حماتي اتصلت بيا ٦٧ مرة وأنا في الطوارئ، بس عشان تطلب مني ارحع اهتم بحمايا…

حماتي اتصلت بيا ٦٧ مرة وأنا في الطوارئ، بس عشان تطلب مني ارحع اهتم بحمايا… لكن الليلة دي قفلت الحنفية اللي كانت مخلياهم عايشين على حسابي…
الحساب عليكي، ولا عايزة ابني يتكسف إنه اتجوز واحدة متعرفش تقف جنب أهل جوزها؟
قالتها الحاجة أمينة وهي بتزق طبق الفاتورة ناحيتي من غير حتى ما تبصلي. كنا قاعدين في مطعم سمك في المعادي، يوم السبت الضهر، وأنا كنت لسه دافعة العربون، ورتبت الترابيزة، ووزعت المناديل، وطلبت مية ل الحاج عبد الحميد، حمايا، وسمعت أخت جوزي منى وهي بتزود جمبري وكابوريا وحلو غالي وهي بتقول
ما هو مريم بتشتغل، خليها تدفع.
ابتسمت… زي كل مرة
كان عندي ٣٩ سنة، وكنت مديرة تخطيط في شركة شحن ولوجستيات، أقدر أقف قدام أكبر مديرين وأعرض مشاريع من غير ما صوتي يهتز.
لكن قدام حماتي… معرفش ليه… كنت بحس إني صغيرة أوي.
طلعت الكارت الرمادي من شنطتي
نفس الكارت اللي بقاله عشر سنين بدفع بيه عيد الميلاد، والأدوية، وتصليحات بيت أهل جوزي، وهدايا عيد الأم، وحتى مصاريف مدرسة ابن منى
جوزي أحمد كان عارف إني بساعدهم… لكنه عمره ما سألني دفعت كام
يمكن لأنه كان مرتاح إنه ميعرفش
وأول ما خرجنا من المطعم، منى خبطتني بخفة في كتفي وقالت بصوت واطي
إنتِ ملاك يا مرات أخويا… أنا مستحيل أصرف كل الفلوس دي على ناس حتى مش بيقولوا شكراً.
الكلمة وجعتني… لأنها كانت الحقيقة
في العربية، أخدت نفسي بالعافية وقلت لأحمد
أنا مش زعلانة إني بساعد… اللي مضايقني إن مامتك بقت تعتبر ده واجب. النهارده حتى مقالتليش شكراً.
حط إيده على إيدي وقال بهدوء
حقك عليا يا حبيبتي… أمي طبعها ناشف، بس هي بتحبك. أنا بس مضغوط في مشروع كبير في إسكندرية. أول ما أخلص، هبقى أنا اللي أشيل المسؤولية أكتر.
صدقته زي كل مرة… كنت بصدقه
بعدها بأربع أيام، الساعة خمسة الفجر، منى كلمتني وهي بټعيط
الحاج عبد الحميد وقع في الحمام وصلت المستشفى قبل الكل
مضيت الأوراق، وكلمت الدكاترة، ودفعت مقدم العملية، وقعدت أدعي في طرقة المستشفى الباردة وهو جوه العمليات بسبب جلطة في المخ.
الحمد لله عاش…
لكن نص جسمه بقى مش بيتحرك، ولسانه بقى تقيل وفي نفس الوقت، أحمد جاله خبر إن المشروع اتقدم، ولازم يشتغل ليل نهار لمدة شهر كامل.
مسك إيديا في طرقة المستشفى وقال
شهر واحد بس يا مريم… ساعديني مع بابا. ماما ومنى هيقفوا معانا، بس إنتِ أكتر واحدة بتعرف تنظّم كل حاجة.
ومرة تانية…
قلت حاضر
جبت ممرضة مقيمة اسمها أم محمد، ودفعت لها ١٨ ألف جنيه مقدم
كنت فاكرة إن كده هعرف أشتغل الصبح، وأعدي بعد الشغل على المستشفى
بعد تلات أيام، دخلت أوضة ٣١٢ ومعايا شوربة فراخ
لقيت حمايا لوحده…
شفايفه ناشفة، وكوباية المية بعيدة عن إيده
نزلت الاستقبال، ولقيت الحاجة أمينة قاعدة بتعد فلوس جوه شنطتها
قلت باستغراب
فين أم محمد؟
قالت بمنتهى البرود
روحتها. الممرضات دول بياخدوا فلوس كتير. رجعتلي باقي الشهر، وأنا احتفظت بيهم… يمكن نحتاجهم بعدين.
بصيت لها وقلت
الفلوس دي أنا اللي دفعتها.
ردت من غير ما يتهز فيها شعرة
وإيه يعني؟ كل اللي معاكي هو بتاع العيلة. وبعدين إنتِ أصلاً بتيجي كل يوم.
حسيت إن حاجة جوايا وقعت
وقبل ما أرد… زقت ناحيتي كيس أسود كبير
وقالت
خدي هدوم حماكي الۏسخة اغسليها. المغسلة بتاخد فلوس… وإنتِ في الآخر مراته ابننا.
الكيس وقع جنب رجلي…
وريحته كانت خانقة وفي الليلة دي…
غسلت الملايات والهدوم المتبهدلة بإيدي لحد الساعة اتنين بالليل
وقعدت أعيط في هدوء…
عشان أحمد ميصحاش بعدها الأيام بقت أسوأ
أشتغل من ٨ الصبح ل٦ المغرب ألف القاهرة كلها
أروح المستشفى أأكل الحاج عبد الحميد
أغيرله الحفاضة أحرك رجليه وإيديه أغسل المواعين أشتري العلاج وأرجع البيت قبل الفجر بشوية أما منى…
كانت تيجي عشر دقايق بس، شايلة أكياس من سيتي ستارز، وتقول بكل برود
مطمنة طول ما إنتِ موجودة يا مرات أخويا.
والحاجة أمينة…
كانت ممددة على الكنبة في الأوضة، بتتفرج على المسلسلات على الموبايل
وفي ليلة…
ڠصب عني نمت وأنا قاعدة على الكرسي فجأة…
حسيت بحاجة ساقعة خبطتني في رقبتي
فتحت عيني لقيتها فوطة مبلولة
وقالت حماتي وهي بتبصلي باحتقار
هو ده اهتمامك بحماكي؟ لو ماټ بسبب كسلِك، والله هقول لابني كل حاجة.
ما رديتش لسه كنت فاكرة…
إن الاستحمال اسمه حب لحد الصبح اللي كنت واقفة فيه في اجتماع مهم في الشغل
فتحت العرض على الشاشة
وفجأة…
لقيت نور الأوضة بيتلوى قدامي
وحسيت ډم سخن بينزل من مناخيري
آخر حاجة سمعتها…
حد بينادي باسمي وبعدها…الدنيا اسودت
صحيت في الطوارئ محلول في إيدي والدكتور بيقولي إن ضغطي عالي جدًا بسبب الإرهاق الشديد موبايلي كان بيرن من غير ما يقف بصيت في الشاشة ٦٧ مكالمة فائتة من الحاجة أمينة رديت وأنا جسمي كله بيرتعش
صړخت في وشي
إنتِ فين يا عديمة الفايدة؟ حماكي محتاج حد يغيرله، والأكل برد ولا عايزة الراجل ېموت؟
قلت بصوت مكسور
أنا في الطوارئ… أغمى عليا، وراكبة محلول.
سكتت ثانية واحدة بس…
وبعدين قالت
يا شيخة بلاش دلع… هيحطولك محلول وخلاص. قومي وتعالي حالًا. أنا مش هغيرله ولا هنضفله
بصيت للإبرة المغروزة في إيدي…
وفي اللحظة دي بالذات… حاجة جوايا اتكسرت
قفلت السكة ولا عيطت بس فهمت أخيرًا…
إن في العيلة دي، أنا عمري ما كنت إنسانة كنت مجرد… فيزا وممرضة وغسالة وخدامة
كان إحساس أغرب من كده… كأني صحيت من حلم طويل كنت عايشاه بقاله عشر سنين.
دخل الدكتور وهو بيبص في الملف.
الضغط نزل شوية، لكن حضرتك محتاجة راحة كام يوم. جسمك وصل لمرحلة إجهاد خطېرة، ولو كملتي بنفس الطريقة ممكن المرة الجاية تبقى جلطة أو أزمة قلبية.
هزيت راسي وأنا ساكتة.
أول مرة حد يقولي إن اللي بيحصلي مش طبيعي.
أول مرة أحس إن في حد شايفني.
بعدها بخمس دقايق دخلت الممرضة وهي ماسكة موبايلي.
معلش يا أستاذة، تليفونك مبطلش رن من ساعة ما جيتي.
بصيت للشاشة.
١٢ مكالمة جديدة من الحاجة أمينة.
٧ مكالمات من منى.
٣ من أحمد.
ورسالة واتساب من حماتي.
لو أبو أحمد حصله حاجة بسببك، مش هسامحك طول عمري.
قفلت الشاشة من غير ما أرد.
بعد نص ساعة أحمد وصل المستشفى وهو بيجري.
أول ما شافني حضڼي.
إنتِ كويسة؟ الدكتور قالك إيه؟
ابتسمت ابتسامة صغيرة.
الحمد لله… مجرد إرهاق.
بصلي بقلق.
أنا سيبت الشغل وجريت عليكي.
لأول مرة من شهور، حسيت إنه فعلاً خاېف عليا.
لكن الشعور ده اختفى أول ما رن تليفونه.
بص للشاشة واتنهد.
ماما…
رد.
سمعتها من مكاني وهي بتزعق.
لدرجة إن صوتها كان طالع من السماعة.
سيبت أبوك لوحده عشان تجري ورا مراتك؟ تعالى حالًا. الراجل محتاج يتغيرله.
أحمد حاول يهديها.
يا أمي… مريم في المستشفى.
وهي يعني بټموت؟ خدها معاك وتعالوا.
بصلي وهو محرج.
وقفل المكالمة.
قعد ساكت شوية.
وبعدين قال بهدوء
معلش… هي متوترة.
كنت مستنياه يقول حاجة تانية.
أي حاجة.
يقول إن أمه غلط.
يقول إن صحتي أهم.
يقول إنه هيتصرف.
لكنه قال
هنعدي على المستشفى ساعة واحدة بس؟
بصيتله.
ولأول مرة…
مجاوبتش.
فضل مستني.
قلت بهدوء غريب حتى أنا استغربته.
لأ.
افتكر إني بهزر.
ابتسم وقال
يعني بعد ما تخرجي.
هزيت راسي.
لأ يا أحمد… مش هروح.
اختفت الابتسامة من وشه.
يعني إيه؟
يعني مش هروح.
بابا محتاجك.
وأنا كمان كنت محتاجة حد.
سكت.
كملت وأنا ببص قدامي.
كنت محتاجة حد وأنا بغسل هدومه
الساعة اتنين بالليل.
كنت محتاجة حد وأنا بشتغل عشر ساعات وبعدها أروح أغيرله حفاضة.
كنت محتاجة حد وأنا بدفع فلوسي كلها.
كنت محتاجة حد لما وقعت من التعب.
إنت كنت فين؟
ملامحه اتغيرت.
إنتِ عارفة ظروفي.
ابتسمت.
أيوه… وكل مرة كنت بلاقي سبب أقنع
نفسي بيه.
مرة الشغل.
مرة المشروع.
مرة أمك كبيرة.
مرة أختك مشغولة.
كل مرة كنت أنا الحل.
لكن لما أنا وقعت…
بقيت أنا المشكلة.
فضل ساكت.
وأول مرة في جوازنا…
ملقاش رد.
خرج الدكتور وقال إن ممكن أخرج آخر اليوم بشرط أرتاح أسبوع كامل.
أحمد قال بسرعة
خلاص… هوديكي البيت.
قلت
بيت مين؟
استغرب.
بيتنا.
قلت بهدوء
لأ.
أمال؟
هروح عند أختي كام يوم.
اتوتر.
ليه؟
عشان أرتاح بجد.
عرف يقصد إيه.
قال بسرعة
ماما ممكن تزعل.
ضحكت.
ضحكة صغيرة…
لكن كانت مليانة ۏجع.
أحمد… أنا حرفيًا كنت في الطوارئ.
وإنت لسه بتفكر مامتك هتزعل؟
وشه احمر.
ولأول مرة نزل راسه.
بعد العصر خرجت من المستشفى.
ركبت تاكسي.
وقبل ما العربية تتحرك، رن موبايلي تاني.
الحاجة أمينة.
رفضت.
اتصلت تاني.
رفضت.
اتصلت للمرة التالتة.
قفلت الموبايل كله.
وصلت بيت أختي.
أول ما فتحتلي الباب، حضنتني.
بصت في وشي وقالت بفزع
إيه اللي جرالك؟ وشك أصفر.
وقبل ما أرد…
اڼفجرت في العياط.
أول مرة أعيط من قلبي من سنين.
حكيتلها كل حاجة.
كل حاجة كنت بخبيها.
الفواتير.
الفلوس.
الغسيل.
المستشفى.
الإهانة.
والمكالمة الأخيرة.
فضلت ساكتة لحد ما خلصت.
وبعدين قالت جملة هزتني
مريم… إنتِ مش كنتِ بتساعديهم.
إنتِ كنتِ شايلة العيلة كلها على ضهرك.
ولو شلتي إيدك…
هيقعوا كلهم.
بصيتلها وأنا بمسح دموعي.
قالت
تعرفي أصلاً مين بيدفع علاج الحاج عبد الحميد؟
قلت
أنا… من وقت العملية.
هزت راسها.
وتعرفي مين بيدفع مرتب الممرضة؟
أنا.
وتعرفي مين بيشتري العلاج والأكل والمستلزمات؟
سكت.
قالت وهي بتبصلي في عيني
يبقى اللي ماسك الحنفية اللي العيلة كلها عايشة منها… هو إنتِ.
ولأول مرة…
استوعبت الحقيقة.
الحاجة أمينة كانت بتتعامل كأنها صاحبة القرار.
لكن الحقيقة…
ولا جنيه واحد كان بيطلع من جيبها.
منى طول الوقت كانت بتقول إنها معندهاش.
وأحمد كان مرتبه كله داخل في قروض ومصاريف المشروع.
أما الشخص الوحيد اللي كان بيصرف بصمت…
فكان أنا.
وفي اللحظة دي…
رن موبايل أختي.
بصت للشاشة وقالت باستغراب
دي حماتك بتكلمني… من رقم غريب.
بصيت للموبايل…
وقبل ما حتى ترد…
حسيت إن اللي جاي هيغير كل حاجة.
الفصل الثالث
أختي بصتلي باستغراب وهي ماسكة الموبايل.
أرد؟
فضلت باصة للشاشة كام ثانية.
رقم غريب…
بس إحنا الاتنين كنا عارفين مين اللي وراه.
هزيت راسي.
لأ… سيبيه يرن.
فضل يرن لحد ما قفل.
وبعدها بثواني رن تاني.
وبعدين رقم تالت.
وبعدين رقم رابع.
أختي نفخت بضيق.
الست دي مبتفهمش ولا إيه؟
ابتسمت لأول مرة من يومين.
طول عمرها متعودة إني أرد من أول رنة.
ولما معرفتش توصلي، بعتت رسالة.
لو فاكرة إنك هتهربي، تبقي غلطانة. إحنا مش هنسيبك.
قريت الرسالة من غير أي انفعال.
ومسحتها.
أختي قالت
هتردي؟
لأ.
ولو فضلت تتصل؟
برضه لأ.
سكتت شوية، وبعدين قالت
مريم… إنتِ عمرك عملتي كده قبل كده؟
هزيت راسي.
ولا مرة.
طول عمري كنت بخاف أزعل أي حد.
كنت فاكرة إن الطيبة معناها أقول حاضر على طول.
وإن احترام الكبير يعني أستحمل الإهانة.
وإن الست الشاطرة هي اللي تشيل كل حاجة وتسكت.
بس وأنا نايمة على سرير الطوارئ…
اكتشفت إن محدش فيهم كان مستعد يشيل عني حتى خمس دقايق.
…
تاني يوم صحيت متأخر.
أول مرة من سنين أنام لحد الضهر.
مفيش منبه.
مفيش مكالمات الساعة خمسة الفجر.
مفيش حد بيطلب علاج.
ولا حفاضات.
ولا أكل.
أختي عملت فطار بسيط.
وحطته قدامي.
وقالت وهي مبتسمة
كلي وإنتِ ساكتة.
لقيت نفسي بضحك.
نسيت آخر مرة حد عمللي فطار من غير ما أكون أنا اللي واقفة في المطبخ.
بس الهدوء مكملش.
جرس الباب رن.
أختي بصت من العين السحرية.
ورجعت بصتلي.
حماتك.
اتجمدت مكاني.
قالت
لو مش عايزة تشوفيها، مش هفتحلها.
قلت بهدوء
افتحيلها.
دخلت الحاجة أمينة كأن البيت بيتها.
لا سلمت.
ولا حتى سألتني عاملة إيه.
أول كلمة قالتها كانت
يلا… قومي.
أنا وأختي بصينا لبعض.
قلت
أقوم أروح فين؟
ردت بعصبية
على المستشفى.
قلت بهدوء
مش هروح.
ضحكت بسخرية.
هو كل ده عشان حطولك إزازة محلول؟
أختي مقدرتش تسكت.
لو سمحتي… الدكاترة قالولها لازم ترتاح.
حماتي بصتلها من فوق لتحت.
محدش كلمك.
وبعدين بصتلي تاني.
أبو أحمد بقاله يومين محدش بيغيرله غير عامل النظافة.
ومنى مبتعرفش تعمل حاجة.
وأنا ضهري واجعني.
يلا قومي.
قلت
لأ.
افتكرت إنها مسمعتنيش.
بقولك قومي.
بصيتلها في عيني وقلت
وأنا بقول لأ.
لأول مرة…
الكلمة خرجت مني من غير خوف.
وشها احمر.
وقالت
شكلك ناسية نفسك.
قلت بهدوء
لأ… بالعكس.
أنا لأول مرة فاكرة نفسي.
سكتت شوية.
وبعدين قالت بعصبية
بعد كل اللي عملناه معاكي، في الآخر تتخلي عن العيلة؟
ضحكت بمرارة.
هو إنتوا عملتولي إيه أصلًا؟
اتلخبطت.
فكملت كلامي.
اديني حاجة واحدة بس عملتوها عشاني.
مرة واحدة.
لما كنت تعبانة.
لما كنت محتاجة.
لما كنت بعيط.
لما كنت بدفع.
لما كنت بنام ساعتين في اليوم.
قوليلي… عملتولي إيه؟
ملقتش حاجة تقولها.
فاكتفت إنها تعلى صوتها.
إحنا أهل جوزك!
قلت بهدوء
وأنا مش الخدامة.
أول مرة في حياتها…
حد يرد عليها بالشكل ده.
لفت ناحية أختي وقالت
واضح إنك إنتِ اللي محرضاها.
أختي ضحكت.
لا يا حاجة… اللي فوقعها على الحقيقة هو تعبها.
الحاجة أمينة طلعت موبايلها.
خلاص… هكلم أحمد.
قلت بمنتهى الهدوء
كلميه.
اتصلت بيه.
وفتحت السماعة.
رد أحمد بسرعة.
أيوه يا أمي.
قالت بعصبية
تعالى خد مراتك.
شكلها اټجننت.
بتقول مش هتيجي المستشفى.
سكت شوية.
وبعدين قال
اديني أكلمها.
ناولتني الموبايل.
قلت
أيوه يا أحمد.
كان صوته هادي…
زيادة عن اللزوم.
مريم… بلاش مشاكل دلوقتي.
قلت
أنا مش عاملة مشاكل.
أنا بس بعمل اللي الدكتور قال عليه… بأرتاح.
قال
طب استني يومين كمان وتعالي.
قلت
لأ.
استغرب.
ليه؟
قلت
لأن بعد اليومين هيرجع كل حاجة زي الأول.
هشتغل.
وأصرف.
وأخدم.
وأتذل.
وإنت كل مرة هتقولي اصبري.
سكت.
قلت
عندي سؤال واحد.
مين اللي بيدفع علاج باباك؟
مردش.
قلت
مين اللي اشترى الأدوية؟
برضه ساكت.
مين اللي دفع مرتب الممرضة؟
ولا كلمة.
مين اللي دفع تأمين المستشفى؟
طال السكوت.
وفي الآخر قال بصوت واطي
إنتِ.
قلت
طيب… تعرف إن كل ده وقف من يوم ما دخلت المستشفى؟
واضح إنه اټصدم.
لأنه فعلًا…
مكانش يعرف.
كان فاكر إن الفلوس بتطلع لوحدها.
قلت بهدوء
من النهارده يا أحمد… أنا مش هدفع جنيه واحد.
لا علاج.
ولا ممرضة.
ولا أكل.
ولا أي حاجة.
من الناحية التانية…
سمعت الحاجة أمينة بتصرخ.
إنتِ بتقولي إيه؟!
لكن كملت كلامي كأنها مش موجودة.
أبوك مسؤوليتكم.
مش مسؤوليتي أنا لوحدي.
وقفلت المكالمة.
ورجعتلها الموبايل.
الحاجة أمينة كانت بتتنفس بسرعة من كتر الڠضب.
وشاورت عليا وقالت
هتندمي.
قلت بهدوء
يمكن.
بس مش قد ندم السنين اللي فاتوا.
خرجت وهي مخبطة الباب وراها پعنف.
وسابِت البيت كله ساكت.
أختي قربت مني، وربتت على كتفي.
وقالت
إنتِ عارفة إيه اللي هيحصل دلوقتي؟
بصيتلها.
قالت
أول ما الفلوس تقف…
الحقيقة كلها هتبدأ تظهر.
وقبل ما أرد…
إشعار من البنك وصل على موبايلي.
تم خصم آخر قسط للتأمين الطبي الخاص بالحاج عبد الحميد من حسابك.
ابتسمت بهدوء.
وفتحت تطبيق البنك.
وبضغطة واحدة…
لغيت التفويض البنكي اللي كان بيسحب آلاف الجنيهات من حسابي كل شهر، عشان يصرف على علاج عيلة عمرها ما اعتبرتني واحدة منها.
وفي نفس اللحظة تقريبًا…
موبايل أحمد رن من جديد.
بس المرة دي…
مكنش بيتصل عشان يرجعني.
كان بيتصل…
لأنه اكتشف أخيرًا إن الشريان اللي كانت العيلة كلها عايشة عليه…
اتقفل.
الفصل الرابع
فضلت باصة للموبايل بعد ما قفلت التفويض البنكي.
إيدي كانت ثابتة…
على عكس كل مرة قبل كده.
زمان كنت كل ما أعمل حاجة تضايقهم، قلبي يقعد يدق، وأفضل ألوم نفسي.
المرة دي…
ولا ذرة ندم.
بعد أقل من خمس دقايق، الموبايل رن.
أحمد.
بصيت للاسم شوية.
وبعدين رديت.
صوته كان متوتر بطريقة عمري ما سمعتها منه.
مريم… إنتِ عملتي إيه؟
قلت بهدوء
تقصد إيه؟
البنك باعتلي رسالة إن الخصم الدوري اترفض.
سكت ثانية، وكمل
المستشفى كلمتني بتقول إن شركة الرعاية الطبية واقفة الخدمات لحد ما يتسدد المبلغ.
قلت بمنتهى الهدوء
أيوه… أنا اللي لغيت
الخصم.
سكت.
كأنه مستوعبش.
يعني إيه لغيتيه؟
يعني من النهارده مش هكون مسؤولة عن أي مصاريف تخص باباك.
اتنهد بعصبية.
يا مريم… ده وقت الكلام ده؟
قلت
لا.
ده الوقت اللي كان المفروض ييجي من زمان.
قال وهو بيعلي صوته لأول مرة
ده أبويا!
قلت بسرعة
وأبوك مسؤوليتك.
مش مسؤوليتي أنا لوحدي.
إنتِ عارفة العلاج هيقف؟
وأنا عارفة إن حسابي فضل عشر سنين بيتسحب منه فلوس كل شهر، ومحدش فيكم مرة واحدة سألني إذا كنت قادرة ولا لأ.
سكت.
قلت
أحمد… قولي بصراحة.
إنت كنت تعرف إن العلاج كله بيتخصم من حسابي؟
اتردد.
لا…
كنت فاكر إنك بتساعدي في جزء.
ضحكت ضحكة كلها ۏجع.
لا يا أحمد.
مش جزء.
الكل.
العملية.
العلاج.
الممرضة.
الأدوية.
التحاليل.
المواصلات.
حتى الأكل اللي كان بيدخل الأوضة.
أنا.
أنا لوحدي.
في الطرف التاني…
مسمعتش غير نفسه.
واضح إنه بدأ يستوعب حجم اللي كان بيحصل.
لكن قبل ما يتكلم…
سمعت صوت الحاجة أمينة بتزعق بعيد عن السماعة.
قولها لو أبوك جراله حاجة هتبقى هي السبب!
أحمد قال بسرعة
ماما… وطي صوتك.
قلت
سيبها تكمل.
هي
طول عمرها بتقول اللي في قلبها.
المرة دي دوري أنا.
سكت.
قلت بهدوء
لو كنتوا عاملتوني كإني بنتكم…
مكنتش هتأخر عليكم بجنيه.
لكن إنتوا عاملتوني كأن وجودي كله عبارة عن محفظة فلوس وخدامة تحت الطلب.
وده انتهى.
وقفلت المكالمة.
…
بعد ساعة تقريبًا…
رن جرس الباب.
أختي بصت من العين السحرية.
وقالت
أحمد.
قلت
افتحيله.
دخل وهو شكله مرهق.
دقنه طالعة.
وعينيه حمر من السهر.
أول ما شافني قال
ممكن نتكلم؟
أختي قامت بهدوء.
هسيبكم.
ولما خرجت، فضل أحمد واقف.
مش عارف يبدأ منين.
وأخيرًا قال
أنا آسف.
بصيتله.
دي أول مرة أسمعها منه.
قال
يمكن فعلًا كنت مقصر.
يمكن كنت شايف إنك قوية، فسيبت كل الحمل عليكي.
قلت
لا.
إنت ما سبتوش عليا.
إنت حطيته عليا.
الفرق كبير.
نزل راسه.
معاكي حق.
سكت شوية.
وبعدين قال
بس دلوقتي إحنا في أزمة.
المستشفى طالبة فلوس.
والحسابات واقفة.
وأختي معندهاش.
وماما…
ماما بټعيط.
قلت بمنتهى البرود
طبيعي.
أول مرة تدوق إحساس إن محدش يشيل عنها.
بصلي باستغراب.
واضح إنه عمره ما شافني بالهدوء ده.
قال
يعني هتسيبي بابا؟
قلت بسرعة
لا.
أنا بسيب الاستغلال.
في فرق.
لو باباك احتاج عملية، وأنا قادرة أساعد، هساعد.
لكن بإرادتي.
مش بالإجبار.
ومش على حساب صحتي وكرامتي.
سكت.
ولأول مرة…
بدأ يفهم.
لكن الحقيقة كانت لسه مستخبية.
وفجأة رن موبايله.
بص للشاشة.
وكانت منى.
رد بسرعة.
وفجأة وشه اتغير.
قال
إيه؟!
إزاي يعني؟!
وقف من مكانه.
وقال بصوت مخضوض
إنتِ متأكدة؟
قفل المكالمة ببطء.
بصلي.
وكان وشه شاحب.
قلت
في إيه؟
بلع ريقه.
وقال
منى كانت بتدور على دفتر الشيكات بتاع بابا…
ولقت ظرف كبير مستخبي في أوضة ماما.
سكت لحظة.
وأضاف
فيه كل الفلوس اللي كنتِ بتدفعيها للممرضة…
والفلوس اللي كانت ماما بتقول إنها اتصرفت على العلاج…
مستخبية… زي ما هي.
وفي اللحظة دي…
عرفت إن الکابوس الحقيقي…
لسه هيبدأ
الفصل الأخير
فضلت باصة لأحمد وأنا حاسة إن الكلام اللي سمعته أكبر من إني أستوعبه.
قلت ببطء
يعني… الفلوس كانت موجودة؟
هز راسه وهو لسه مصډوم.
منى فتحت الظرف قدامي بالفيديو.
كل رزمة عليها ورقة صغيرة.
مرتب الممرضة.
العلاج.
باقي مصاريف المستشفى.
كلها بنفس خط ماما.
حسيت رجلي بتضعف.
قعدت على الكرسي وأنا بفتكر كل ليلة رجعت فيها بيتي منهكة.
كل مرة استلفت من مدخراتي.
كل مرة لغيت حاجة كنت بحلم أشتريها لنفسي.
كل مرة أقنعت نفسي إن دي عيلة… وإن اللي بيتعمل هيرجعلي حب.
لكن الحقيقة…
ولا جنيه من اللي كنت بدفعه كان رايح في مكانه.
قلت بصوت مبحوح
ليه؟
أحمد غمض عينه.
معرفش.
بعد ساعة كنا كلنا في بيت أهله.
لأول مرة…
دخلت البيت من غير ما أشيل أكياس أكل.
ولا علاج.
ولا فواتير.
دخلت وإيديا فاضية.
لكن راسي كانت مرفوعة.
كانت الحاجة أمينة واقفة في الصالة، والظرف الكبير قدامها على السفرة.
منى كانت واقفة وهي بټعيط.
وأول ما شافتني، قالت
حقك علينا يا مريم… أنا والله مكنتش أعرف إن أمي كانت مخبية الفلوس.
الحاجة أمينة قاطعتها بعصبية.
اسكتي!
وبعدين بصتلي وقالت
إنتِ جاية تعملي إيه؟
قلت بهدوء
جاية أفهم.
أشارت للظرف.
الفلوس دي فلوس البيت.
قلت
لا.
دي فلوسي.
سكتت.
كملت
كل رزمة في الظرف دي أنا تعبت عشان أجيبها.
أنا اللي اشتغلت.
وأنا اللي دفعتها.
وإنتِ خدتيها.
قالت بسرعة
كنت بحوشها.
ضحكت لأول مرة.
لكن ضحكة كلها مرارة.
بتحوشيها؟
وأنا بغسل هدوم جوزك بإيدي؟
وأنا بلف على الصيدليات؟
وأنا بنام ساعتين؟
وأنا بوقع في الشغل من التعب؟
كان ممكن تدفعي للممرضة.
كان ممكن تجيبي حد يساعد.
لكن إنتِ اخترتي توفري الفلوس…
وتستهلكيني أنا.
الحاجة أمينة سكتت.
وأحمد كان واقف، باصص لأمه پصدمة.
قال
ليه يا أمي؟
ردت وهي بتزعق
كنت بخاف الفلوس تخلص!
قلت بهدوء
فخليتي أنا اللي أخلص.
سكت البيت كله.
ولا حد عرف يرد.
قربت من السفرة.
فتحت الظرف.
وبدأت أعد الفلوس.
كانت تقريبًا نفس المبلغ اللي دفعته للممرضة.
بصيت لأحمد.
وقلت
الفلوس دي هتدخل حساب المستشفى دلوقتي.
لكن من فلوسكم.
مش من جيبي.
ناولته الظرف.
ومدتش إيدي ألمس جنيه واحد.
قال باستغراب
مش هتاخديهم؟
هزيت راسي.
لا.
أنا مش جاية آخد فلوس.
أنا جاية آخد حقي.
وحقي مش فلوس.
حقي إني من النهارده…
محدش يعتبرني مسؤولة عن عيلته.
الحاجة أمينة قالت بكسرة عمرها ما ظهرت قبل كده
يعني خلاص… هتسيبي ابني؟
بصيت لأحمد.
كان واقف ساكت.
مستني يسمع إجابتي.
قلت
القرار مش هيتاخد النهارده.
لو أحمد عايز يكمل جوازنا…
يبقى لازم يبقى فيه حدود.
أهله مسؤوليتهم عليه هو وأخته.
ولو ساعدت بعد كده…
هيبقى بمزاجي.
مش بالإجبار.
ولو حد فكر يرفع صوته عليا تاني…
هيكون آخر يوم يشوفني فيه.
أحمد قرب مني.
وقال
قدام الكل
أنا آسف.
مش كلمة وخلاص.
أنا فعلًا ظلمتك.
ووعدك…
إن اللي حصل ده عمره ما هيتكرر.
بصيت في عينيه.
ولأول مرة من سنين…
لقيته بيتكلم من غير ما يبص ناحية أمه.
الحاجة أمينة حاولت تتكلم.
لكنه رفع إيده وقال
كفاية يا أمي.
اللي حصل لمريم بسببنا كلنا.
وأنا أول واحد غلط.
فضلت ساكتة.
مكنتش محتاجة اعتذار.
كنت محتاجة أشوفه واقف في صفي.
وده كان أول مرة يحصل.
بعد شهر…
رجعت شغلي.
لكن رجعت إنسانة تانية.
حسابي البنكي بقى باسمي أنا وبس.
مبقاش فيه أي خصومات لأهل جوزي.
الممرضة رجعت تشتغل…
لكن المرة دي أحمد ومنى هما اللي كانوا بيدفعوا مرتبها.
وكانوا بيتقسموا الأيام في رعاية أبوهم.
أما الحاجة أمينة…
فاتغيرت ڠصب عنها.
لأنها اكتشفت إن أكتر شخص كانت بتستغله…
هو نفس الشخص اللي كان شايل البيت كله.
وفي يوم، وأنا قاعدة في البلكونة بشرب الشاي، رن موبايلي.
كانت الحاجة أمينة.
رديت.
قالت بصوت واطي لأول مرة
يا مريم…
كنت غلطانة.
سامحيني.
بصيت للسماء وأنا باخد نفس طويل.
وقلت بهدوء
أنا مسامحاكي.
بس عمري ما هرجع لنفس الغلطة.
وقفلت المكالمة.
وشربت آخر رشفة من كوباية الشاي.
وحسيت بإحساس مكنتش حسيت بيه من سنين…
الراحة.
تمت.





