جوزي وعدني حكايات بسمة

وقفت ندى على أرضية صالة الانتظار بالمطار، المطر ينهمر بالخارج ويرتطم بالزجاج الفاخر بكثافة، بينما كان الشاش الخفيف في صدرها يضيق مع كل نفس تأخذه. نظر إليها زوجها عمر بنظرات ملؤها التوتر والارتباك، يحاول بشتى الطرق تفادي النظر المباشر في عينيها.
أما أخته سارة، فكانت تقف بثقة مزيفة، تسحب شنطة سفرها الوردية وتعدل خصلات شعرها، بجوار أمها التي أمالت رأسها للتعالي، قائلة بنبرة مليئة بالاستخفاف
يا بنتي ما تعمليش دراما في وسط الناس والمطار! الشاب عاوز يستمتع بالسفرية مع أهله، وأنتِ لسه صغيرة والعمر قدامك… نبقى نخليه يفسحك في أي وقت تاني!
أخرجت ندى هاتفها الذكي ببرود يحترق تحته جمر الغضب، وقامت بتكبير الصورة الضوئية للوثيقة التي أرسلها لها موظف شركة السياحة عبر البريد الإلكتروني. كانت الإقرار الرسمي الموجّه للشركة بطلب إلغاء حجز الطيران والإقامة الخاص ب ندى أحمد، وتحويل القيمة المالية بالكامل إلى الحساب الشخصي لزوجها عمر.
في أسفل الإقرار، كان هناك توقيع منسوب إليها… لكنه لم يكن توقيعها أبداً!
اتسعت عينا ندى، ورفعت نظرتها ببطء نحو سارة. كانت الأرقام والحروف المكتوبة في التوقيع تحمل انحناءة خاصة، طريقة كتابة حرف النون وحرف الألف بالتفاف مزخرف لا يتقنه إلا شخص واحد… أخت زوجها، سارة!
سارة التي تعمل موظفة في الفرع الرئيسي للبنك الذي تودع فيه ندى كل تحويشة عمرها، والتي طلبت منها قبل
شهرين فقط تحديث بياناتها الشخصية وصورة بطاقتها القومية مع نماذج توقيعها البنكي!
تغيرت ملامح ندى بالكامل. زالت علامات الانكسار والضعف، وحل محلها ثبات صارم كالجبال. رفعت الموبايل في وجه سارة وقالت بصوت هادئ لكنه نزل كالصاعقة
التوقيع ده… توقيع مين يا سارة؟
سارة ارتبكت للحظة، وحاولت السيطرة على نبرة صوتها
توقيع إيه؟ أنتِ بتهرجي ولا إيه يا ندى؟
ندى قربت منها خطوة، وبصوت حاد يسمعه عمر وأمه
التوقيع ده خط إيدك أنتِ! أنتِ استغلبتِ وظيفتك في البنك، وسحبتِ صورة بطاقتي ونموذج توقيعي اللي حدثته معاكي في الفرع… وزوّرتِ إقرار رسمي باسمي لشركة السياحة عشان تلغي حجز سفري وتستولي على الفلوس تحوليها لأخوكي!
عمر اتجمد مكانه، وشه جاب ألوان وتنقلت عيونه بين أخته وزوجته
إيه؟! سارة… أنتِ مش قلتِ لي إن ندى هي اللي تنازلت لكِ عن الحجز عشان ماما تغير جو، وإنها موافقة ومدياكي البطاقة بنفسها؟!
سارة تلعثمت ووجهها أصبح أصفر كالصفصاف
أنا… أنا كنت فاكرة إنها مش هتفرق معاها! هي معاها فلوس وشغالة… وأنت يا عمر كان نفسك تفسحنا ومامتي تعبانة!
حماتها صرخت في المطار تحاول التغطية على أخت عمر
جرى إيه يا بت أنتِ؟! بتتهمي بنتي بالتزوير عشان حتة سفرية؟! الفلوس كلها غورة، وأبني سيدك وسيد أبوكي يدفعلها مية سفرية!
ندى ابتسمت بسخرية مرعبة، وطلبت مكالمة فورية على الموبايل، وحطت الموبايل على السبيكر
مساء الخير يا فندم… أنا ندى أحمد، المودعة بفرع البنك الأهلي. ببلغ حضرتك إني حالاً بقدّم بلاغ رسمي للنيابة العامة ولإدارة التفتيش المركزي بالبنك ضد الموظفة سارة… بتهمة اختراق السجلات السرية
للعملاء، وسرقة بيانات شخصية، واستغلالها في تزوير مستندات واستيلاء على أموال.
الموظف على هاتف الخدمة رد بصرامة
تم تسجيل البلاغ يا فندم، وسيتم إيقاف
سارة إنهارت وسقطت شنطتها من إيدها، وبدأت تصرخ وتعيط في وسط المطار
لا يا ندى أرجوكي! البنك هيطردني وهتسجن! مستقبلي هيروح! أنا والله عمر هو اللي قال لي إنه معندوش فلوس يكفينا كلنا وقال لي اتصرفي!
عمر صرخ في أخته
أنا قلتلك اتصرفي في حدود المسموح! ما قلتلكيش زوري واسرقي مراتي يا قذرة!
الناس في المطار بدأوا يتلموا ويتفرجوا عليهم، والأمن بدأ يقرب من المنطقة بسبب صراخهم وفضيحتهم. ندى سحبت شنطتها الصغيرة، وبصت لعمر وقالت بجمود
السفرية العائلية بدأت يا عمر… استمتعوا بيها بقى، بس مش في شرم الشيخ… في أروقة النيابة العامة.
العودة واسترداد الحقوق
رجعت ندى لبيتها في نفس الليلة. البيت اللي كانت شرياه بعرقها ومالها الخاص قبل ما تعرف عمر، والذي أصرّ بعد الجواز إنهم يقعدوا فيه بحجة توفير الإيجار لشراء شقة جديدة باسمهما.
اتصلت بنجار، وغيرت كالون
الباب بالكامل. جمعت كل هدوم عمر، وساعاته، وعطوره، وحطتها في شنط كبيرة كبستها وسابتها عند بواب العمارة، وأعطت للبواب إخطاراً رسمياً بعدم السماح لعمر أو أي من أهله بالدلوف للعمارة.
في صباح اليوم التالي…
توجهت ندى برفقة المحامي الخاص بها إلى مقر النيابة العامة، وقدمت المحاضر والمستندات المدعومة بتسجيلات شركة السياحة، وصورة الإقرار المزود بالتوقيع المزور، وكشف الحساب البنكي الذي يثبت تحويل المبلغ لحساب عمر.
أصدرت النيابة العامة أمراً عاجلاً بالقبض على سارة بتهمة التزوير والاستيلاء واستغلال الوظيفة البنكية، واستدعاء عمر كمتهم ثانٍ وشريك في الجري\مة والاستيلاء على المبالغ المادية!
المشهد الأخير سقوط الأقنعة والقصاص
بعد يومين…
كانت ندى قاعدة في كافيه راقي جنب بيتها بتشرب القهوة في هدوء، لما تلفونها رن برقم عمر. ردت ببرود
نعم؟
صوت عمر كان مكسور، بيعيط وبيرتجف من داخل قسم الشرطة
ندى… أرجوكي ارحميني وارحمي
أختي! سارة مقبوض عليها ومستقبلها ضاع وتفصلت رسمياً من البنك! وأنا محبوس على ذمة التحقيق وممكن أتسجن معاه! أرجوكي تنازلي عن المحضر وأنا مستعد أكتبلك شيك بكل الفلوس وأنفذ كل شروطك!
ندى ردت بثبات وصوت هز كيانه
الفلوس؟ أنت فاكر إن الموضوع كان فلوس يا عمر؟ الموضوع كان أمانة… أنت أمنت على أختك تسرقني وتزور توقيعي عشان تفسح أمك بفلوسي، ورضيت إني أقف في المطار زي الغريبة والناس تتفرج عليا وأنت بتضحك وتفتكرني بتهدد! الفلوس هترجع بالقانون، وكرامتي اللي حاولتوا تدوسوا عليها… القانون هيرجعهالي أضعاف مضاعفة.
عمر صرخ بانهيار
أمي هتتمسح بكرامتها الأرض يا ندى! الفضيحة حلت علينا في العيلة كلها والناس كلها بتتكلم علينا!
ردت ندى بابتسامة نصر
أمك هي اللي ربتكم على الطمع وأكل حقوق الناس… ودلوقتي هي بتجني ثمار تربيتها. ورقة طلاقي توصلني خلال 24 ساعة، وإلا هضيف ق\ضية تبديد منقولات وزوجية بالقيمة الكاملة.
قفلت ندى السكة
في وشه، وحظرت رقمه تماماً.
بعد أسبوعين من التحقيقات الجنائية المكثفة…
صدر حكم النيابة بإعادة كافة المبالغ المالية المستولى عليها إلى حساب ندى، بالإضافة إلى تعويض مالي كبير عن الأضرار الأدبية والنفسية. تم إشهار طلاق ندى رسمياً للضرر، وحصلت على كافة حقوقها الشرعية والمؤخر ونفقة المتعة بالكامل.
أما سارة… فتم فصلها نهائياً من قطاع البنوك وحرمانها من ممارسة أي نشاط مصرفي طوال حياتها مع صدور حكم قضائي بحبسها مع وقف التنفيذ نظرًا للحفاظ على مستقبلها الجنائي، وخسر عمر عمله وسمعته وسُحبت منه كرامته أمام الجميع.
رجعت ندى لحياتها الهادئة والجميلة، واستعادت شقتها وراحتها النفسية. وجلست في بلكونة شقتها تستمتع بنسيم الصباح، مدركة أن الكرامة لا تُشترى بالمال، وأن من يستهين بحق زوجته وأمانتها… تجرفه أفعاله إلى القاع دون رحمة.
تمت بحمد الله.
صلوا على النبي، والحق دايماً بيبان، والنية الطيبة والنقية ربنا بيحمي صاحبها
وينصره على كل ظالم وخائن





