الليله الي قبل فرحي حكايات صافي هاني

الليلة اللي قبل فرحي، أختي بعتتلي صورة لفستاني وهو مِتّقَطّع ميت حتة، وكتبتلي أوبس.. افتكرت الفستان المعفن ده شبه العروسة المعفنة. وأمي قالتلي بلاش دراما بقى. أنا مَعيّطتش.. أنا كلمت شركة التأمين بتاعتي، وعلى الضهر كان فيه ظابطين واقفين على باب أختي…
ريحة جناح العروسة في فندق بيلامي كانت خليط من خشب الأرز، وهوا البحر المالح، والورد الغالي اللي مكنش يعرف لسه إنه واقف في وسط كارثة.
فستان فرحي كان مفرود على السرير تحت إضاءة اللمبات الصفرا الدافية، بس مكنش بنفس الشكل اللي سيبته بيه.
الصدر مِتّقَطّع.
والجيب مفرومة حتت على طول الخياطة.
وديل الفستان كان مِتّفَرفِت حتت، وكأن في حد قعد يقطعه بمزاج وراوقان وعايزني أعرف ده كويس.
مقص القماش كان محطوط على الكرسي اللي جنب الشباك.. محطوط بنظام، وبفخر كمان.
وفجأة تليفوني رن.
بروك.
صورة واحدة.
رسالة واحدة.
أوبس.
لكام ثانية، فضلت واقفة مكاني على الباب وإيدي لسه على الأكرة النحاس. مَدَخَلتش.. مَلَمَستش الفستان.. ومَصَوّتّش.
أنا اسمي لوري ليشانس، وعندي واحد وتلاتين سنة، وفي السن ده اتعلمت الفرق بين الهدوء والعجز.
أهلي طول عمري كانوا بيلخبطوا بين الاتنين.
في عيلتنا، بروك كانت هي البنت الساحرة.. المنورة.. اللي أمي بتدافع عنها من قبل حتى ما حد يتهمها بحاجة.
أما أنا، فكنت العاقلة.. واللي معناها في قاموس أمي الشغالة.
كنت البنت اللي
بتشيل التفاصيل، وبتحل المشاكل، وبتفتكر التواريخ، وبتاخد بالها من كل حاجة، وبتِبلع الإهانات وهي ساكتة.. عشان جملة إحنا مبنعملش فضايح كانت تقريباً محفورة في شعار العيلة.
يعني بروك ممكن تضيع حلق اللؤلؤ بتاع جدتي، وفي الآخر أمي تطلب مني أنا ما أنكّدش عليها!
بروك ممكن تقطّع فيا بكلمتين وتلقيح على الغدا، وأمي تبتسم وكأنها قالت حاجة ذكية جداً.
بروك كانت بتاخد لقطة ومساحة أي مكان تدخله، وكان المفروض مني أقف جنب الحيط وأبقى كتر خيري وممتنة إن لسه في مكان ليا أصلاً.
عشان كده، لما وقفت في عشا البروفة بتاع فرحي في نيوبورت، وهي لابسة فستانها الحرير الشامبانيا، ورفعت كاسها وقالت نكتة عليا أخيراً سابت حد تاني يكتبلها القواعد، أنا خدت بالي إن الصالة كلها بتضحك.
بس خدت بالي من حاجة تانية كمان..
نظرة عينيها الخاطفة اللي راحت ناحية الجناح الشرقي.. ناحية جناح العروسة.
أي حد تاني مكنش هيلاحظها.
بس أنا بلقط كل حاجة.
أنا بشتغل خبيرة تأمين وتقييم مخاطر أولى في شركة مانسفيلد كيتس في بروفيدنس.. بشتغل في الحاجات الشخصية الغالية جداً؛ خواتم الخطوبة، اللوحات الفنية، الآلات، وفسايتن الأفراح.
شغلتي هي إني أدرس الضرر، وأشوف هل الحكاية اللي الناس بتقولها راكبة على الأدلة اللي قدامي ولا لأ.
قبل الفرح بأسبوعين، عملت بوليصة تأمين مخصصة لفستاني.
ب 18500 دولار.
مِتّقَدّر، مِتّصَوّر، مِتّجَدوِل، ومِتّوَثّق.
والطرحة كمان كان ليها بوليصة لوحدها.. دانتيل شانتيلي عاجي، ورثّتها عن جدتي ميلين.. ب 6200 دولار.
أمي كانت بتقلّب عينيها بملل وأنا بوثق الحاجات دي.
كانت بتقول عليا باردة.
وبتقول إني مأفورة.
وكانت بتقول ده أسلوب لوري المقرف.
بس في الليلة دي، وأنا واقفة بره جناح 207، وببص على الفستان اللي أختي قطعته، فهمت حاجة بوضوح شديد خلاني أحس بهدوء غريب.
ده مكنش غضب.
الغضب بيبهدل الدنيا عشوائي.
ده كان تخطيط.. بنظام.
كل قطعية ماشية مع النسيج.. كل خط مكسور في المكان الضعيف من القماش. اللي عمل كده مكنش عايز يبوظ فستان وبس..
ده كان عايز يبوظ اللحظة اللي همشي فيها في الممر عشان أبقى ل حد.
وفجأة أمي وصلت عند الباب وفي إيدها كاس نبيذ أبيض.
بصت على الفستان.
بعدين بصتلي.
وقالت يا حبيبتي، ده قماش.. بلاش دراما.
دي اللحظة اللي كل حاجة في الأوضة اتقلبت فيها.
مش عشان اللي قالته..
عشان اللي مَقالَتْهوش.
مسألتش مين عمل كده.
مبانش عليها الصدمة.
مبصتش حتى ناحية المقص.
الأم اللي تدخل أوضة وتلاقي فستان فرح بنتها مِتّدَمّر ومَتسألش إيه اللي حصل، دي مش بتعمل رد فعل.. دي شريكة في الجريمة.
شنطتها السواريه كانت تحت باطها، وكان طرف كارت مفتاح الفندق الفضي باين من فوق.
كارت المفتاح بتاع الأوضة بتاعتي.
بصيت عليه.
وهي شافتني وأنا ببص.
ولأول مرة طول الليلة، ابتسامتها بقيت باردة وناشفة.
وقالت مش هنكلم حد.
. الصبح بروك هتعتذر، والموضوع هيعدي.
قلت لها حاضر يا أمي.
جابتلي شاي بابونج وقالتلي نامي.
حطت الكوباية على الكومودينو.
ما شربتهاش.
أول ما صوت خطواتها اختفى في الممر، فتحت الشنطة الجلد اللي كنت واخداها معايا، رغم إن وصيفة العروسة تريقت عليا إني واخدة شغل معايا في إجازة الفرح.
جواها كان التقييم، ورقم البوليصة، والصور، والعقد، وصفحة التوقيعات.
الملف ده مكنش انتقام..
ده كان دليل جنائي.
الساعة 1206 بالليل، كلمت الخط الساخن لشركة مانسفيلد كيتس بعد مواعيد الشغل، واديت الموظفة اسمي، ورقم الكارنيه بتاعي، ورقم البوليصة، ونوع الضرر.
سألتني لو كنت عايزة أحول البلاغ لقطاع التحقيقات الخاصة.
قلت لها آه.
سكتت شوية..
بعدين قالت مش لازم إنتي اللي تضغطي على الزناد.. إحنا ممكن نقوم بالدور ده بدالك.
بصيت على طرحة جدتي المتقطعة وهي متعلقة على المراية.
وقلت لها تاني آه.
على الساعة 1224 بالليل، مدير الأوتيل كان شمع الأوضة.
وعلى الساعة 330 الصبح، كانت معانا تقارير فتح الأبواب بال كارت.
الساعة 904 بالليل تم إصدار نسخة مفتاح إضافية لكاثرين ليشانس أمي.
الساعة 1113 بالليل بروك ليشانس دخلت جناح 207.
الساعة 1136 بالليل بروك ليشانس خرجت.
الساعة 1144 بالليل أنا وصلت.
وبعدين شفنا تفريغ كاميرات الصالة اللوبي.
أمي واقفة في الممر، وبتسلم بروك كارت الأوضة.
بروك بتهز رأسها بالموافقة.
وأمي وهي راجعة
للبار وكأن مفيش أي مصيبة بتحصل فوق.
أنا مَعيّطتش ساعتها برضه.
في نوع من الوجع مش بيكسرك..
ده بيقفل جواك حنفية المشاعر تماماً.
الساعة 402 الصبح، محامي خطيبي رد على الإيميل بكلمتين
الملف جاهز على الفجر.
الساعة 540 الصبح، مشيت في الجنينة المبلولة بالندى ناحية الشاليه اللي أمي قاعدة فيه. كنت ناوية أكلم جدتي.. كنت عايزة أسألها هي العروسة المفروض تعمل إيه لما أهلها يحاولوا يذلوها ويكسروها قبل ما تدخل الفرح؟
بس باب الشاليه كان موارب.
جهاز الآي ماك كان لسه شغال.
وإيميل أمي كان مفتوح.
ما لمستش الماوس.
كل اللي عملته إني رفعت تليفوني وصورت اللي كان منور على الشاشة.
مسودة إيميل.
كلام ورا بعضه.
اسم بروك.
واسم أمي.
التواريخ راجعة لورا بقالها تلات أسابيع.
وعنوان الإيميل خلاني أقف مكاني ومتحركش
خطة الدرس.
ورايا، الباب اتفتح.
لفيت ولقيت جدتي ميلين واقفة، ليرتدي روب بيج فوق البيجاما، وماسكة بإيديها الاتنين صندوق خشب أرز طويل.
بصت على الشاشة.
وبعدين بصتلي.
وقالت بقالي تلاتين سنة مستنياها تكتب الكلام ده بإيدها.
الساعة 1204 الضهر، ظابطين باللبس الرسمي خبطوا على باب بروك.
فتحتلهم وهي حاطة في ودنها حلق اللؤلؤ اللي كانت بتقول عليه ضاع.
. فتحت الباب وهي مبرقة، والظابط بكل برود قالها يا فندم، إنتي مقبوض عليكي بتهمة الاحتيال التأميني وإتلاف ممتلكات غيرك عمد.
أمي طلعت تجري من وراها وهي بتصوت أنتوا اتجننتوا؟
دي مجرد خناقة بنات! لوري.. قولي للناس دي يمشوا حالا!.
أنا كنت واقفة ورا الظباط، حاطة إيدي في جيبي وباصة لأمي في عينيها وساكتة.
أمي وشها جاب ألوان وقالتلي بصوت واطي ومليان غل إنتي هتبوظي فرحك عشان حتة فستان؟ إنتي بتدمرى العيلة!.
جدتي ميلين سابت الصندوق الخشب من إيدها، وطلعت موبايلها وورّت الظابط التاني صور الإيميل اللي اسمه خطة الدرس.
أمي لما شافت الشاشة، الرعب ظهر في عينيها.. الإيميل مكنش بس بيتكلم عن الفستان.. ده كان اتفاق بين أمي وبروك إنهم يدمروا الفستان عشان يكسروا نفسي، وتطلع بروك هي البطلة اللي هتنقذ الموقف وتديني فستان من عندها قدام المعازيم، عشان يثبتوا لخطيبى وللناس إني من غيرهم ولا حاجة، ويفضلوا هما دايماً أصحاب اللقطة.
الظابط بص لأمي وقالها وحضرتك كمان مطلوبة كشريكة في التزوير والتواطؤ.
بروك بدأت تصرخ وانهارت وهي بيتحط الكلبش في إيدها، وأمي قعدت على الرصيف بتعيط من الخزي وهي شايفة نظرات النزلاء في الفندق والدنيا مقلوبة.
جدتي قربت مني، وطبطبت على كتفي، وفتحت الصندوق الخشب اللي كان في إيدها.. وجواها كان فستان فرحها هي.. دانتيل طبيعي، سليم، وجميل بشكل يخطف العين، ومكنش حد يعرف بوجوده.
بصتلي وقالتلي ده بتاعك من الأول يا لوري.. العيلة مش بالدم، العيلة باللي بيصونك.
الفرح اتم أسبوعها، بس من غير
أمي وأختي اللي قضوا ليلتهم في الحجز.. وأنا مشيت في الممر وأنا رافعة راسي، بفستان جدتي، ولأول مرة في حياتي مكنتش واقفة جنب الحيط.. كنت أنا العروسة، وأنا البطلة، وأنا اللي كتبت القواعد بنفسي بعد الفرح ما خلص، مكناش لسه استوعبنا كل اللي حصل. سافرت أنا وجوزي نقضي شهر العسل، وفي أول أسبوع هناك، جالي إيميل رسمي من المحامي وتقرير نهائي من شركة التأمين مانسفيلد كيتس.
شركة التأمين متساهلتش؛ لأن القيمة الإجمالية للفستان والطرحة كانت معدية ال 24000 دولار، وده في القانون بيتحول لجناية تخريب متعمد واحتيال تجاري، مش مجرد جنحة بسيطة. أمي خرجت بكفالة ضخمة رهنوا فيها الشاليه بتاعها عشان يغدوها، أما بروك ففضلت محبوسة كذا يوم على ذمة التحقيق لأن المحضر كان لابسها بالدليل القاطع، وتفريغ الكاميرات وسجلات المفاتيح الإلكترونية مكنش فيهم ثغرة واحدة.
لما رجعنا، أمي حاولت تبعد عن الحبس بأي طريقة، وبعتتلي مع المحامي بتاعها تطلب إني أتنازل عن المحضر وأسحب بلاغ شركة التأمين. ردت عليها شركتي ببيان جاف المطالبة تم تحويلها للقضاء الجنائي من قِبل الشركة نفسها لتعويض الخسائر، والتنازل الشخصي لن يوقف الدعوى الحق عام.
بروك اتحكم عليها بالتعويض المالي الكامل للشركة مع إيقاف التنفيذ والمراقبة لمدة سنتين بسبب سجلها اللي كان نضيف قبل كده، بس
النتيجة الحقيقية كانت إن سمعتها في وسطهم اتهدت تماماً، ومبقاش حد يبص لبروك الساحرة غير إنها البنت اللي غارت من أختها لدرجة الجريمة.
أمي اتصلت بيا مرة واحدة بس بعد الحكم، مكنتش بتعتذر، كانت لسه بتقول انتي شمتي فينا الناس، مبسوطة وانتي شايفة أختك متبهدلة؟.
رديت عليها بكل هدوء أنا مبهدلتش حد يا أمي.. أنا بس متبعتش القواعد بتاعتكم، وطبقت قواعدي لأول مرة. وقفلت السكة.
جدتي ميلين نقلت ملكية كل ورثها ليا رسمي، وقطعت علاقتها بأمي تماماً.
النهاردة، وأنا قاعدة في بيتي الجديد مع جوزي، ببص على فستان جدتي وهو متعلق في الدولاب محمي وجاهز عشان يفضل لبنتي بعد كده.. الفستان القديم المتقطع مبقاش يمثل لى أي وجع، بالعكس، بقى هو الخط الفاصل اللي عرفت فيه قيمتي، واللحظة اللي اتعلمت فيها إن الهدوء مش عجز.. الهدوء أوقات بيكون أقوى سلاح ممكن تدمر بيه اللي فاكر نفسه ذكي.
فاتت سنة كاملة على اليوم ده.
الحياة هديت، بس الوشوش مَرجعتش زي الأول، ولا هترجع. أمي باعت الشاليه بتاعها عشان تسدد مصاريف المحامين والغرامات اللي شركة التأمين حكمت بيها عليها هي وبروك تضامنياً، لأن الشركة اعتبرت الإيميل خطة الدرس دليل على التآمر والاشتراك في الجريمة. بروك بقيت عايشة مع أمي في شقة إيجار صغيرة، ومبقاش حد من معارفهم القدام بيعزمهم في مكان، لأن الفضيحة
في الأوساط دي بتلف أسرع من البرق. بروك
الساحرة بقت في نظر الكل البنت المريضة اللي دمّرت فستان فرح أختها من الغل.
في يوم، كنت قاعدة مع جدتي ميلين في بيتي، بنشرب شاي وبنتكلم في الشغل، وفجأة تليفوني رن.
الرقم كان غريب، بس لما رديت عرفت الصوت فوراً.. كانت بروك.
صوتها مكنش فيه الغرور بتاع زمان، كان مكسور وفيه نبرة رجاء عمري ما سمعتها منها لوري.. أنا بكلمك من غير ما ماما تعرف. أنا تعبانة، وماما طول الوقت بتلومني إني السبب في خراب بيتنا وفلوسنا اللي راحت. أنا أسفة يا لوري.. أسفة على كل مرة حسستك فيها إنك مالكيش لازمة. ممكن نتنازل عن القواضي دي؟ أنا مش عارفة ألاقي شغل بسبب الصحيفة الجنائية بتاعتي.
أنا سكتت لثواني. زمان، كنت هعيط وأقولها خلاص مسامحاكي وأجري أحل لها مشكلتها.
بس لوري القديمة ماتت في جناح 207.
قلت لها بنبرة هادية ومستقرة أنا مش حاطة غل من ناحيتك يا بروك، وأنا شخصياً ماليش قواضي معاكي.. اللي بيحاسبك دلوقتي هو القانون وشركة التأمين اللي انتي حاولتي تنصبي عليها. الشغل اللي انتي مش لاقياه ده نتيجة أفعالك، مش نتيجتي أنا. أتمنى فعلاً تفهمي الدرس اللي ماما كتبته في الإيميل.
وقبل ما ترد، قفلت السكة.
جدتي بصتلي وابتسمت، وطبطبت على إيدي وقالتلي عارفة يا لوري؟ الفستان اللي اتقطع ده مكنش
فستان فرحك.. ده كان الكفن بتاع العيلة المزيفة اللي عيشتي فيها. ودلوقتي انتي بدأتي تعيشي بجد.
النهاردة، وأنا بكتب التقرير السنويبتاعي في الشركة بعد ما اترقيت وبقيت مديرة قسم تقييم المخاطر الكبيرة، جوزي دخل عليا وحط قدامي تذكرتين سفر عشان نحتفل بعيد جوازنا الأول.
بصيت من شباك مكتبي على الشمس وهي بتنور الأوضة، وافتكرت الليلة دي.. ليلة ما وقفت قدام الفستان المتقطع ومصرختش. عرفت ساعتها إن أعظم انتقام في الدنيا مش إنك ترد الضربة بضربة وتعمل زيطة.. أعظم انتقام هو إنك تنجح، وتعيش سعيد، وتسيبهم هما ياكلوا في نفسهم.. لحد ما يفتكروا كل ثانية ظلموك فيها، وهمّا مش عارفين يوصلوا لك تاني.
مرت خمس سنين على الليلة دي. خمس سنين كاملين ملمحتش فيهم وش أمي ولا بروك، ولا حتى فكرت أدخل على صفحاتهم أشوف عايشين إزاي. حياتي بقيت مشغولة بحاجات تانية أهم بكتير.. بقيت مشغولة بنفسي، وبجوزي، وببنتي الصغيرة ميلين، اللي سميتها على اسم جدتي.
في يوم، كنت في السوبر ماركت بشتري طلبات للبيت، وبنتي كانت قاعدة في عربية التسوق بتضحك. وأنا واقفة بختار حاجات من على الرف، حسيت بخيال حد واقف ورايا وبيريّح على العربية.
لفيت.. ولثانية واحدة قلبي هبط.
كانت أمي.
بس مكنتش أمي اللي أنا عارفاها.
الست اللي كانت دايماً لبسها على السنجة وعشرة، وشعرها معمول، وبتتكلم من طرف مناخيرها، كانت واقفة قدامي بوش باهت، وتجاعيد الحزن باينة حول عينيها، ولابسة هدوم عادية جداً مفيهاش أي أثر للورث أو الفخامة بتاعت زمان.
بصت لبنتي، وعينيها دمعت، وقالت بصوت مرعوش شبهك قوي وأنتِ صغيرة يا لوري.. ماشاء الله.
أنا سحبت عربية التسوق خطوة لورا غصب عني، وحطيت إيدي على بنتي كأن حمايتها بقت غريزة تترجم في ثانية. قلت لها بنبرة جافة بس مفيهاش غل أهلاً يا أمي.. عاملة إيه؟.
أمي نزلت عينيها في الأرض وقالت بروك اتجوزت الأسبوع اللي فات يا لوري.. اتجوزت موظف بسيط على قد حاله، ومحدش حضر الفرح غيري أنا وهو وأهله. حتى فستان فرحها.. كان فستان مستعمل ومأجراه. طول الفرح كنت قاعدة بعيط وبفتكر فستانك.. بفتكر اللي عملناه، وبقول لنفسي إن ذنبك هو اللي بيخلص فينا.
بصيت لها ولقيت نفسي مش حاسة بأي شماتة.. ولا حاسة بأي حزن برضه. كنت حاسة بفراغ تام من ناحيتها، كأنها ست غريبة في الشارع بتحكيلي مشكلتها.
قالتلي بنبرة رجاء مش هتحني يا بنتي؟ أنا كبرت وتعبت، ونفسي أشوف حفيدتي وأموت وأنا مرتاحة.. سامحينا بقى، إحنا دفعنا التمن غالي قوي والناس كلها اتخلت عنا.
في اللحظة دي، افتكرت جملة جدتي ميلين
الله يرحمها لما قالتلي العيلة مش بالدم، العيلة باللي بيصونك.
بصيت لأمي وقلت لها بابتسامة هادية جداً أنا مسمحاكم يا أمي من زمان، لأني لو مشلتش المسامحة دي في قلبي مكنتش هعرف أعيش حياتي وأربي بنتي في سلام. بس المسامحة حاجة.. والرجوع حاجة تانية خالص. أنتوا اختاروا طريقكم زمان، وأنا اخترت طريقي.. وبنتي هتربى بعيد عن أي مكان فيه خطط دروس.
أمي بكت وهزت راسها كأنها فهمت إن الباب ده اتقفل للأبد، ومبقاش فيه أمل يتفتح تاني. لفت وضهرها محني ومشت وسط الممرات لحد ما اختفت.
أنا أخدت بنتي، وحاسبت، ورجعت بيتي.
بالليل، كنت قاعدة في جنينة بيتنا، وجوزي مشغل مزيكا هادية وبنتي نايمة في حضنه. بصيت للسما الصافية وحسيت بنسمة هوا باردة ريحتها شبه الحرية.
الحكاية اللي بدأت بمقص وقماش مِتّقَطّع في جناح 207، انتهت هنا.. في المكان اللي فيه كل حاجة كاملة وسليمة.
أنا مَكسرتش عيلتي.. أنا بس اخترت نفسي، ولأول مرة في حياتي، عرفت إن الهدوء مش عجز.. الهدوء هو إنك تسيب الأيام تدور، وتتفرج على حقك وهو بيرجعلك لحد عندك، وإنت مش حاطط إيدك في المية.
عدت سنين تانية، وبنتي ميلين كبرت وبقت في المدرسة. في يوم من الأيام، وأنا برتب مكتبتي القديمة في البيت، وقع في إيدي الملف الجلدي الأسود.
. الملف اللي كان فيه صور الفستان المتقطع وتقارير شركة التأمين من عشر سنين فاتوا.
بصيت للصور ولقيت نفسي ببتسم.. مكنش فيه أي وجع، بالعكس، الصور دي بقت بالنسبة لي زي شهادة ميلادي الحقيقية.
وفجأة، تليفوني نور برقم محامي عيلتي القديم. لما رديت، صوته كان هادي ومجرد من المشاعر وهو بيقولي البقاء لله يا لوري.. والدتك اتوفت الصبح في المستشفى بعد فترة تعب قصيرة.
سكتت.. حسيت بغصة خفيفة في حلقي، بس مكنتش صدمة. سألته عن الإجراءات، فقال لي والدتك سابت وصية رسمية معلنة، وطلبت إنك تحضري القراية مع بروك في مكتبي بعد الدفن.
يوم الدفن كان بارد وخريفي. وقفت من بعيد، لابسة أسود ونظارة شمس، وشايفة بروك واقفة جنب القبر وهي منهارة وبتعيط بحرقة.
. مكنش معاها حد خالص غير جوزها. لما لمحتني، عينيها جت في عيني، ومشتش عينيها.. كان فيه نظرة انكسار واستسلام غريب، مكنش فيه غل ولا تحدي زي زمان.
بعدها بساعتين، كنا قاعدين في مكتب المحامي.. أنا في ناحية، وبروك وجوزها في الناحية التانية، والسكوت كان سيد المكان.
المحامي فتح المغلف وقرأ الوصية أمي مكنش حيلتها حاجة تملكها غير الشقة الإيجار وشوية مجوهرات بسيطة وساعة دهب قديمة كانت ورثاها عن جدتي.
الوصية كانت واضحة وصادمة لبروك.. أمي كتبت كل ما أملكه من مجوهرات وساعتي الذهب يذهب لابنتي لوري.. أما بروك فليس لها عندي شيء، فقد أخذت نصيبها ونصيب أختها في حياتي، وكانت سبباً في ضياع كل ما نملك.
بروك حطت إيدها
على وشها وبدأت تعيط بنشيج مكتوم، وجوزها بيطبطب عليها وهو محرج.
المحامي بصلي ومضاني على الأوراق، وطلع علبة قطيفة فيها الحاجات وسلمهالي.
أنا وقفت، وقبل ما أمشي، حطيت العلبة القطيفة على المكتب قدام بروك.
بروك رفعت راسها وبصتلي وهي مش فاهمة والدموع في عينيها.
قلت لها بنبرة هادية جداً المجوهرات دي مش هتعوضني عن الليلة اللي أنتوا كسرتموني فيها، ولا الساعة الدهب هترجعلي ثانية واحدة عشتها في نكد بسببكم.. أنا مش عايزة حاجة من ريحة الماضي ده. خدي الحاجات دي يا بروك.. بيعيها وسددي بيها ديونك، أو خليها معاكي.. أنا مش محتاجاها.
بروك صوتها طلع وهي بترتعش ليه بتعملي كده يا لوري؟ بعد كل اللي عملته فيكي؟.
بصيت لها
لآخر مرة وقلت عشان زمان.. كنت ببلع الإهانة وأنا ساكتة عشان خايفة من الفضايح.. دلوقتي أنا بسيبلك الحاجة دي وأنا قوية، ومكتفية، ومش مستنية منكم حاجة. أنا مش شبهكم يا بروك.. وعمري ما هكون.
سيبت المكتب وخرجت.. ركبت عربيتي وسوقت في الشوارع، وفتحت الشباك عشان الهوا يدخل يغسل كل الأفكار القديمة.
لما رجعت البيت، بنتي ميلين جرت عليا ، وجوزي كان مجهز الغدا وبيضحك.. بصيت لبيتي المنور والدافي، وعرفت إن الحكاية قفلت صفحتها الأخيرة بجد.. ومن غير أي رجعة.
الحق مش دايماً بيرجع بإنك تشوف اللي ظلمك مسجون أو متبهدل وبس.. الحق الحقيقي بيرجع لما تكتشف إنك بقيت في مكان عالي قوي، لدرجة إن أقصى أماني اللي ظلموك.. هي إنك
بس تبصلهم وتسامحهم.





