتف كريم. قرأها، ثم تغير لون وجهه. سألته مين بعتلك؟ رفع الهاتف نحوي. كانت الرسالة قصيرة سيبوا الغرفة وإلا هانا هتكتشف مين قتل ثقتها في أبوها طول السنين دي. قلت قتل ثقته؟ سامح أمسك الهاتف بسرعة. ثم قال دي مش رسالة تهديد عادية. ليه؟ أشار إلى الرقم. لأن الرقم ده رقم أبوكي القديم. ساد الصمت. ثم فجأة جاء صوت تسجيل من داخل الباب الحديدي. وكان صوت أبي واضحًا جدًا هانا لو بتسمعي التسجيل ده، يبقى الوقت جه تعرفي مين أنا كنت بحميك منه انقطع التسجيل. فضلنا واقفين في صمت. كنت حاسة إن رجلي مش شايلاني. قلت بابا كان بيحميني من مين؟ سامح قال لازم نعرف قبل ما نفترض أي حاجة. الرجل الغريب أدخل المفتاح في الباب الحديدي. لفّه ببطء. صدر صوت طقة مكتومة. وانفتح الباب. وراءه كان فيه ممر ضيق، وعلى الحائط ملفات قديمة مرتبة بعناية. وفي آخر الممر، كانت فيه غرفة صغيرة. دخلنا. الغرفة كانت خالية تقريبًا، باستثناء مكتب خشبي وخزنة معدنية. فوق المكتب كان فيه ظرف جديد. مكتوب عليه هانا افتحيه بعد وفاة روبرت فقط. جلست على الكرسي. يدي كانت ترتعش وأنا أفتح الظرف. كان بداخله خطاب من أبي. بنتي هانا، لو إنتِ بتقري الكلام ده، فأنا غالبًا مش موجود. أول حاجة لازم تعرفيها الفلوس اللي سيبتها لك مش مكافأة. هي وسيلة حماية. توقفت عن القراءة. ثم أكملت. قبل 18 سنة، اكتشفت إن واحد من أقرب الناس لي كان بيحاول يوصل لأصول الشركة من خلالي. ولما رفضت، بدأت محاولات الضغط عليّ. لذلك نقلت أهم الأصول إلى صندوق ائتماني باسمك. رفعت عيني إلى سامح. أقرب الناس ليه؟ قال كملي. واصلت. لكن فيه حاجة أخطر. الشخص ده كان يعرف تفاصيل عن حياتك، وكان عنده وصول لمعلومات تخصك وأنتِ طفلة. لذلك اضطررت أخفي الحقيقة عنك. شعرت بصدمة. أنا طوال عمري كنت فاكرة إن أبي كان بيخبي عني أسرار شغله فقط. لكن واضح إنه كان بيخبي أنا عن شخص ما. قلبت الصفحة. كانت الجملة الأخيرة أقصر من كل اللي قبلها لو ظهر العقد المزور بتوقيعك، لا تثقي في أي شخص يقول إنه يعرف الحقيقة كاملة. حتى سامح. رفعت رأسي ببطء. سامح كان واقفًا أمامي. نظرت له. لم يتكلم. قلت ليه بابا كتب اسمك؟ وجهه شحب. قال لأني كنت أعرف جزءًا من الموضوع لكن مش كله. الرجل الغريب تدخل روبرت كان شاكك في الجميع. سألته وأنت؟ كنت شريك أبويا صح؟ هز رأسه. أيوه. فليه أثق فيك؟ قال ما تثقيش فيا. ثم أشار إلى الخزنة. افتحيها بنفسك. اقتربت من الخزنة. كان عليها لوحة أرقام. وفوقها ورقة صغيرة مكتوب فيها الرمز هو تاريخ اليوم الذي تغيّر فيه كل شيء. حاولت التفكير. ثم تذكرت. اليوم الذي نقل فيه أبي البرج إلى الصندوق الائتماني. أدخلت التاريخ. طَق. الخزنة انفتحت. لكن بدل ما نلاقي أوراق كان بداخلها جهاز تسجيل صغير، ومفتاح سيارة، وصورة لفيفيان. رفعت الصورة. وخلفها كان مكتوبًا لو هانا وصلت للمرحلة دي، اسألو فيفيان عن اللي حصل في الليلة التي اختفت فيها أخت روبرت. تجمدت. قلت أخت بابا؟ سامح اقترب. روبرت كان له أخت؟ الرجل الغريب نظر للصورة طويلًا. ثم قال مش دي المفاجأة. سألته أمال إيه؟ أشار إلى ظهر الصورة. وقال أخت روبرت ما اختفتش لوحدها. وقبل ما أقدر أسأله وصل صوت من السماعات الوقت انتهى. ثم انغلق باب الغرفة الحديدي خلفنا. وسمعنا صوت خطوات تقترب من الخارج وكانت الخطوات لشخص واحد فقط توقفت الخطوات أمام الباب مباشرة. محدش فينا اتكلم. ثم جاء صوت مفتاح يدور في القفل. سامح أشار لنا أن نبتعد عن الباب. انفتح الباب ببطء وظهرت فيفيان. كانت واقفة وحدها. لكن الغريب إنها لم تكن غاضبة. كانت مرعوبة. نظرت إليّ وقالت هانا لازم تسمعيني قبل ما تحكمي عليّا. ضحكت بمرارة. بعد ما طردتيني من بيت أبويا في يوم وفاته؟ خفضت عينيها. أنا غلطت. قلت إنتِ عارفة عن الغرفة دي. لم تجب. قلت بصوت أعلى وعارفة عن الظرف. سكتت. ثم قالت أبوك طلب مني أحميك. تجمدت. إنتِ؟ هزت رأسها. قبل ما يموت بأسبوعين، اتصل بيا وقال إن فيه شخص بيدور على المستندات اللي في البرج. سامح قاطعها وليه ما قلتيش لهانا؟ نظرت إليه. لأن روبرت قال لي ما أقولهاش إلا لو حصلت حاجة له. قلت بس إنتِ طردتيني. بدأت عيناها تدمعان. كنت بحاول أخوفك وتخرجي من البيت قبل ما يحصل الأسوأ. حدقت فيها. طردتيني عشان تحميني؟ قالت كنت فاكرة إنهم هيراقبوا البيت. سكتت لحظة. ثم أضافت لكنهم كانوا أسرع مني. سألها سامح مين هم؟ نظرت إلى الباب. مش هينفع أقول هنا. قلت لا. هتقولي دلوقتي. أخرجت فيفيان مفتاحًا صغيرًا من جيبها. ووضعته أمامي. ده مفتاح خزنة أبوكي في مكان تاني. سألت فين؟ قالت في بيتك القديم. توقفت. أنا ما عنديش بيت قديم. قالت عندك. ثم أضافت أبوك كان مخبيك هناك ليلة اختفاء أخته. شعرت بصدمة. أنا كنت موجودة؟ هزت رأسها. أيوه. بدأت أفتكر صورًا قديمة مبعثرة من طفولتي باب خشبي امرأة تبكي وأبي يحملني بين ذراعيه. لكن كانت هناك صورة واحدة لم أستطع تذكرها. صورة امرأة كانت واقفة بجانب أبي. سألت مين كانت الست دي؟ فيفيان لم ترد. الرجل الغريب قال بصوت منخفض أخته. نظرت إليه. بس قلت إنها اختفت. قال وده اللي أبوكي كان عايز الناس تصدقه. ساد الصمت. ثم أخرجت فيفيان هاتفها، وفتحت صورة قديمة. كانت صورة لثلاثة أشخاص. أبي. أخته. ورجل يقف خلفهما. كبرت الصورة. وعندما ظهر وجه الرجل بوضوح تراجعت خطوة. لأنني كنت أعرفه. كنت أراه أمامي الآن. نظرت ببطء إلى الرجل الغريب. إنت لم ينكر. قال أيوه. إنت كنت في الصورة؟ هز رأسه. وأنا الوحيد اللي يعرف ليه أخت أبوكي اختفت. قبل ما أكمل السؤال وصل إشعار إلى هاتف فيفيان. نظرت إليه. ثم شحب وجهها تمامًا. قالت لا مستحيل. سألتها إيه؟ ناولَتني الهاتف. كانت رسالة من رقم مجهول قوليلها الحقيقة كاملة وإلا هتكون هي الهدف التالي قرأت الرسالة أكثر من مرة. هتكون هي الهدف التالي. رفعت عيني لفيفيان. مين اللي بعت الرسالة؟ هزت رأسها. مش عارفة. سامح أخذ الهاتف منها وفحص الرقم. قال الرقم متخفي. ثم نظر إليّ. لكن الرسالة معناها إن الشخص ده بيراقبنا. فجأة سمعنا صوت ارتطام قوي من الممر. ثم صوت خطوات سريعة تبتعد. فتح الرجل الغريب الباب وخرج، لكن بعد ثوانٍ رجع وهو يحمل شيئًا صغيرًا. قال كان ده مرمي بره. كان مفتاحًا إلكترونيًا عليه شعار برج هاريسون. سامح أمسكه. ده مش مفتاح عادي. سألته يعني إيه؟ قال ده مفتاح وصول للمصعد الخاص. فيفيان قالت المصعد الخاص بيروح للدور الثاني والأربعين. بصيت لها. إيه الموجود هناك؟ سكتت. فيفيان. تنهدت. مكتب أبوكي القديم. قلبي انقبض. إزاي محدش قال لي عن المكتب ده؟ قالت لأن أبوكي أقفله من 18 سنة. الرجل الغريب أضاف ومحدش دخله من يومها. سامح نظر للمفتاح. يبقى لازم نطلع. ركبنا المصعد الخاص. ضغط سامح على زر الدور 42. الأبواب أُغلقت. لكن المصعد لم يتحرك. ظهرت على الشاشة رسالة أدخل اسم الوريث. نظرت إلى سامح. قال اكتبي اسمك. كتبت HANA ROBERT تحول الضوء إلى الأخضر. بدأ المصعد يصعد. دورًا بعد دور. حتى وصل إلى الطابق الأخير. انفتحت الأبواب. كان المكتب مظلمًا تمامًا. دخلت وأنا أتنفس ببطء. كل شيء كان مغطى بطبقة رقيقة من الغبار. المكتب. الكرسي. الصور. حتى فنجان القهوة القديم كان موجودًا فوق الطاولة. اقتربت من مكتب أبي. وجدت درجًا مقفولًا. وضعت المفتاح الإلكتروني بجانبه. انفتح الدرج وحده. كان بداخله جهاز تسجيل وملف أسود. شغلت التسجيل. جاء صوت أبي هانا لو وصلتي للمكتب، يبقى فيفيان قالت لك الحقيقة الأولى. نظرت إليها. كان وجهها شاحبًا. استمر صوت أبي لكن فيه حقيقة ثانية ما قلتهاش لها. سكت التسجيل لحظة. ثم قال الشخص اللي كنت بحاول أحميك منه كان قريب منك طول الوقت. توقفت أنفاسي. ثم سمعنا صوتًا آخر داخل التسجيل. صوت امرأة. صوت واضح. صوت أعرفه جيدًا. رفعت عيني ببطء ناحية فيفيان. لأن الصوت كان صوتها. قالت المرأة في التسجيل روبرت لو حصل لك حاجة، هانا لازم تعرف الحقيقة. ثم جاء صوت أبي مش دلوقتي يا فيفيان. انتهى التسجيل. نظرت إليها. إنتِ كنتِ عارفة من البداية. فيفيان لم تنكر. لكنها قالت جملة واحدة جعلتني أنسى كل شيء أنا ما كنتش زوجته الثانية بالصدفة يا هانا أبوكي اتجوزني عشان كنت أنا الشخص الوحيد اللي يقدر يحميك من الحقيقة. وفجأة صدر صوت من خلفنا. صفق شخص ببطء في الظلام. صفقة ثم أخرى ثم قال صوت مجهول أخيرًا وصلتوا للمكتب تجمدنا جميعًا. الصفقات استمرت. ثم ظهر رجل من خلف الستارة. كان في أواخر الخمسينات، يرتدي معطفًا أسود، وملامحه هادئة بشكل مخيف. بص لي مباشرة. أخيرًا قابلتك يا هانا. سامح تقدم أمامي. إنت مين؟ ابتسم الرجل. اسمي أدريان. الرجل الغريب تغير وجهه فورًا. أدريان بص له أدريان. واضح إنك لسه عايش. قلت إنت تعرفه؟ أدريان ضحك. أنا أعرف كل واحد كان قريب من أبوكي. ثم نظر لفيفيان. وهي تعرف أكتر مما قالت. فيفيان قالت بسرعة ما تسمعش له يا هانا. أدريان اقترب من المكتب. أبوك كان رجل ذكي. نقل الملايين باسمك، وحط البرج في صندوق ائتماني، وخبّى المستندات في أماكن مختلفة. ثم نظر لي. لكن عمل غلطة واحدة. سألته إيه؟ قال ثق في الأشخاص الخطأ. سامح قال بحدة لو عندك دليل، طلّعه. أدريان أخرج ملفًا من حقيبته ووضعه على المكتب. الدليل هنا. فتحت الملف. كانت بداخله صور وعقود وتحويلات مالية. ثم ظهرت صورة قديمة لأبي مع أخته. وتحت الصورة تاريخ يعود إلى 18 سنة. لكن الشيء الذي صعقني كان ورقة أخرى. كانت عبارة عن تقرير رسمي يثبت أن أخت أبي لم تختفِ كما كنت أعتقد. كانت قد غادرت البلاد بإرادتها. رفعت الورقة. يعني هي عايشة؟ أدريان لم يجب. بدلًا من ذلك، أخرج صورة حديثة. وضعها أمامي. تجمدت وأنا أنظر إليها. امرأة في الخمسينات تقف أمام مقهى صغير. لكن عينيها كانتا نفس عيني أبي. قال أدريان أخت أبوكي عايشة. فيفيان أغمضت عينيها. سامح سأل فين؟ أدريان ابتسم. المشكلة مش في مكانها. ثم نظر إليّ. المشكلة إنها تعرف مين حاول يسيطر على ثروة أبوكي. سألته مين؟ قال الشخص اللي كان المفروض يستلم إدارة البرج لو أبوكي مات قبل ما ينقل الملكية باسمك. فتحت الملف بسرعة. وجدت صفحة بعنوان خطة الخلافة. وتحتها اسم واحد. قرأت الاسم. ثم رفعت رأسي بصدمة. لأن الاسم لم يكن اسم أدريان. ولا اسم سامح. ولا حتى اسم كريم. كان اسم شخص كنت أظن أنه مات قبل سنوات. وفي اللحظة نفسها، رن هاتف سامح. نظر إلى الشاشة. ثم قال بصوت منخفض هانا عندنا مشكلة. إيه؟ الحساب اللي فيه ال مليون دولار اتفتح من ساعة. تجمدت. مين فتحه؟ نظر إلى سجل الدخول. ثم قال استخدموا بصمة دخول مرتبطة باسمك. أدريان ابتسم. وقال وده معناه إن الشخص اللي سرق فلوسك مش محتاج يزوّر توقيعك. اقترب خطوة. هو عنده مفتاح أقرب من التوقيع. سألته إيه المفتاح؟ قال هويتك نفسها وقفت مكاني للحظات، مش قادرة أستوعب. هويتي؟ يعني إيه؟ سامح فتح الملف بسرعة، وبدأ يقلب الأوراق. وفجأة توقف عند صفحة أخيرة. قال فهمت. بصيت له. إيه؟ قال أبوك ما كانش سايب لك الفلوس والبرج بس كان سايب لك مفاتيح كل الحسابات والأصول من خلال صندوق ائتماني بيستخدم بصمة هويتك القانونية. سألته يعني حد سرق هويتي؟ هز رأسه. لا. حد حاول ينتحلها. هنا فهمت ليه أبويا كان حذر طوال السنين. ولأول مرة، حسيت إن كل القطع بدأت تركب مع بعض. أدريان كان بيحاول يوصل للبرج. فيفيان كانت تعرف جزءًا من الحقيقة. والعقد المزور كان محاولة لإثبات إنني وافقت على نقل الملكية. لكنهم ما كانوش عارفين إن أبويا حط شرطًا أخيرًا. اتصل سامح بالبنك، وأوقف كل التحويلات. وبعد دقائق، ظهر الدليل. كان فيه شخص حاول فتح الحساب باستخدام مستندات مزورة. لكن كاميرا البنك سجلت وجهه. ولما ظهرت الصورة على الشاشة عرفناه. كان أحد الأشخاص الذين عملوا مع إدارة أبي قديمًا. لم يكن قريبًا لنا، لكنه كان يعرف تفاصيل الشركة والأصول. وبعدها بدأت الإجراءات القانونية. تم تجميد الحسابات، وإبطال العقد المزور، وتثبيت ملكيتي للبرج رسميًا. أما فيفيان، فلم أتركها بلا عقاب. لكنني أيضًا لم أظلمها. اعترفت بكل ما تعرفه، وقدمت المستندات التي أخفاها أبي. واتضح أنها بالفعل كانت تحاول حمايتي، لكنها أخطأت عندما ظنت أن طردي من البيت سيبعدني عن الخطر. بعد أسابيع، قابلت أخت أبي لأول مرة. كانت لحظة صعبة. حكت لي أن أبي أخفاها عن الجميع بعدما اكتشف أن هناك من يريد استغلالها للوصول إلى أصول العائلة. وقبل أن نفترق، أعطتني رسالة قديمة من أبي. فتحتها. كان مكتوبًا فيها هانا أنا عارف إنك ممكن تزعلي مني لأني خبيت عنك حاجات كتير. لكن كل اللي عملته كان عشان اليوم اللي تكوني فيه قادرة تحمي نفسك بنفسك. ال مليون دولار مش أهم حاجة سيبتها لك. أهم حاجة هي إنك ما تسمحيش لحد يخوفك من حقك. ولو حد طردك من بيتك يومًا افتكري إن البيت عمره ما كان المكان اللي يحدد قيمتك. أغلقت الرسالة ودموعي نزلت من غير ما أحس. بعدها بأشهر، وقفت أمام برج هاريسون. 42 دورًا. المبنى الذي لم أكن أعرف أنه أصبح ملكي إلا في ليلة وفاة أبي. لكن هذه المرة لم أشعر بالانتصار بسبب المال. شعرت بالانتصار لأنني أخيرًا فهمت لماذا كان أبي يحاول حمايتي. وفي نفس اليوم، وصلني ظرف أخير. فتحتُه. وجدت بداخله مفتاحًا صغيرًا وورقة واحدة ده آخر سر يا هانا افتحيه فقط عندما تكوني مستعدة لمعرفة الحقيقة عن الليلة الأخيرة لأبوك. نظرت إلى المفتاح طويلًا. ثم ابتسمت. لأنني أدركت أن أبي ترك لي ثروة تساوي 28 مليون دولار وبرجًا كاملًا في نيويورك لكن أعظم ميراث تركه لي كان شيئًا آخر الحقيقة.